الشعرية الومضية في نصوص فضية (هدوء الفضة ) للشاعرمقداد مسعود

علوان سلمان
النص الشعري  تعبير عن لحظة انفعالية يقتنصها المنتج (الشاعر).. باستنطاق الذات واختصار المسافات في لحظة حالمة..
و(هدوء الفضة) المجموعة الشعرية السابحة في فضاء النص القصيرجدا (الومضي)..المتدفق بانسيابية شفيفة والمكتظ بايحاءاته ورموزه المختزن لخارطة الوجود اللفظي الراصدة للحالات الانسانية التي  نسجت عوالمها الوامضة المقترنة بعنوانها الدلالة السيميائية  والنص الموازي للمتن  الذي يحقق وظائفه الاغرائية والايحائية والوصفية على حد تعبير جيرار جنيت..كونه دلالة لفظية وعلامة لسانية تحيل الى مضمون النص المشبع بلفظة(الفضة) التي يوظفها الشاعر كرمز يشكل سمة اسلوبية  وعنصر فاعل من عناصر النص الجوهرية في شتى صوره المجازية لتعميق المعنى الشعري والارتقاء بشعريته وعمق دلالاته..لذا فرشت روحها على امتداد صفحات المجموعة المائة..اذ تكررت(114)مرة كونها(المعدن النفيس الذي ورد ذكره في القران الكريم(يطاف عليهم بآنية من فضة)..فضلا عن وظيفتها الاجتماعية والروحية من جهة و التوصيلية للحرارة والكهربائية من الناحية العلمية من جهة اخرى..اضافة الى انها تكشف عن البنيه الدلالية للنص ومضامينه بمجمل تحركاته الدرامية..فضلا عن انه يمارس الكشف عن المعنى للصور الشعرية الدالة على ذاتها..والذي اسهمت دار ضفاف  للطباعة والنشر والتوزيع على نشره وانتشاره/2014..كونه مكتنز بنصوص شعرية شكلت خلاصة متراكمات ومتغيرات في البناء الفني..
                  ما تصورتها
                  .................
                  الآن..
                  بعد آلاف وآلاف من الخطوات والكدمات..
                  تيقنت.....
                  ان كتابة
                  صابرة انتظرت..
                  خطوي
                  لأقرأ..فضتها..     /ص7
    فالنص دفقة وجدانية متميزة بتعبيرها المكثف..المستفز للحظة الشعورية المتسعة المعنى..الخالقة لحقلها الدلالي والايحائي باقتصاد لغوي مع وحدة عضوية وتنسيق جمالي بدقة تعبيرية تحقق ذات الشاعر في تكوين موضوعي متجاوز القوالب الجاهزة ومعتمد تقنية الانزياح والايحاء وكثافة العبارة وعمق المعنى..فضلا عن استنطاق الرموز واعتماد النزعة البلاغية الشعرية المحققة لخطاب اتصالي مثير للانفعالات..اضافة الى توظيف الشاعر تقانة التنقيط(النص الصامت) الذي هو ابدال الدال اللساني بالدال الطباعي كي يستدعي المتلقي للاسهام في بناء النص ..
                     الاعمى..
                     يمد يدا للهواء
                     هل يضعها على كتف فضية..
                     لا مرئية..
                     لسواه؟
                     وهكذا يثق بقدميه
                     وهما تخوضان..الظلام     /ص26
   فالنص يكشف عن اوجاع الروح ومعاناة الجسد باعتماد التركيز بوعي شعري يستوعب حالة شعورية او تاملية او معرفية بلغة شفيفة تحاكي الفكرة وتخلق الصورة الشعرية الوامضة التي هي ممارسة حداثوية تقوم على التكثيف الدلالي والمعنى الايحائي والفني وتعبر عن احساس شعري يداعب المخيلة..والحديث عنها يعني الحديث عن تقنية الانزياح كونها شكل من اشكال الحداثة التي تجاري العصر الموسوم بعصر السرعة..فضلا عن التحول الفكري والفني المنطلق من مبدأ (الحد الادنى) المتمثل في(كتابة مختصرة لحياة مختصرة)..وقد تحقق هذا بحكم التجريب الذي لجأ اليه الشعراء للتعبير عن حالة شعورية تعبيرا موجزا ومركزا يحمل الفكرة والحوار والنهاية الادهاشية في حيز بلاغي قريب الصلة من فن الابيجرامEpigram الذي ينقش على الحجر..وبذلك افرزت الذائقة الابداعية مع سبعينيات القرن العشرين فن شعري مقوماته التكثيف المتأتي من علاقة اللغة بالفكرة والتركيز والايحاء والضربة الادهاشية..اطلق عليه(الومضة/اللقطة المشهدية....)والتي عرفها الشاعر الانكليزي كوليردج(انها كيان مكتمل وصغير جسده الايجاز والمفارقة روحه)..وقال عنها هربرت ريد (انها الشكل والمحتوى مندمجان في عملية الخلق الادبي)..هذا يعني انها تتميز بتركيز العبارة وايجازها وكثافة المعنى لخلق عالم خيالي يهدف الى تحقيق الذات الشاعرة في تكوين موضوعي قائم بذاته..
                وانا في وطني اراه بعيدا
                لكنه وطني..
                افرك يدي بيدي..
                مثل ام تخفي مثالب اولادها عن ابيهم
                انه وطني لا احب سواه..
                واخجل..
                حين اراه منهوب
                الفضة....   /ص78
    فالنص لقطة مشهدية درامية مكتنزة بايقاعها عبر تشكلها الفني المحقق لتأثيره الجمالي من خلال الصورة  التي تجسد المعاني كونها لغة الشاعر التلقائية وجوهر الابداع الشعري يوظفها الشاعر للتعبير عن رؤاه ومشاعره وانفعالاته كونها (جزء من التجربة) على حد تعبير محمد غنيمي هلال ..فضلا عن انها تتكيء على الزمن والثنائيات الضدية(الرؤية والرؤيا)(الواقع والحلم)..للتعبير عن الحالة النفسية المأزومة زمانيا ومكانيا مع مفاجأة اسلوبية ادهاشية..ليشكل نصا يقوم على شعرية الرؤيا في اطارها البنيوي.. 
   وبذلك قدم الشاعر نصوصا مستوعبة لمعطيات النص الومضي وثرائه العميق في الاختزال والتكثيف والقدرة على الخلق الفني والادهاش...
*المقالة منشورة في (طريق الشعب ) /ع99/ الاربعاء/ 31/ كانون الاول/ 2014
*مقداد مسعود / هدوء الفضة / دار ضفاف /بغداد – الشارقة / 2014




 
الاسم البريد الاكتروني