محمد ملص: نزهة في «ليل» الشام


خليل صويلح
03 أيلول/سبتمبر 2014

انتهى للتو من إعادة كتابة سيناريو شريطه «ليت للبراق عيناً»، مضيفاً إليه بعض اللمسات التي تخصّ اللحظة الراهنة، ومكملاً في الوقت نفسه ما بدأه في فيلمه الأخير «سلّم إلى دمشق».

كان علينا مع محمد ملص أن نخترع طريقاً آمنةً لرياضة المشي المسائية التي اخترعناها أخيراً لقتل الضجر والوحدة واليأس، في شوارع دمشق، وأن نختار مربعاً جغرافياً، يتيح لنا حرية التجوّال نسبياً، وسط حواجز الكونكريت. ليس رصيف ملعب الفيحاء الجهة المناسبة، في هذا التوقيت. وفقاً لصفحة «يوميات قذيفة هاون دمشقية» على الفايسبوك، هناك نسبة عالية من القذائف الطائشة تتجه إلى هذه المنطقة، فقررنا اتجاهاً معاكساً.

صعدنا إلى ساحة الجسر الأبيض، ثم انعطفنا يساراً بمحاذاة حاجز ضخم، يتيح العبور مواربةً إلى أرصفة منطقة أبي رمانة. مشينا بمحاذاة نهر يزيد بمياهه الراكدة، صعوداً نحو ساحة المالكي. كان المشهد مختلفاً، كأن مدينة أخرى بزغت بغتةً، بعماراتها الأنيقة ونسائها الباذخات، وشوارعها العريضة. لم يعد بائع الصبّارة «التاريخي» يحتل الساحة وحيداً. هناك من ينافسه في الجهة المقابلة، بكشك أنيق، وكراسٍ تلتهم جزءاً من الحديقة، وأضواء مبهرة تتدلى من الأشجار، وسط الضوء الشحيح للشوارع الموازية.

سنكتشف عشرات المقاهي الحديثة التي لم نرها قبلاً، وسوف تتوقف ذكرياتنا عند مقهى «توليدو» الذي كان ملتقى النخبة حتى أوائل الثمانينيات، قبل أن تطيحه موجة الحداثة، ويفقد روّاده القدامى. يستعيد محمد ملص ذكرياته في هذا المقهى، وما آل إليه اليوم، كمحصلة لتحولات متسارعة، كأن الحرب لم تمرّ من هنا، مؤكداً أن فكرة المربع تزداد وضوحاً بين حيّ وآخر، إذ يدير كل حي ظهره للحي الآخر، غير عابئ بما يجري في الجوار. منظر امرأة ريفية تحمل طفلاً في حضنها، تقف على رصيف مجاور، أقفل حديثنا المتوّتر عن طبقات المدينة وصعوبة توثيقه بصرياً الآن، بسبب صراخ المرأة في وجه أحد حرّاس السفارات الذي طالبها بالابتعاد من المكان، نافية بأنها شحّاذة. ثم انتهى الأمر بعراك بين المرأة والحارس، وسط صمت المارّة، قبل أن يجرّها إلى داخل غرفة الحراسة. في حي الشعلان، ستتخذ الحياة طابعاً أكثر صخباً، بوجود عشرات المقاهي التي تغصّ بجيل جديد يعيش لحظة مفصلية هي مزيج من العطالة والخيبة والمشاريع المؤجلة، ساعياً إلى تعويضها بحياة افتراضية في المقام الأول. يقول محمد ملص بأن حالة الوأد الثقافي ليست طارئة، وإنما هي لعنة أبدية تنتقل من جيل إلى آخر، مستعيداً مسوّدة مفكرة سينمائية كتبها مطلع سبعينيات القرن المنصرم عن السينما الموءودة، وكيف اكتشف خلال حواراته مع صديقه الراحل عمر أميرلاي، بأن ما يحدث اليوم من خيبات واحباطات وسجالات حدث بالأمس، لكنها «صرخة في واد». يصمت طويلاً قبل أن يؤكد بأن المثقف السوري المتهم اليوم بالعطالة الفكرية، لم يصمت يوماً، بدليل أن عشرات المشاريع التي اقترحها وأبناء جيله، انتهت إلى أدراج المسؤولين. شغف صاحب «أحلام المدينة» بإعادة الروح لمسوّدته القديمة وإصدارها في كتاب قريباً، يأتي كتعويض عن فاتورة خسائر طويلة في مهنة لطالما كانت في مرمى نيران الرقابة. فهناك أكثر من مشروع أعاقته «الذهنيات المتحجّرة»، لعل أبرزها سيناريو فيلمه «سينما الدنيا» الذي سيتحوّل هو الآخر إلى مشروع كتاب يروي فيه وقائع حادثة السير التي كادت تودي بحياته، أثناء تصويره فيلم «الليل»، وفقدانه ذاكرته «خزّان الحكي» وظروف منع سيناريو «سينما الدنيا» بسبب تقرير كيدي كتبه زميل قديم (!). ليس هذا كل ما في جعبة محمد ملص. انتهى للتو من إعادة كتابة سيناريو فيلمه «ليت للبراق عيناً»، مضيفاً إليه بعض اللمسات التي تخصّ اللحظة السورية الراهنة، ومكملاً في الوقت نفسه ما بدأه في فيلمه الأخير» سلّم إلى دمشق». في «مقهى الروضة» الذي اعتدنا الجلوس إلى إحدى طاولته أسبوعياً، سنكمل نقاشنا حول اختيار عنوان نهائي لمسوّدة يومياته عن السينما الموءودة، وأيهما أفضل «وأد الذات»، أم « وأد الوعي»؟ يتحوّل السجال مرّة أخرى، إلى أن كل مكابدات هذا الجيل كان سببها المحاولات المستمرة لوأد الوعي ومحاربة الخيال، وأن المعركة لم تتوقّف يوماً.

ونحن ننحدر نحو شارع المتنبي باتجاه «مقهى الكمال الصيفي»، نروي له ما قاله يوسف عبدلكي في زيارة أخيرة له عن مكابداته كرسّام في الحصول على موديل عارٍ. إذ يفتقد المحترف السوري منذ الستينيات لهذا الموديل بتأثير القيم المتشدّدة التي تراكمت على مهل في فضاء المدينة بتواطؤ الفكر السياسي والديني معاً، ثم كيف غامرت إحداهن، بعد تردّد، في قبول المهمة.

في «مقهى الكمال»، نحو التاسعة ليلاً، بالكاد سنجد طاولة فارغة في المساحة الشاسعة وسط زحام وصخب روّاد، أتوا للعب النرد، وتدخين النارجيلة، إلى عشرات المهاجرين الجدد من مدن الأطراف. المقهى العريق الذي كان ملتقى للسياسيين القدامى، معروض للبيع هو الآخر. من المتوقع أن يتحوّل إلى فندق فخم. سنتوقف للحظات أمام «سينما الكندي» التي تجاور المقهى، مستعيدين زمناً ذهبياً لهذه الصالة، قبل أن تفقد روادها.

بعد خطوات، سندخل في عتمة ساحة يوسف العظمة، مروراً بشارع الصالحية المهجور في هذا الوقت. حواجز الكونكريت الضخمة سترسم مسارات متعرّجة لخطواتنا، قبل أن نفترق. انتهت الحصة الأولى للمشي.

 



 
الاسم البريد الاكتروني