"القيامة" حكايات الطفولة ..... ملاذات الروح

أسعد اللامي

النص، حين يستلهم حكايات الجدات، وينهل منها معينه، باستحضاره الغائص في الذاكرة من الوجوه، والأسماء والأماكن والأزمان، ضمن انتقالات مخطط لها في وعي الكاتب، إنما يحاول المقارنة بين زمنيين؛ الماضي بتألقه ونقائه، الراهن بتقاطعاته الشائكة الواخزة في الروح.

أن تلك الحكايات بإيحاءاتها الدلالية، غالبا ما نستعيدها نحن الكبار للاستدلال بها، كفنارات تساعدنا على التقاط الأنفاس وأناخة الركب، بعد رحلة مضنية .

و لربما نحاول، من خلالها، ترميم أرواحنا والإصرار على صحة خياراتنا الأولى التي أورثتنا، في محصلتها الأخيرة، الوقوف على حافات الأشياء " حافة الطهر والبراءة، حافة الحكمة وحافة الحماقة،حافة العالم"

هكذا بدا لي إبراهيم الحريري في إصداره القيامة " ، الذي ارتأى أن يضيف على صفحة غلافه،ربما في محاولة منه للإمساك بتجنيس المتون الداخلية، عبارة" من حكايات عصبة الصغار الأشقياء" .

يأخذنا عنوان الكتاب " القيامة" الى تفسير دلالي يتمحور حول ترقب تفسير ما، لواقع مختل، لا يلبي طموح الكاتب ولا يحوز على رضاه، ولا بد من نسف كلي له وإعادة بنائه وتشكيله وفق أسس عادلة ومنصفة.

ترسخ لوحة الغلاف، هذا التفسير التأويلي من خلال دلالتها الإيحائية :مدارات بيضاوية مختنقة على هيئة أكوام زرقاء بتململ داخلها جنين على وشك تمزيق أغشيتها المغيبة له تمهيدا لانطلاقه نحو الحياة، معلنا عن بدء دورة جديدة من دورات الخصب والنماء واستمرارية الوجود.

هذا الحفز الدلالي للعنوان وللوحة الغلاف ، يؤكده الإهداء " من اجل قيامة الأرض التي أعطت الأرض القيامة  .والأرض، تماشيا مع الموروث وحكايات الميثولوجيا الرافدينية،هي الإلهة الأم، المسؤولة عن الانبعاث وتعاقب دورات الحياة بعد الاندثار، وأكاد اجزم، ورغم أن الحريري لم يشر بين ثنايا كتابه الى ارض بعينها أعطت الأرض القيامة ،إلا أن مؤشر حنينه يميل حتما نحو ارض العراق.

ثم يواصل الحريري مهديا كتابه الى روح عائشة " جدتي التي علمتني حب الحكايا والعدل" وعائشة هذه، سنجدها في متن الحكاية الأولى، ساردة واعية، تتميز بحسن مدهش، وقدرة فذة على إيصال المدلولات، وليست مفارقة أن نجد جدة الحريري الحقيقية اسمها عائشة كذلك. وكانت، هي الأخرى، ساردة ممتازة ذات خيال فياض تروي قصصها للأطفال ،والحريري من بينهم، مع قدر واف من الحركات والأصوات التمثيلية التي تدعم بها إشاراتها ورموزها. ولربما تكون البدايات الأولى لوعي الحريري قد توقد جمرها من بين رماد تلك الاماسي التي كانت تقودها عائشة، وكانت تنتصر فيها دائما للناس البسطاء من مستغليهم، وللأطفال من كان يحرمهم من متعهم وبراءتهم، ولأحلام الصبايا في الحب والحياة من كل ما يفسد عليها بقسوة وغلظة، سبل تحقيقها.

ويترصن الإهداء أكثر حين يعمد الحريري الى الإشارة في إهدائه الى ماجدة الفلاحة.. زهرة العمر.

وفق هذا تكون هذه المرأة، اعني ماجدة الفلاحة، بدلالتها الجميلة، زهرة العمر، الملاذ الأخير المرمم لشروخ الروح والكتف الرءوم الذي نسند رأسنا إليه ونغفو إغفاءة هانئة بعد تعب الرحلة الطويلة.

قبل أن نحاول الولوج الى متون الحكايات، سنكون وفق قراءتنا الدلالية السابقة، مهيأين لترقب هيمنة كاملة للمرأة على سماوات القصص، وموجه لاحداثة، نحو مرافئ الحلم، فهل سنجد الأمر كذلك؟ أم أن الحريري سيميل بنا نحو وجهة أخرى؟

حكايات الكتاب وهي حكاية زهرة ومحمود، غزل البنات، النجمة، الاختطاف، قوس فرح،سانتاكلوز، توزعت أزمان كتابتها على أمكنة متعددة، تورنتو في كندا ، الكويت، القاهرة، بغداد،معطية انطباعا، بعدم الاستقرار ودوام النفي والترحال ويهيمن عليها النواح، على أشياء ناقصة ؛وطن مفقود، وعائلة تبحث عن مستقر وذاكرة محمومة تختزن تذكارات الطفولة وحكايات الجدات وتعبر عن تململها فيما يشبه التداعيات ، تداعيات الغوص في فصول العمر والبحث الدائب عن المسرات، لتنشق عبقها من جديد، وعن الآلام، لتطبيبها أن جاز التعبير، عبر استدعاء الحلم والمكوث بين افيائه الندية لمواجهة واقع قاس، ترك آثاره العميقة في روح الكاتب.

يقول الحريري في رسالة موجهة الى محمد فرحات المحرر الأدبي للصفحة الثقافية في صحيفة الحياة البيروتية ردا على استطلاع حول الكتابة في المنفى " كنت منفيا في العراق ... تعرف إنني ربع لبناني وربع مصري ... أما النصف الأخر فيستوطنه العراق والمنفى الدائم. قلت استوطن القضية ، فانتهيت الى الحافة !على الحافة حتى وأنا في القلب، خصوصا وأنا في القلب،اقترب من القلب فيوجعني قلبي. ولما كادت تنجح أول محاولة للانغراس في التربة، الرحم المصري الرحيم الدافئ الحنون الولود ، الودود، انزلقت الى الحافة الجليدية للعالم.

"على الحافة من كل شيء، حافة البطولة، حافة الضعف والخوف، حافة الطهر، حافة الحمى، حافة الحكمة ، حافة الحماقة، حافة الحياة، حافة الموت، حافة التوحد بالعتمة النهائية والضوء الكلي ، لم افلح في أن اغرس جذوري عميقا نهائيا في أية تربة، لا تربة وطن،لا تربة جسد،ولا تربة مشروع ... لعلي أكثر انتماء الى رؤيا مني الى مشروع متعين"

مثل هكذا بوح، ملئ بالآلام، ألم الاكتشاف المضني، بعد فوات الأوان،نكاد نجد خطوطه واضحة في تنوع الأجواء في الحكايات ،فليس ثمة هوية، أن جاز لنا التعبير، تسم الحكايات بسمتها ،خصوصا الحكاية الأولى ، حكاية زهرة ومحمود التي تكاد تجعلنا نحس ونحن نتصفح فضاءآتها بالإيحاءات والإشارات الشرق أوسطية، اللبنانية، المصرية التركية والعراقية معا في امتزاج ثر وجميل ، فالجدة عائشة، غالبا ما تروي للصغار المجتمعين حولها" توتي توتي، خلصت الحدوتي "يضاف الى ذلك أن أجواء الحقول، وغناء الصبايا ،وترديدات الأطفال ، وملابس الحاكم والشرطة وحركاتهم ، وأناشيد الجوقة العرفانية ، تذكر بالمسرح الرحباني وبأجواء التكايا وطقوس الدراويش ، ومآتم الأربعين في كاظمية بغداد وباب شيخها ،وفي مصر ولبنان واسطنبول ، وقل عشق أباد دونما تردد. أتكون للحريري عبر جينات الوراثة، صلة دم بتلك الأماكن، كانت دافعه لاستحضارها ؟وجهت تلك الملاحظة إليه... فأجاب:

أن جدتي من جهة الأم، عائشة، هي من أصول شركسية، من الشيشان، وشاءت الأقدار أن تؤخذ جدتها سبية خلال حرب القرم بين تركيا وروسيا، لتستقر في بيروت في كنف كريم، زوجة أثيرة.أما جدي لامي وهو من عائلة قريطم البيروتية المعروفة، فقد كنت، حتى وقت قريب، احسب أن أصوله تمتد إلى المغرب مرورا بالقاهرة، حتى كشف لي الصديق الباحث الموسوعي علي الشوك في واحد من استقصاءآته اللغوية النادرة، أن كلمة" قريطم " هي يونانية و تعني "ساكن المدينة ". وهكذا امتدت جذور الشجرة إلى اليونان، لعله في ترحل امتد أكثر من ألف عام . كذلك جدي لأبي، فهو من اصول تركية،غادر تبريز هو وعائلته اوخر القرن التاسع عشر الى الكاظمية، بعد أن أغتصب الوالي بلبله! وهي حكاية حقيقية، طريفة وذات دلالة (لعلي ساكتبها يوما) تكررت بعد حوالي المائة عام، في بغداد، عند ما حاول" واليها" اغتصاب ارواحنا، فبدأت رحلة نفي جديدة، قادتني، وانا اتذكر رحلة جدي قبل مائة عام، الى حافة العالم. وكما ترى - أضاف الحريري - فقد ورثت التمرد وحب المغامرة والترحل آباء عن أجداد، ومن كل صوب"! هذا الاعتراف، لا يحيل فقط، الى تلون الدماء في شرايين الحريري، بقدر ما يؤكد وراثته لرحلة النفي والعذابات، ولا غرو أن وجد هذا صداه كاملا في تنوع أجواء الحكايات، وعلو صوت البحث عن مستقر حقيقي .

ورغم إيماننا المطلق، بأن الكاتب الحقيقي ينتمي، أولا وأخيرا، الى اللغة والى الفكر، يضيف بهما الى هويته وبيئته ميزة تكاد تجعله أكثر التصاقا بأرضه، وابتعادا عنها في نفس الوقت ، بالانتماء الى الإنسانية جمعاء وقيمها الأصيلة دون انكفاء أو تحديد ضيق.

سنحاول التركيز والحفر الهادئ ، على حكاية زهرة ومحمود باعتبارها أطول الحكايات ، ومستهل الكتاب وبذل فيها الكاتب جهدا واضحا على صعيد التنوع الاجناسي وعلى صعيد ثراء اللغة وغنى الإيحاءات والمدلولات .

الحكاية بحركاتها الأربع، زهرة ومحمود، المحاكمة، القيامة، المشهد الختامي، ترينا محمود العامل في مشغله،كورة حداد لصنع المناجل والمطارق ، يستغرقه العمل تماما، من الصباح حتى المساء، غافلا عن النجوم والعصافير الزرق التي تطلقها، مع الشرر، ضربات مطرقته، في قصدية واضحة أراد من خلالها الكاتب الإشارة الى فقر في المخيال يدمغه ، والى جفاف حلمي يعتور حياته.

ثم نكتشف دخول قوة رأس المال، متمثلة بالتاجر السمين، متورد الخدين ،الذي يساوم محمود على النجوم والعصافير الزرق مقابل درهم، في نهاية كل يوم عمل. ولشد ما يسخر محمود منه، مواصلا جهله وعدم تفتح وعيه لإدراك ما تحمله المساومة من نتائج وتبعات.

حتى تدخل المرأة، زهرة الفلاحة الى مشغل محمود وتتوطد أواصر علاقة حب بينهما لتنير فكره وتربط، من خلال وعي حاد بالعلاقة بين هجرة العصافير والنجوم الحقيقية للحقول والغيطان وبين مصادرة رأس المال لنجوم وعصافير مطرقة العمل.

زهرة هذه، وكما نكتشف،امرأة شابة، فلاحة على وجه التحديد، ذات مخيال واسع لا تستغرب على الإطلاق محاولة التاجر المستميتة لشراء عصافير ونجوم المطرقة، عكس محمود الذي يظن التاجر مخبولا. وفق هذا نجد، قلبا لما تعلمناه من أن العامل، بحكم التصاقه بحركة العمل، يكون أكثر فطنة ووعيا من الفلاح. لكن الحريري في قلبه لهذا المفهوم ربما أراد أن يرسخ ويؤكد على خطل كل القياسات المصمصة رياضيا، أن الحياة اكبر منها. ولربما أراد أن يؤكد على دور المرأة الكبير في الأحداث، على فطنتها وقدرتها الفذة، ليس فقط على استجلاء كوامن الأمور بل وعلى تحريك الأحداث وتنويرها من خلال جرأتها والتصاقها بحبيبها و دفاعها عنه، فيما بعد، أمام الحاكم ورئيس الشرطة والمدعي العام، وإصرارها على براءته وعدم إلزامه ببيع قوة ساعده وما تطلقه ضربات مطرقته من حياة " العصافير والنجوم" ،الى قوة رأس المال التي تمثلت، للوهلة الأولى، بالتاجر ومن ثم ضمن إشارات يدخلها الحريري يحاول أن يوسع من دلالاته بالإشارة الى النظام الأمريكي الجديد (وكان بودي حقا لو استثمر الحريري إشارته هذه ووسع من رؤى الحكاية ..... لكنه لم يفعل).

ورغم القوة التي تدعم التاجر الذي يبرز العقد الذي ابرمه مع محمود متمثلة بالسلطة والقانون(قانون الطبقة المسيطرة) إلا أن الكاتب وفي حلمية مدهشة ينتصر للحب،للمرأة، لقوة العمل ،لأحلام للصغار ولأناشيد الحياة.

" وزحفت زهرة ومحمود والصغار والأزقة والحقول على قصر سارق النجوم والعصافير فأطلقتها، عادت عصافير النار الى الحقول وانتشرت النجوم الزرق في قبة السماء واحتفلت الأزقة والحقول والعصافير والنجوم والصغار الأشقياء بعرس زهرة ومحمود . خلف زهرة ومحمود الكثير من الصبيان والبنات.... كانوا صغارا وحلوين مثل زهرة ومحمود ومثل زهرة ومحمود، ظلوا أشقياء".

وفي النهاية لابد من الإشارة الى أن الكاتب عمد الى جعل نصوصه، مفتوحة على الأجناس الأدبية ولم يتقيد بحدود معينة. فبينما تجده ساردا في مستهل الحكاية، يعمد الى إدخال الحوار المسرحي، ثم يلجأ الى أسلوب الأصوات المتعددة وإدخال صوت الجوقة، ثم العودة الى السرد في محاكاة الحركات في الأعمال الموسيقية ودعم مسعاه هذا باستخدام لغة شفيفة ، لغة مكثفة، شعرية موحية :

ما ظل الحقل

الخبز وتنوره

محمود وكوره"

صبية جميلة بثياب ملونة:

ما ظلت زهرة والحب!

ما ظل الخصب

الجدة وقد غالبت النوم

"ما ظل قساة يصطادون عصافير الحب

ونجوم النار

ما ظل هناك

قانون عنين

قضاة قوادون

صوت حاد و رفيع من القاعة

وشرط جلا دون!

ولن تفوتنا الإشارة الى اللوحات الجميلة التي زينت المتون الحكائية للكتاب، بريشة الفنان فهد الصكر التي تناغمت مع حكايات الكتاب، رغم أنني كنت أتمنى فعل لو كان الحريري ذاته قد رسم لوحات الكتاب بيده، ربما لأني كنت اقرأ، مصادفة، مع قراءتي لكتاب الحريري رائعة أنطوان دي سانت اكزوبري" الأمير الصغير" الذي وضع لوحاتها بريشته.

 




 
الاسم البريد الاكتروني