زَلَّةُ العَاشِق

شعيب حليفي

عناق حميمي بين الدخول الاجتماعي والجامعي وبداية رمضان في اليوم الثاني من شتنبر، والذي صادف عودتي المبكرة إلى الكلية لمناقشة أطاريح جامعية خلال يوم ونصف اليوم، بعد ذلك تفرغت للأبناء، إذْ رُحْتُ مع علاء وسجلته بالقسم الخامس أما زينب فبالقسم الثاني، وكنتُ معهما شاعرا بإحساس مفعم بالسعادة كما لو أنيَّ من سيلج المدرسة من جديد ..وبعد يومين توجهنا إلى الحبوس على أقدامنا مرورا من شارع 2 مارس ثم انعرجنا على درب مارتيني /القسطلاني وصولا إلى الحبوس ببهائه العميق وتلادة حيطانه وأزقته. دائما كنتُ أتمنى أن أسكن بالحبوس في بيت عتيق ، واسع جدا بداخله رياض وشجر رمان وليمون.
دخلنا مكتبة دار الثقافة فاقتنينا كل المقررات الدراسية.وفي اليوم التالي توجهنا إلى شارع الفداء/درب السلطان بقصد استكمال شراء الدفاتر والأقلام وباقي الحاجيات ، فيما تكلفت سيدة بيتنا الفاضلة، بعد ذلك، بترتيب ما تبقى من تغليف وكتابة العناوين والأسماء.
أما المكتب الذي يجمعنا داخل البيت للدراسة والمراجعة فهو عبارة عن غرفة واسعة تطل نوافذها على فضاء الحديقة الشرقية للبيت ،وقد عدنا إلى ترتيبه بصيغة جديدة،مغايرة للترتيب الذي قضينا به السنة الفارطة . يوجد به مكتبي الذي هو عبارة عن طاولة مستطيلة كبيرة من الخشب الرفيع ، وهي أحب إلي من المكاتب الضيقة. أجلس عليها لوحدي كما تصلح أن نجلس عليها جميعا للدراسة والمراجعة . إلى جواري على اليمين مكتب صغير خاص بزينب، وفي الجهة المقابلة لنا يوجد مكتب علاء ،تتوسطنا كنبة وثيرة من جزأين، أمامها طاولة خشبية صغيرة وعلى طول جانب واحد من الحائط مكتبة خشبية حائطية لوضع المقررات والدفاتر وأهم الكتب والملفات التي نحتاج إليها.
أما الفقيرة إلى الله مريم فكل الأماكن هي مكتبها، لذلك تحرص على الانتقال بين الجميع وكلما ذهب علاء وزينب إلى المدرسة تتمتع بالجلوس في كل مكتب مرة ، تفتش وترسم وتملأ الأوراق - التي أخصها بها وبعض الدفاتر الفارغة- بتخطيطات سوريالية .

القمطر السحري
عاد علاء إلى عادة الاستيقاظ باكرا ، يغسل وجهه ، ثم يجلس إلى مكتبه يرتب أوراقه ويعيد أو يستكمل مراجعة دروسه اليومية ، وحينما ينتهي يعود إلى قمطره السحري الملئ بعدد من الألعاب اليدوية الصغبرة ، والتي يصنعها أو يختلقها من العاب قديمة .
هذه الأيام استعاد حبه الأثير في اللعب .. الخذروف (الطرومبية) التي أصبح يجيد صقل مهمازها وإدارتها بحرفية عالية تزند نارا على الأرض وتكسر خردوات أصدقائه.في كل أسفاري لا يطلب مني سوى الإتيان له بهذه اللعب البسيطة: البيبليت والخدروف ، ويتمنى يوما السفر معي خارج المغرب ، لوحدينا دون أمه أو أختيه و يبيت بالفندق ومتمنيا أن اعتمد عليه لأنه كما يقول لي أصبح رجلا
لا يخفي حبه لأشيائه الصغيرة ورغباته الطفولية ، مثلا حينما أقول له بأننا سنروح إلى السينما عقب كل نتيجة مدرسية جيدة ، يصرخ بملء فمه وهو يرقص ، الله اكبر ، الله اكبر ..فتح ونصر .
***
شهر رمضان من أحب الشهور إلى نفسي. عادات جديدة وطقوس ذات نكهة روحانية، أبذل فيه نفس المجهود الذي أبذله في الشهور الأخرى وأكثر، وفي كل يوم بعد الفطور أشعر براحة وطمأنينة.
في هذا الشهر من كل سنة أعود إلى ترتيب ملفات كتاباتي، وتكون شهيتي مفتوحة للشروع في كتابة تأليف جديد واستكمال العمل الأقرب إلى الانتهاء وكان هذه السنة تأليفا نقديا .أما روايتي الجديدة ( أنا أيضا ..تخمينات مهملة ) فقد نشرتها الجريدة الأولى/ المغربية مسلسلة يوميا خلال رمضان ..في انتظار صدورها في كتاب خلال يناير القادم.
***
أحب الكتابة مثل رسالة سماوية خص الله بها بعضا من عباده دون الآخرين.
كان طموحي دائما أن أكون كاتبا أو أي شيء يجعلني أحمل المعرفة،( أو بالأحرى واحدا من جنود القبيلة.. بيتي على ظهر فرسي،صيفا وشتاء) من قبل، حينما دخلت القسم الأول بابتدائية يوسف ابن تاشفين/القشلة طلبَ منا المعلم في نهاية السنة، بعدما تعلمنا فك الحروف وتركيبها، أن نكتبَ رغباتنا في ما نريد أن نكونه مستقبلا، فكتبتُ أني أريد أن أصير معلما.وبعد ثلاث سنوات سأَلَنا معلم آخر نفس السؤال.. فقلتُ له:أريد أن أصبح فلاحا مثل والدي .أما المرة الثالثة التي أذكر أني سُئِلت فيها وكانت بالسنة الثانية من السلك الإعدادي، فقد رفضت تدوين أية رغبة مما خلق توترا بيني وبين أستاذي الفاضل حين تشبثتُ برأيي، وأذكر قولي له ما معناه: أني حر في الامتناع والمقاطعة.
حديث ومعزل
على مائدة الغداء أو العشاء تعوَّد َعلاء أن يحكي لنا بعض ما يقع في فصله بالمدرسة من قبل المعلمة ،له أو لبعض أصدقائه ، ثم تتدخل زينب فتصدق على بعض كلامه أو تكذبه ،مرجعها فيما تسمعه بساحة المدرسة ..وفي بعض الأحيان يحكي من أجل التغطية على حدث لا يريد الإفصاح عنه كضرب المعلمة له ..وهنا تتدخل زينب لتقول إنها سمعت من زميلاته بالفصل بأن المعلمة ضربته وزميله...يقاطعها علاء نافيا ثم يؤكد في النهاية وهو يدبج لنا تبريرات له ولأصدقائه ففي كل آخر حصة لما ينتهي الدرس يشرع في الثرثرة .ولما نسأله لماذا يشوش على الآخرين يقول وهو يبحث عن إقناعنا وعيناه قد جحظتا ..بل كنت أتكلم وصديقي حول الدرس .
مرة، أخرج البيبليت في نهاية الحصة وأدارها بسرعة مما أثار صخبا وفرحا بين تلاميذ الفصل .
وبقدر ما يواظب على دروسه بجد ، فإنه لا يترك فرصة تُهدر دون الاستفادة منها في اللعب .
على مدار السنة الدراسية ومن الاثنين إلى الجمعة، عدا يوم الأربعاء ، يعود من المدرسة رفقة أخته زينب في الساعة الرابعة ، فتكون أمامه ساعتان للأكل و واللعب والتفرج على الرسوم المتحركة في التلفزة المغربية وفي السادسة والربع يبدأ في أداء واجباته المدرسية إلى الساعة الثامنة أو أكثر قليلا، تراقبه في الغالب أمه ، كما أجالسه أحيانا ، خصوصا في فترات المراقبات والامتحانات.
ما الحياة؟
لا أريد ربط الكتابة بما هو غيبي، ولكني أعتقد أن الصدفة تلعب دورا كبيرا مع الكاتب والقارئ معًا. الكتابة ليست بأية حال لعبة أو وقتا ثالثا أو هواية للتفريغ، وإنما هي جزء من الحياة التي نتنفسها فضلا عن كونها شيئا نبيلا ومقدسا، و " مهنة " أزلية في اكتشاف حريتك وحرية الآخرين. هي المجال الأسمى- مثل مجالات أخرى- للصراع الحقيقي ضد القهر والظلم والنسيان ،والمساهمة في بناء ذاكرة رمزية ومرجعية تؤسس لوعي مشترك وحس يوسع متخيلنا الكلي.
إن ارتباطي بالكتابة نابع من اعتقادي أني ضيعت حلمي في أن أصير فلاحا لا أعرف القراءة والكتابة، وهي رغبة حقيقية كنت أتمناها . مرة قلت لزوجتي وقد بلغ علاء الخامسة من عمره وكنا على أهبة تسجيله بالمدرسة:
- " أتمنى أن أتركه أميا"... ثم حركت رأسي حتى يسقط منه هذا العبث.
هكذا ،ولأني انجرفت خارج الحلم، صرت مندفعا بأقصى ما في وسعي للدخول في حلم الكتابة باعتبارها فلاحة بطريقة أخرى في العالم وكائناته.
الكتابة إما أن تجعلك مُهجنا وضعيفا.. فاقدا للتوهج الطبيعي، محرِّفا وحبَّاكا لن يهتم أحد بما تكتب في النص الأول أو الأخير مادام النص أعجز من صاحبه، رخوا يعاني من التنفس والحياة . أو تجعل منك قديسا مؤمنا بالفن وقضاياه وهو الأمر السوي والنادر.
في طفولتي الأولى ،كان لي دفتر أكتب عليه " إنشاءات" حرة من مشاهداتي ،وكان ذلك قليلا لانشغالي الدائم. أتذكر نصا نثريا كنت كتبته عن واقع البادية... حول الحصاد والحيوانات والصهد... وأنا الآن أتساءل هل هو نفسه النص الذي مازال ينكتب في نصوصي الحالية ؟ لذلك فإن ارتباطي بالكتابة مازال في التشكل والمراجعات على النص الأول ولن ينتهي أبدا...
كان لي ابن خال ،توفي قبل عشرين عاما، تربينا معا منذ طفولتنا، هو الذي كان يطلع على ما أكتبه. أتذكره الآن انه بادرني بسؤال استفهامي عميق لمَّا قرأ من دفتري: " هل كتبت كل هذا من رأسك ؟ ". نعم شيء يراودني باستمرار بأني لن أكتب لأحد ولا لنفسي أيضا، بل للذين تركونا دائما.. اللامرئيون الذين راحوا أو سيأتون، المتنورون شديدو الإشعاع.
***
بعد منتصف شهر رمضان ، أمطار تعيد الحياة إلى النفوس .شعرت بانفراج كبير في خاطري ..فعلاقتي بالمطر روحية أكثر من علاقتي بالصهد .كلمتُ والدي بالهاتف وسألته عن المطر بالبلد فقال لي: إن الله لا ينسانا .
في الغد سافرت إلى سطات ، وهناك حملتُ بويا معي في السيارة ، وطُفنا تحت أمطار تغازل الأرض ، بمجموع أراضينا ونحن نتحدث عما يشاع من أمر الطائرة المروحية التي طافت بسهول الترس طويلا وهي تلتقط صوراللحقول ،وكيف شاع الخبر بأنهم يريدون التهيئة لمطار خاص برجال الأعمال بالمنطقة كما يبحثون عن مسالك جديدة لتعبيد الطريق من سطات إلى رأس العين بامزاب مرورا بأولاد شعيب .
ربي إني انتظر ،صيفا وشتاء، المطر منزلا من عندك ، تمدنا به بأياديك زُلالاً يمسح زلاتنا الصغيرة.
الدُّنُوُّ من نفسي
في مرحلة أولى، بدأت أكتب الشعر لأني كنت أقرأه بكثرة ومعجب بشعراء الجاهلية، ثم اكتشفتُ إن غوايتي بسِيَّرِهم التي هي المدخل الحقيقي لإعجابي وحفظي لإشعارهم، ثم إن الطفولة، كل طفولتنا هي عبارة عن قصيدة جميلة تتخللها توترات ومقاطع حالمة تحتاج إلى تأطير كل فيضها وفيض الشباب في إطار يستجمع مشاعرنا وكأن الشعر في حياتنا هو النهر الذي لابد لنا أن نسبح فيه.الشعر تكثيف قوي للخطاب يلتقط ويلمح ويختصر مختزنا حكيا مقيدا، بينما الرواية نثر يغوص في المعرفة بحثا عن تحليلات وتأملات موسعة وبناءات مفتوحة.
باستمرار أقرأ الشعر الجاهلي والعربي عامة وغيره ،كما أقرأ بشغف كبير التاريخ والنثر القديم فضلا عن الأشكال الإبداعية الحديثة؛لهذا فحينما أكتب الرواية (وليس الشعر أو القصة وهما مجالات لهما خصوصيات ومصاعب) فإن ذلك يجعلني أقرب إلى نفسي أولا، وأقدر على فهم الأشياء والدنو من الأشكال والحقول الأخرى. وازداد ارتباطي بالرواية بنفس القدر الذي ازداد اهتمامي فيه بقراءات مختلفة بعين أخرى، ولعل توجهي- في مرحلة لاحقة- إلى دراسة الرواية في الجامعة وخصوصا في الدراسات العليا كان مجالا لتعميق معرفتي بالسرد.
وأنا أفكر اليوم في المسألة، أجد أن اختياراتي نابعة من الروح ،بل من منطقة غامضة بدواخلي هي نفسها الخازنة لأقداري..
كل كتابة لا تستقيم إلا بالمعرفة (وهي مستويات) وفي كل نص أكون منساقا إلى تحفيز الذاكرة والخيال فضلا عن الرجوع إلى قراءة مراجع كثيرة، من ثم فالرواية تحتاج إلى أكثر من كتابة. روايتي الأولى"مساء الشوق" كان عدد صفحاتها في المرحلة الأولى أزيد من ثلاثمائة صفحة، وبعد الاشتغال عليها صارت في تسعين صفحة فقط. نفس الأمر مع كل رواياتي الأخرى اللاحقة.
مرجعياتي المعرفية في تشكل دائم.. شأن الرواية التي أكتب، فهي بحث مستمر ليس عن قناعات أو بديهيات، وإنما عن أسئلة تعوزني لأطرحها على العديد من القضايا غير الثابتة في حياتنا، عن مدلول وجودنا وحياتنا، من ثم فمرجعياتي نفسها في بحث دائم عن " جهاز" من المفاهيم البسيطة والواضحة التي تيسر لي الفهم والتواصل.
لي وجه واحد،وأكثر من حياة أحياها من أجل لملمة شتات ضوء يكشف نورنا الباطني " التائه" والذي سيقودنا إلى خلود حقيقي وولوج الحياة وإعطاء شرعية لوجودنا لا لأوهامنا أو لخيال مريض تصدق علينا به الآخر. يخطر لي دائما أن أسأل نفسي بود :ما هو رصيدنا الحقيقي بعد غربلة كل شيء ؟ ما موقعنا من كل ما يقع، هل الفنية تعني إقصاء التاريخي واليومي والإيديولوجي... لحساب من ؟ ماذا أنجزنا أمام تحديات ثقافية وحضارية... وأمام محاولات طمس هويتنا التاريخية وشل تفكيرنا ومصادرة كل قيم الإبداع والمقاومة؟.
أحس إني أقرب إلى أفكاري المتحررة والحرة التي تعبر عما بداخلي، ابتلينا بالاجتماعات الماراطونية وبالكلام في الممكن والمحتمل وفي الخاوي والعامر ،لذلك لا وقت للهواية، ما دمنا قررنا احتراف الحياة فلنصارع إذن ضد من احترفوا اختراق مصائرنا وضد من يهددوننا في أصابعنا التي نكتب بها.
هل قلت كل شيء ؟
مر شهر رمضان ، كنت وفيا فيه لعاداتي الأثيرة ، يوميا أكتب لأربع ساعات متواصلة في أي وقت، صباحا أو قبل ساعة الإفطار وبعده، لذلك لا أتابع التلفزة المغربية بقناتيها إلا خلال الساعة الأولى بعد الإفطار، بعض التمثيليات والسكيتشات التي تضحك أبنائي كثيرا كما لو أنها أُعِدَّتْ - عن طريق الخطأ- للأطفال .

أحب أن أرى عملا راقيا في المسرح على الخصوص ثم السينما، لكن الواقع الفني بالمغرب لا يحقق هذه المتمنيات ، فقبل حوالي ثمانية أشهر أغلقت سينما الكواكب بدرب السلطان / الفداء أبوابها، بعدما كنتُ آخذ معي علاء إليها.. اشتري له ساندويتشا وزجاجة كوكاكولا ثم نجلس لنتفرج في الشاشة الكبرى.
كانت سينما الكواكب أول فضاء ثقافي أقف على منصته أمام جمهور عريض ذات يوم من شتنبر1983 في إطار نشاط ثقافي.
من حين لآخر كنت أبحث عن مسرحية بالدار البيضاء ندخلها معا أو بشكل عائلي فلا أجد، فأشعر بالأسى. لي قناعة منذ صغري إني أحب الفن ولا أحب أن أكون فنانا . أن أكون متفرجا على مسرح خشبي خلفه كواليس. أن أكون كاتبا يُحيي المعاني بالكلمات ويقودها أنى شاء .
***

الكلمات ضرورية ليس للتواصل فقط، وإنما أيضا للتذكر والتأمل في كل ما حولنا، ولعل مساحة الطفولة كمشهد (قد يخضع للتشذيب والتوضيب عند البعض) هي المساحة التي يبقى معها التواصل حميميا ومستمرا، وعليه فإني لست بعيدا عن طفولتي التي أعتبرها حافزا لشعلة حياتي هذه. لماذا ؟ لأن الطفولة هي المشاهد القريبة من التخيل، بل جذوره الأكثر ألفة والفصول المحتملة التي لا ينساها الإنسان في زحمة انشغالاته، وسط ضغط اللاشيء والأوهام والتشييدات التي تزعم إخفاء اليأس خلفها.
طفولة المبدع ليست بشيء معزول عما يحيط به، ولا أعتقد أن طفولتي هي شئ غير الدهشة العنيفة التي عشتها بعشق باذخ وسط حقول الشاوية وحيواناتها وناسها وزمنها المتقلب/ المتعاقب... مطامير كنا نملأها عاما بالشعير وموسما بما نختزنه من حكايات، وفي كل الأحوال كنت أنزل إليها للبحث عن خرافاتي الضائعة كمن أنزل إلى الجحيم مرارا، فاكتويت بصهدها الساكن ونظرات الحشرات الشامتة وهي تخفي بتستر شديد قهقهاتها التي ستغيظني.
لم أكن أحلم في طفولتي تلك، إلا بالأمطار والعواصف غير المنتظرة، والمطامير وآلة الحصاد الصفراء التي ستشتعل فيها النيران فتحصد نارها كل الزرع المتشوق إلى التهام مبكر، والكوانين المشعلة بروث البهائم... هكذا أحلم بالعصافير التي خدعت فخاخي وكل شباكي المنسوجة بخلاصات حيلي وتركت جرابي فارغة إلا من خيبة - تصيدتني- تتلوى جنب غوايات لا منتهية.
أنا أعي جيدا أن الكتابة وحدها لا تسوغ توضيح تضاريس الحياة ،ولكنني أجزم بأن العيش فيها بالقيم الخالدة كفيل بإضاءة كل ما أفكر فيه لإبراز علاقتي مع الماضي والراهن، فقد تعلمت الكتابة من خلال ذلك الشعور المزدوج الذي شعرت به خلف الفخاخ.. والانطلاقة السائبة في الحقول عبر فصول بجَلالها... وأيضا سوق السبت الذي دخلته خلف والدي طفلا، فكنت أبقى مندهشا أراقب تلك الحياة التي تعتمد على خُدعات وحِيل واستعارة كبرى توَلِّد سلطة رهيبة للغة.. قد يذوب المال أمامها وتجعله هامشيا.
***
بويا محمد ولد عبد السلام في أواسط رمضان حملته بالسيارة وقد فاجأتنا الأمطار وكنت أتمم بعض الصفقات التجارية لصالح "العائلة"، وبعد ثلاث ساعات من المفاوضات الطويلة والقاسية على مرحلتين ،ومع فريقين كان والدي صامتا متفرجا ولما عدنا إلى البيت ..سألني بلهجة من الاستغراب :
- في أي سوق تعلمت هذا ..عَرِّفنا به نتعلم منه؟
ثم يتحدث إلى والدتي أمامي قائلا لها :
- ولدك آميمتي كيبيع الجنان فوق ظهر الجمل.
مبالغة من بويا يشجع من خلالها تجربتي في المفاوضات مع البدو؛ وأنا أؤكد دوما بأني تأثرت بهؤلاء وبالفلاحين.. لأن دخولي إلى سوق السبت كان يبدأ من حوالي الساعة الرابعة صباحا أو قبل ذلك بقليل، وأنا في التاسعة أو العاشرة من عمري... كان بويا يعتقدني رجلا أستطيع قبض العربون والمفاوضة بتلك السجالية وأتعمد - كما كنت أرى في نماذجي المتعالية - أن أترك زبدا رقيقا بتسرب من جانبي فمي وأحفظ مئات الكلمات المسكوكة الخاصة بعوالم السوق... من هنا تعلمت ومن وجودي في الدار البيضاء بعد حصولي على الباكالوريا وسط الجامعة والصحافة والعمل النقابي.
***
إنني أستلهم كيفية رسم الحكاية التي تعكس حرارة المتخيل ولهبه المستفز. والكتابة لا تحسم في شئ بالضرورة ،ولكنها تظل مرفودة بالمد والجزر الذي يطبع حياتنا وحياة جيلنا... أشياء نعيها وأخرى لا نعيها...
لكل شيء مرجعية ومخيلتي هي غوايتي وجِرابي، وكثيرا ما أتساءل هل نحيا واقعنا أم نعيش متخيلنا ؟ أنا لستُ بعيدا عن نبضي كما لستُ بعيدا عن نبض الآخر.. هذا كل ما في الرواية : الحياة التي تصف الموت بدقة، والموت الذي يسرد الحياة بنفس الشغف المفقود.إنها - الحياة أم الرواية؟- منداف يتصيد الشرس والمنفلت أبدا.
الرواية اليوم تشكل بوتقة وليست ترفا أو هواية للزمن الثالث - إذا سلمتُ بالتقسيم الليبرالي للوقت- وسط تتالي النكسات والإحباطات، نحن في حاجة إلى تدوين حرارتنا المرتفعة (وقد تكون برودتنا أيضا) وربما نحن جميعا نكتب كتاب الليالي الثاني بصيغته الأخرى، فعندنا- كما في ألف ليلة وليلة- شطار ولصوص وجن وعفاريت ( هل هناك فرق) يطيرون في السماء ويفعلون الخوارق وحفلات فوق الخيال تصرف فيها ميزانية الحبشة والشاوية، لكن الجن في الليالي الأولى كان طيبا وخدوما، أما اليوم فإنه مارد وقاتل وله أبشع الصور وأسوأ القيم . والكتابة الروائية هي وعي جسور لمواجهة هذه المسوخ والأوعاء الساقطة .
باعتباري كاتبا روائيا أبحث عن وضوح فلسفتي وبساطتها لخلق إبداع فيه من المتعة والمعرفة بالقدر الذي يجعل النظر إلى الأشياء من حولنا، متحرر بشكل آخر.ألتمس طريقي بمفردات تقارب ما أفكر فيه، ونفكر فيه.. قواسم مشتركة للتعبير عن الواقع الخفي نحو الرواية مستودع الأحلام المترسبة في النفس... والضيم العابر بعد لحظة ضجر صامت.
لماذا فقدنا انتباهنا ؟
نحن المتكلمون منذ الأزل دون أن يتنبه إلينا أحد. وكل واحد منا حزين من أجل أنفسنا... وفي الحزن والغضب نتحسس الحكمة، بعيدا عن ردَّات الفعل.كل واحد منا، بيد مرتعشة أبردَها الألم والخذلان، يبحث بداخله عن الإرث الضائع والمبدد ،وعن رداء دافئ نرمي بداخله أفكارنا ومشاعرنا.
المرحلة شلَت كل شيء وأحرقت المصائر وخلقت أقدارا موازية لا شأن لها بأقدارنا، كأننا فقدنا شيئا... جوهر الروح ولا نملك بمجاز عنيف- إلا نسخا كاربونية.ونسأل من سرق منا الحياة والقيم الجميلة ؟ متى نسترد حياتنا لأنا صرنا بدون قضية وأصبحنا قصة طويلة بدون أحلام..مشددون، كالمرحلة المعلقة بهدب دخاني، إلى جَمَلَيْن: جمل عطشان وجمل جوعان يجُرَّان ما في وسعهما في اتجاهين متعاكسين منذ قرون، بل منذ الأبد ..منذ البحث المريع عن تبريرات مطلقة لوجودنا النسبي والزائد... حتى تعودنا أن نحفر كل صباح، حُفَرا صغيرة ندفن فيها أحلامنا دون نحيب أو عزاء مألوف.
نفس أسئلة أجدادي أتبناها كما أتبنى أسئلة الحفدة القادمين بالصيغة التي تتيح لي الفهم والتواصل والتوجه نحو انتصار القيم والمثل التي هي قضيتنا جميعا.
ليس هناك طالب ومطلوب، أولا وثانيا وعاشرا... هل نجد، من جديد، موقعا حقيقيا داخل المرحلة؟ نجد قدرة الاستيعاب والتحويل حتى نزن الواقع بصروفه، لا بالاستيهامات، وإن كنا في لحظة نتحسس فيها عيوننا التي ضاقت وقلوبنا إن كان نبضها الرخي يستطيع مسايرة الانهيارات الراهنة والمؤجلة.
هل أنا كاتب حقيقي أم إنني أنسخ إبداعات من أعتبرهم- في عُرف خاطئ- أنهم أناس عاديون، والواقع يحرق ويكذب كل أو بعض ما تعارفنا عليه في لحظات حماس نادر..الآن-والكلام يخصني- نحن في حاجة إلى نسيان كل شيء كي نبدأ، وجراحاتنا هي التي ستذكرنا ونحن نتمم من خيالنا ما يُعدِّل الصورة، والرواية هي ذلك الخيال المعادل الذي لن يكون إلا بوجود واقع.
تغيير الأحلام أم تغيير الواقع ؟ هذا وهْمٌ أول- من بين مئات الأوهام التي لا بديل حتى الآن، وبعد انتهائي من روايتي الخامسة، هل أساهم فعلا في التأسيس لأحلام جديدة أم إنني أكرس عكسها، كيف لم أستطع حتى الآن التمييز بين الحلم والوهم، وماذا أريد بالضبط ؟
مريم تُجرب حظها
في اليوم السابع والعشرين من رمضان، كان علاء سعيدا بصيامه الأول ..فقد أقفل عشر سنوات في نهاية غشت ،وخاض تجربة جعلته يشعر بأهمية فعل جميل. وإثر ذلك خرجنا في اليوم التالي جميعا إلى سيرك شعبي بالقريعة -درب السلطان فركبوا جميعا في السيارات التي تشتغل بالطاقة الكهرباية وفي الطائرة وغيرها من الألعاب المسلية .
علاء يكتب قصصا من وحي البيبليت والطرومبية ويقول بأنه يريد بيعها لشراء دراجة أو معزة يستفيد من حليبها .فيما تكتفي مريم باستثمار الوقت الذي يوجد به علاء وزينب بالمدرسة ، لتمارس كل هواياتهما تقليدا ، فتكتب وتمثل أنها تقرأ وتفكر ،ثم تأتي مرحلة فتح القمطر السحري لعلاء فتستخرج منه اللعب دون أن تستطيع استخدامها فتكرر المحاولة وحينما تنهزم تعيد كل شيء إلى مكانه وتلجأ إلى لُعبها التي تجيد التفاهم معها بدون تعقيدات .والغريب أنها لا تيأس من تجريب فتح القمطر يوميا والبحث عن المعادلة الصعبة التي تجعل يدها خفيفة للعب بالبيبليت ومشتقاتها التي اخترعها علاء.كما تبحث عن صيغة لتكتب وترسم شيئا في الدفاتر يتحول ،بقدرة العلي القدير، إلى نص يعبر عما تفكر وتحلم به.أو بالأحرى ما نسيتُ أن أفكر فيه أنا والدها العزيز .

 

 




 
الاسم البريد الاكتروني