تشمع الكبد

د. مزاحم مبارك مال الله
الكبد، مصفاة الجسم، يقع في الجهة البطنية اليمنى، يبلغ وزنه نصف كيلو غرام ولونه احمر بني، نسيجه ذو طبيعة خاصة ،مؤلف من خلايا متخصصة سداسية الشكل تعمل على تخليص الجسم من السموم الناتجة عن عمليات الأيض والمستمرة على مدى الـ 24 ساعة، فتطرحها خارج الجسم حسب تركيبها الكيمياوي، تطرحها أما عن طريق المسالك التنفسية أو البولية أو الهضمية، أذن فالكبد هو صمام أمان الجسم في البقاء عليه حيّاً(لا يمكن للأنسان أن يبقى حيّاً بعد مضي 24 ساعة من توقف الكبد النهائي)، وكذلك فمن وظائف خلايا الكبد ،أنتاج المادة الصفراء التي تُذيب الدهون، أضافة الى تنظيم مستوى السكر وخزن المادة النشوية الناتجة عنه على شكل كلايكوجين ،أضافة الى تصنيع العديد من البروتينات والأنزيمات وعناصر تخذر الدم والتعامل مع الفايتمينات وغيرها، أن مجموع ما يقوم به الكبد من عمليات بايوكيمياوية تبلغ 500 عملية.
خلايا الكبد لا تعوّض، لذا فمن الخطورة بمكان حينما تتعرض تلك الخلايا الى التلف أو الموت نتيجة المسببات التي سنذكرها لاحقاً. الكبد يتعرض الى العديد من الأمراض ،منها ولادية ومنها وراثية ومنها مكتسبة.
هناك حالة خطيرة جداً يُطلق عليها تشمع الكبد، أو تليفه ،حينما تفقد خلاياه كل الصفات الحيوية التي تمكنها من أداء وظائفها، حيث تحل كميات كبيرة من الندوب محل النسيج الطبيعي، وهذا يعني من الناحية العملية أنها قد ماتت ،وموتها يعني تراكم كل السموم (أنفة الذكر) والتي بالنتيجة ستقتل كل أنسجة وأعضاء الجسم ،وهذا يعني الموت وفقدان الحياة.
تشمع الكبد يقابلها بالأنكليزية (cirrhosis) والتي تعني عن اللاتينية ،اللون البني الأصفر ،أي أن الكبد الذي يُصاب بالتشمع أصبح لونه بني أصفر بدلاً من البني الأحمر، وهو علامة مؤكدة على موت نسيجه.
الكبد المتشمع يختلف تماماً عن الكبد الطبيعي من حيث الشكل والنسيج ،فاقداً لطبيعته الخاصة والتي لا تشبه طبيعة أي نسيج أخر في الجسم، فالتغير النسيجي يعرقل تدفق الدم الى الكبد مما يتسبب في أرتفاع ضغط دم الجهاز البابي الكبدي(وهو الجهاز الخاص بدخول وخروج الدم من والى الكبد).
أسباب تشمع الكبد
 تشمع الكبد ينتج كتحصيل حاصل لجملة من الأسباب:
أولاً ـ الأفراط في تناول الكحول.
ثانياً ـ الأصابة بألتهاب الكبد الفايروسي B أو C.
ثالثاً ـ بعض الأمراض الوراثية (التليف الكيسي، عوز الفا ضد تريبسيلين ،داء ترسب الصبغة الدموي ،مرض ويلسون ،حالة أرتفاع الكلاكتوز في الدم ،مرض خزن الكلايكوجين).
رابعاً ـ مشاكل وأضطرابات قناة الصفراء.
خامساً ـ التعرض الى المواد الكيمياوية السامة وكذلك تناول كميات من الأدوية.
أن الكبد يتأثر تدريجياً وحسب نوع المؤثِر، ولكنه يحمل الصفة التراكمية ،أي بمعنى أن خلايا الكبد تتأثر بمرور وقت وجود المادة السامة التي تتعرض لها ،كما يحصل في تناول الخمور والتي تعتمد درجة تأثيرها تبعاً لكميتها وطول الفترة الزمنية على تناولها.
تشمع الكبد يمر بمراحل ،وفي مراحله الأولى قد لا تظهر أعراض وعلامات مهمة ،ولكن نجد المصاب يعاني من تعب وفقدان للشهية مع فقدان الوزن، بينما وبتقدم الحالة ،فالمصاب سيعاني من :ـ
1.   الشعور بالتعب الشديد.
2.   اليرقان(أصفرار بياض العين)، والناتج عن عدم قدرة الكبد على التعامل مع مادة الهيموكلوبين المتكدسة في البلازما والتي تنتج عنها صبغة البيلوروبين.
3.   البول يصبح لونه غامقاً.
4.   حكة الجلد.
5.   ارتفاع درجة الحرارة.
6.   تورم البطن جراء تجمع السوائل(الأستسقاء).
7.   تورم القدمين(الوذمة).
8.   نزوفات أنفية ،نزوفات جلدية (على شكل كدمات)/ والسبب هو توقف الكبد عن أنتاج عوامل الخثرة الدموية.
9.   سهولة الأصابة بالجروح.
10.  نزوفات الجهاز الهضمي.
وفي الحالات المتقدمة جداً يحصل الأعتلال الدماغي ـ الكبدي (الغيبوبة) والناتجة عن تسمم الدماغ بالمواد السامة التي تراكمت جراء توقف الكبد النهائي، وهذا يعني موت المريض سريرياً ومن ثم تتسارع توقفات جميع الأنسجة بسبب توقف مراكزها العليا في الدماغ وحتى الموت النهائي.
ولابد من الأشارة الى عدد من التغيرات التي تحصل جراء الأصابة بتشمع الكبد ،وهي:ـ
1.   تجمعات وعائية دموية تتكون من شراين مركزية صغيرة محاطة بالعديد من الأوعية الدموية الصغيرة ،تنتج هذه التجمعات عن زيادة هورمون الأسترادايول، هذه الحالة تحصل لدى ثلث المصابين.
2.   أحمرار راحة اليد نتيجة التغيرات الهورمونية.
3.   تغيرات في الأظافر،وأغلبها تحصل نتيجة نقص الألبومين.
4.   التهاب مفاصل العظام الطويلة يصاحبه الم شديد.
5.   حوالي 33% من المرضى يعانون من زيادة سمك راحة اليد بسبب كثرة الخلايا الليفية وحدوث اضطرابات في ترسب مادة الكلايكوجين فيها، وهذا يؤدي الى أنثناء أصابع اليد.
6.   تضخم حميد في انسجة ثدي الذكر ،يحصل لدى 66% من المصابين بتشمع الكبد نتيجة زيادةهورمون الأسترادايول.
7.   قصور واضح في النشاط الجنسي لدى الذكر، الى حد ضمور الخصية.
8.   الكبد في البدايات يكون متضخم ومن ثم ينكمش.
9.   الطحال يتضخم نتيجة ارتفاع ضغط الدم البابي الكبدي.
10.  رائحة النَفَس تكون عفنة بسبب زيادة مادة ثنائي مثيل الكبريتيد.
11.  رعشة اليدين ـ وهذه أولى علامات تأثر الدماغ.
وهناك العديد من المضاعفات التي تحصل منها :ـ
1.   سرطان الكبد.
2.   دوالي المرئ، والتي غالباً ما تنفجر وهي في الغالب مميتة.
3.   خلل الجهاز المناعي مما يؤدي الى سهولة الأصابة بالأمراض.
4.   عجز الكليتين الناتج عن نقص ورود الدم اليهما ،وهذا يحصل لدى50% من المصابين، وبالتالي فأن المادتين السامتين (اليوريا والكرياتينين) سترتفعان في الدم الى نسب عالية جداً.
5.   هناك حالة يُطلق عليها متلازمة الكبد ـ رئوية، والتي تنتج عن تلكؤ سريان الدم الى الرئتين ،فيحصل الأزرقاق وصعوبة التنفس.
تفاصل الأسباب
أولاً ـ تشمع الكبد الكحولي/ وهو أكثر الأسباب شيوعاً والحالة تعتمد على كمية الكحول التي يتناولها المصاب وكذلك على المدة الزمنية، ويؤثر الكحول فيقدرة خلايا الكبد على التعامل الأيضي(التمثيل الغذائي) مع البروتينات والدهون والكاربوهيدرات، وحينما يُصاب الكبد جراء تناول الكحول، فأن أنزيمات بعينها ترتفع نسبتها وهي تعد مؤشر على مرَض الكبد ،ولاحظ العلماء حينما درسوا نسيج الكبد المتشمع الكحولي وجود تنخر في خلاياه ،مع وجود أجسام غريبة أطلق عليها (أجسام مالوري) ،أضافة وجود كميات من أحدى أنواع كريات الدم البيضاء وهي (النيتروفيل)، مع وجود ألتهابات حول الشرايين الكبدية الدقيقة.
لقد أثبتت الدراسات أن حالة المصاب بالتشمع الكحولي تنتكس خلال عشرة سنوات من بداية التشخيص الأولى.
ثانياً ـ ألتهاب الكبد الفايروسي (سي)/وهو التهاب مزمن يؤدي الى تشمع الكبد ،هذا الألتهاب يحصل بالعدوى عن طريق التبرع بالدم وأستخدام أدوات جراحية ملوثة أضافة الى الوشم ونادراً ما ينتقل عن طريق الأتصال الجنسي ،أكتشف الفايروس عام 1992.
ثالثاً ـ التهاب الكبد الفايروسي (بي)/من الفايروسات سريع الأنتشار بالعدوى عن طريق الدم والأدوات الجراحية الملوثة وكذلك الوشم والحجامة ،وحينما تتزامن الأصابة بهذا الفايروس مع فايروس (دي) ،فأن تشمع الكبد يصبح مؤكداً.
رابعاً ـ الكبد الدهني/غالباً ما يُصاحب المصابين بداء السكري، فيتحول نسج الكبد الى نسيج نُدّبي(أي يمتلء بالنُدَبْ)، كما ان الحالة وجدت لدى الذين يعانون من سوء التغذية ونقص البروتيناتوكذلك الذين يعانون من فرط الوزن ومرضى الشرايين التاجية وكذلك الذين يتعاطون الكورتيزونات ، يعد السبب الثاني بعد التشمع الكحولي.
خامساً ـ الأضطراب الصفراوي الأولي/شُخّصت هذه الحالة عند النساء أكثر من الرجال، هناك أرتفاع بنسبة الكوليسترول ،وكذلك بالمادة الصفراء ،يمكن تشخيص الحالة بأخذ خزعة من الكبد حيث توجد الأجسام المضادة لـ(المايتوكوندريا ـ وهي مخزن الطاقة في الخلايا).
سادساً ـ التهاب القنوات الصفراوية الأولي/تتراكم المادة الصفراء في قنواتها ،تتسبب في حصول حكة في الجلد مع اسهال دهني ونقص شديد بالفايتمينات، ولاحظ العلماء وجود أرتباط قوي بين هذه الحالة وحالة تهيج القولون العصبي والتهاب القولون التقرحي.
سابعاً ـ الأمراض الكبدية المناعية (الذاتية)/وهي عدد من الأمراض التي لها علاقة بالجهاز المناعي ،حيث يكون ضرر الكبد أما وراثياً أو ولادياً أو مكتسباً. هذه الحالات تعد من الأمراض التي لازالت مستعصية ،ويمكن أستخدام الكورتيكوستيرويد لتخفيف أعراضها وعلاماتها.
وتشمل الأمراض التالية :
•     داء ترسب الصبغة الدموية الوراثي.
•     داء ويلسون.
•     نقص أنزيم ألفا 1.
•     عجز القلب الأيمن.
•     مرض تجمع الكلكتوز في الدم.
•     أمراض تخزين الكلايكوجين.
•     الأدوية والمواد السامة للكبد.
•     الأصابة المزمنة بالطفيليات(البلهارزيا).
ماذا يحصل للكبد ليتحول الى متشمع؟
نتيجة لأحد الأسباب أعلاه، فأن نسيجاً ندبياً يحل محل الأنسجة السليمة مما يتسبب في أعاقة تدفق الدم من خلال الجهاز البابي ،يصاحب ذلك نشاط لنوع من الخلايا، يُطلق عليها الخلايا النجمية والتي تظهر حين حصول التشمع، هذه الخلايا تصبح ليفية تحول نسيج الكبد المعروف بطبيعته ناعم الملمس الى نسيج ليفي صلب، مريض يعيق الدورة الدموية الكبدية الطبيعية، مفضية الى تضخم الطحال.
هذا أضافة الى أن هذه الخلايا تفرز مادة تسمى بـ (عامل النمو التحويلي بيتا)، وهي مادة تؤدي الى حصول التشمع مع تغير في نمط كافة المركبّات التي ينتجها او يتعامل معها الكبد.
أن الخلايا الليفية تصنع حواجز في داخل نسيج الكبد على شكل عقد ،تحل محل نسيج الكبد الطبيعي،والتي في النهاية ترفع ضغط الدم البابي الكبدي.
التشخيص
أولاً ـ التأريخ المَرَضي والسلوكي والعائلي للمصاب.
ثانياً ـ الفحص السريري.
ثالثاً ـ الفحوصات المختبرية(وتشمل فحوصات مستويات ونسب بعض الهرمونات والأنزيمات والبروتينات والدهون وعوامل التخثر وغيرها)، أضافة الى البحث والكشف عن الفايروسات.
رابعاً ـ الفحوصات الشعاعية والمفراس والسونار،وكذلك الفحص بالجهاز الحديث الذي أُطلق عليه أسم "فايبروسكان"، وهو جهاز متطور جداً يستخدم في أغلب الأحيان تحاشياً لأخذ الخزعة.
خامساً ـ الخزعة(عينة الكبد)، لغرض التحليل النسيجي، ويتم اللجوء اليها في نهاية المطاف، وليس بالضرورة عملها دوماً.
سادساً ـ الناظور: في بعض الأحيان نحتاج عمل ناظور للمعدة والأثني عشر للتأكد من وجود دوالي المرئ(وهي أحدى مضاعفات تشمع الكبد)، من عدمه.
سابعاً ـ في حالة الشك بأن تشمع الكبد ربما يعود الى ألتهاب القنوات الصفراوية الأولي ،فأن التصوير بواسطة التنظير الداخلي للأوعية الصفراوية والبنكرياس أو بالتصوير بواسطة الرنين المغناطيسي ،يستخدمان لتأكيد التشخيص.
درجات تشمع الكبد
يصنف تشمع الكبد الى ثلاث درجات(A و Bو C)، أستناداً الى مستويات مادة البليروبين(المادة الصفراء)، ومادة الألبومين(مادة بروتينية) ،ونسبة التخثر ،أضافة الى حصول الأستسقاء(تجمع السوائل في البطن)، وكذلك درجة الأعتلال الدماغي.
تشمع الكبد من الدرجة A لديهم فرصة ممتازة للنجاة ،بينما الذين وصلوا الى المرحلة C فأن نسبة الوفاة لديهم عالية جداً.
العلاج/ وهو مجموعة من الأجراءات وحسب المسبب:
أولاً ـلا يمكن معالجة الضرر الذي يحصل للكبد حينما يصاب بالتشمع ،ولكن من الممكن أيقاف التدهور أو تأخير تطوراته السلبية وتقليل الأضرار الناجمة عنه.
وفي حقيقة الأمر فأن تشخيص سبب التشمع يساعد بشكل جوهري وكبير جداً في الأجراءات الواجب أتخاذها مع المصاب، فأذا كان السبب هو الكحول، فأن الأمتناع قطعياً عن تناوله هو الخطوة الأولى، أما أذا كان سببه ألتهاب وبائي فأن أستخدام العلاجات في هذه الحالة هو السبيل الى التعامل مع الحالة ،أما أذا كان السبب هو مرض ويلسون(وهو أرتفاع مستويات النحاس في الجسم)، لذا فأستخدام علاج البنسلامين لأزالة النحاس من الجسم هو الأسلوب السليم لحد الأن في التعامل مع الحالة.
ثانياً ـ هناك أرشادات مهمة منها ،حظر تناول البارسيتول على المصابين بالتشمع ،كونه مادة مؤذية جداً لكبد ،وكذلك ضرورة الأرشاد بالتلقيح ضد أنواع ألتهاب الكبد الفايروسي، أضافة الى الأمتناع عن تناول أي علاج قبل أستشارة الطبيب المعالج.
أن تشمع الكبد(وفي حالة حصول الأستسقاء) يؤدي الى تراكم الأملاح في الجسم(وخصوصاً الصوديوم) ،لذا الأبتعاد عن تناول ملح الطعام وأستخدام المدررات شئ أساسي في علاج تشمع الكبد.
المصابون بتشمع الكبد يعانون من الأمساك ومن الألتهابات المتنوعة، لذا فأن الطبيب المعالج بأمكانه أن يتعامل مع هذه الحالات مع الأخذ بنظر الأعتبار لكل حالة خصوصيتها.
ثالثاً ـ دوالي المرئ وارتفاع ضغط الدم البابي الكبدي،فيستخدم علاج(بروبرانالولول) لتخفيض الضغط، ولكن التداخل الجراحي مهم ،وهو أجراء ليس سهلاً.
رابعاً ـزراعة الكبد :
ما زالت الدراسات والبحوث قائمة على هذا الأسلوب العلاجي، أضافة الى العديد من المحاولات والتي تحتاج الى المزيد من التطوير ،الاّ أنها تبقى كحل نهائي وفق المعطيات التالية:
1.   عمر المريض ،وسبب تشمع كبده.
2.   نسبة الفائدة المرجوّة قياساً لمضاعفات العملية نفسها.
3.   أذا كان هناك أعتلالاً دماغياً فهذا الخيار يعد خياراً متأخراً.
 4.   بالنسبة للمضاعفات الكبدية ـ الكلوية فلربما نحتاج هنا الى زراعة الكلية أيضاً.



 
الاسم البريد الاكتروني