آمرلي: بلدة عراقية محاصرة تصارع الموت


 الأحد، 24 أغسطس/ آب، 2014

مع بزوغ كل فجر جديد، يستيقظ سكان بلدة آمرلي العراقية على نفس الكابوس المروع.
ووسط بلدات وقرى سيطر عليها تنظيم "الدولة الإسلامية"، يقبع سكان البلدة، وهم من التركمان الشيعة، تحت الحصار منذ شهرين.

فلا وجود للكهرباء، وهناك نقص في إمدادات الدواء والغذاء. وبخلاف تدخل الولايات المتحدة لإغاثة أفراد من الأقلية الإيزيدية الذين حوصروا في منطقة جبل سنجار بشمال غرب العراق، لا توجد خطة ذات شأن لإنقاذ الناس في آمرلي.
ويرى سكان البلدة، الواقعة على بعد 180 كيلومترا شمال العاصمة بغداد، أن العالم خذلهم.
ويقول طبيب من سكان آمرلي، يدعى علي البياتي، إنه "بعد الهجوم على الموصل، وقعت كل قرى التركمان الشيعة حول آمرلي تحت سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية".
وأضاف أن مسلحي التنظيم "قتلوا الناس ومثّلوا بجثثهم".
وينتمي غالبية سكان آمرلي إلى طائفة التركمان الشيعة التي تمثل أربعة في المئة من سكان العراق. وكونهم شيعة، يستهدفهم المقاتلون المتشددون باعتبارهم مرتدين.
"نحاول صد هجماتهم منذ 70 يوما. ليس لدينا كهرباء ولا مياه شرب"، بحسب البياتي.
ومضى قائلا "نعتمد على المياه المالحة التي تصيب الناس بالإسهال وأمراض أخرى. منذ بدء الحصار، لقي 50 شخصا من المسنين والمرضى حتفهم. كما لقي أطفال حتفهم بسبب الجفاف والمرض".
"مصارعة الموت"
وبالرغم من أن غالبية سكان البلدة يعملون بالزراعة، فقد شغل القتال الرجال عن حقولهم وأصبحت المحاصيل مهملة.
وكنتيجة لهذا، تقتصر امدادات الطعام التي تصل إلى آمرلي على ما تسقطه مروحيات الجيش العراقي. وتأتي تلك الطائرات مرة واحدة في اليوم على الأكثر لتنزل كمية من الامدادات لا تكفي كل سكان البلدة.
ووصف البياتي الوضع بأنه "كارثة إنسانية"، مضيفا أن "عشرين ألف شخص في آمرلي يصارعون الموت. وهناك أطفال يتناولون الطعام مرة واحدة كل ثلاثة أيام. إنه موقف لا يوصف، ولا أدري ماذا أقول".
ويعمل علي البياتي بمؤسسة إنقاذ التركمان، وهي منظمة غير حكومية تسعى إلى تحسين أوضاع أبناء طائفة التركمان في العراق. ويسافر من وإلى البلدة بواسطة مروحيات الجيش في محاولة لضمان توصيل الاحتياجات الأكثر إلحاحا.

وبالنسبة لكثيرين، تكون تلك الامدادات قليلة جدا أو تأتي متأخرة جدا.
ويقول نهاد البياتي، الذي يعيش مع زوجته وسبعة أطفال، إن "هناك نساء لقين حتفهن أثناء الولادة لعدم وجود أطباء هنا. والناس يموتون جراء إصابتهم بجروح بسيطة لأننا لا نملك الوسائل اللازمة لرعايتهم طبيا".
وباستطاعة مروحيات الجيش العراقي إجلاء نحو 30 شخصا في كل رحلة. وبالفعل نُقل عدد من المصابين إلى مستشفيات في مناطق تسيطر عليها الحكومة، ولكن الجيش منهك ومسار الطائرات محفوف بالمخاطر. ولا تتمكن المروحيات من القيام بتلك الرحلات بصفة دائمة.
بلا رحمة
وفي ما يتعلق بالدفاع عن البلدة، يكون على سكان آمرلي الاضطلاع بالمهمة.
ويوضح نهاد البياتي أنه "لا يوجد جنود. والأسر تعمل سويا لقتال الدولة الإسلامية.. نقاتل للدفاع عن أنفسنا وأرضنا".
وابن نهاد أحد هؤلاء المقاتلين، وهو لا يزال في الثالثة عشرة من عمره.
ويقول نهاد "هل أخاف عليه؟ لا، أنا فخور به. فنحن الآباء الذين يساعدهم أبناؤهم. هذا هو جهادنا. أما تنظيم لدولة الإسلامية فلا يعرفون الله ولا يعرفون الرحمة".
وعلى أرض الواقع، يرى سكان آمرلي خيارات محدودة.
ويقول علي البياتي "تعرفون ما يحدث عندما يسيطر تنظيم الدولة الإسلامية على قرية؟ إنهم يعتقلون كل الرجال، والنساء، والأطفال ويقتلونهم جميعا. صدقوني. ويبقون فقط على بعض الفتيات، كما تعلمون، لأغراض أخرى".
 
تقع مسؤولية الدفاع عن المدينة على عاتق السكان
ولا تعد وحشية الجماعات المتطرفة بالأمر الجديد على البلدة. ففي واحد من أشد الهجمات دموية في أعقاب الغزو الأمريكي للعراق، قتل 159 من سكان آمرلي وأصيب 350 آخرون جراء تفجير شاحنة مفخخة على يد تنظيم القاعدة في عام 2007. ويعرف أهل البلدة جيدا إحساس فقد عزيز عليهم في أعمال عنف.
"طي النسيان"
وخارج العراق، يدير البعض حملات تستهدف الدفع بقوى الغرب نحو التدخل في آمرلي أسوة بما حدث في جبل سنجار.
من هؤلاء، سندس عباس ممثلة "الجبهة التركمانية العراقية" في بريطانيا، وهو حزب سياسي يمثل تلك الأقلية.
وتقول سندس إن "آمرلي تقبع تحت الحصار منذ شهرين حتى الآن. إلى متى علينا أن ننتظر؟ وإلى أي حد ينبغي أن تصل معاناة الناس هناك وكم من الأطفال ينبغي أن يموت قبل أن يدرك المجتمع الدولي أنهم يحتاجون إلى المساعدة على وجه السرعة وأنه ينبغي على العالم أن يساعدهم؟ إننا في طي النسيان".
وفي وقت سابق، دشنت الأمم المتحدة حملة جديدة لتوفير مساعدات لنصف مليون شخص اضطروا للنزوح بسبب القتال في شمال العراق.
وتشمل المبادرة توفير أعمال إغاثة ضرورية للإيزيديين، والمسيحيين، والسنة والشيعة الذين تسبب القتال في تشريدهم. ولكن لاستحالة الوصول إلى آمرلي برا، يصعب على الأهالي الانتقال إلى معسكرات اللاجئين، ناهيك عن القدرة على تلقي هذا الدعم الذي يحتاج إليه السكان بشدة.
وفي الوقت الراهن، يضطر الرجال، مثل نهاد وابنه، إلى الاستمرار في الدفاع عن بلدتهم بالأسلحة القليلة المتاحة لديهم على أمل أن تصلهم المساعدة في أي صورة قريبا.




 
الاسم البريد الاكتروني