فيلم "آيمي": رؤية نقدية للفيلم الوثائقي من مهرجان "كان" 2015


21 مايو/ أيار 2015


يشهد مهرجان كان السينمائي الدولي عرض فيلم وثائقي جديد يتناول حياة آيمي واينهاوس، المغنية الموهوبة التي عاشت حياة مضطربة. فهل يكشف هذا العمل عن أي جديد عن حياة المغنية الراحلة؟ الناقد الفني نيكولاس باربر يقدم لنا رؤيته النقدية للفيلم.
كان فيلم "سينا" الوثائقي الذي أخرجه آصف كاباديا، وحاز على عدد من الجوائز، حافلا بحوادث السيارات. ويمكن القول إن الفيلم التالي لكاباديا؛ "آيمي"، بمثابة حادث سيارة آخر يستغرق وقتا طويلا للغاية؛ منذ بدايته وحتى النهاية.
يقدم الفيلم عرضا متعاطفا لحياة آيمي واينهاوس، المغنية وكاتبة الأغاني البريطانية المعروفة، التي توفيت عام 2011، جراء إصابتها بالتسمم الكحولي، ولم تكن قد تجاوزت بعد 27 عاما.
ويُظهر العمل واينهاوس وهي تمضي في حياتها على غير هدى، وبشكل مندفع ومتسارع، إلى أن تخرج عن نطاق السيطرة. ولكن في أغلب فترات الفيلم؛ لا نرى واينهاوس إلا وهي تنهار وتتحطم.
وعلى غرار كل حوادث السيارات، يفطر هذا الحادث القلوب، ولديه ما يشبه قوة الجذب المغناطيسية، لكنه ليس لا يلقى بالقدر الكبير من التعريف على واينهاوس.
ويستخدم كاباديا في "آيمي" نفس الشكل الفني الذي سبق واستخدمه ببراعة بالغة في فيلمه "سينا". فبدلا من تصوير مشاهد جديدة، يجمع كاباديا لقطات من أرشيف القنوات التلفزيونية، والبرامج الحوارية، والتقارير الإخبارية، وتسجيلات منزلية مصورة التقطت في حياة واينهاوس. وربما ينتاب المرء شعورا بأن حياة واينهاوس ربما كانت ستصبح أسعد، إذا ما قلل رفقاؤها من توجيه الكاميرات إليها.
وبدلا من استخدام راوٍ وحيد للفيلم يقدم كل المعلومات، أجرى كاباديا مقابلات مع أصدقاء واينهاوس وأقاربها وزملائها، ثم دمج ذكرياتهم وآراءهم مع لقطات فيلمه التي جمعها على نحو دقيق.
ومن بين المتحدثين الذين لم تظهر وجوههم على الشاشة، صديقان هما الأكثر قربا للمغنية الراحلة خلال طفولتها، ويبدو من صوتيهما أنهما كانا على وشك البكاء خلال حديثهما عنها.
والفيلم شديد الحزن، جزئيا لأن واينهاوس كانت محبوبة للغاية، وجزئيا لأنه يبدو أنه كان محكوما عليها بالهلاك منذ بدايته. فحتى قبل أن تفوز بجوائز غرامي، وتتعرض لمطاردات المصورين الفضوليين، كانت واينهاوس تتعاطي المخدرات بنهم، ولحق بها ضرر بالغ جراء طلاق والديها. وكانت قد أعلنت أنها ليست مستقرة بما يكفي لتحمل أعباء الشهرة.
لكن الجانب الأكثر حزنا هو أن وفاة هذه الشابة تسبب في ضياع موهبة ذات طابع استثنائي. ويثبت الفيلم أن واينهاوس كانت نموذجا فريدا في أوساط موسيقى الجاز، وذات موهبة خاصة في صياغة أغانٍ جذابة يسهل تذكرها، وذلك بغض النظر عن أمور مثل تصفيف شعرها على شكل خلية نحل، أو رسمها وشما البحارة على جسدها. كما بدا واضحا أنها عندما كانت تمرح مع أصدقائها، أظهرت إمكانية احتراف التمثيل الكوميدي.
ومع كامل التقدير لسردية كاباديا وحساسيته الفنية، إلا أن "آيمي" ليس فيلما يوصى بمشاهدته على غرار "سينا". وتكمن المشكلة في أننا نعرف مسبقا الحكاية القاتمة التي يدور عنها الفيلم.
وعادة ما تحاول الأفلام التي تتناول حياة نجوم موسيقى الروك كشف الحقيقة وراء عناوين صحف الإثارة (التابلويد(، وإبراز شخصية النجم التي قد تختفي خلف موسيقاه.
لكن الأمر مختلف مع واينهاوس، فما رأيته بشأنها هو ما كان يحدث بالفعل، إذ أن حياتها القصيرة كانت بالفعل عبارة عن سلسلة من العناوين الرنانة في صحف الإثارة، كما أن موسيقاها عبرت عن مشاعرها الأكثر حميمية.
وبفضل عبقرية واينهاوس في تحويل تجاربها الحياتية إلى أغانٍ، وإصرارها على إظهار نفسها على طبيعتها طيلة الوقت، لم يكن ثمة ما يكشفه كاباديا. فلا يوجد جانب من شخصيتها لم يكن ظاهرا من الأصل للعيان على مدى سنوات، من خلال مقابلاتها ومجموعاتها الغنائية.

وربما كان ذلك أمرا مروعا أن نراها وهي تتحول من فتاة صغيرة عامرة بالنشاط والسعادة، إلى ما يشبه جثة حية تتعثر في خطاها. ولكن الكشف الوحيد في الفيلم هو إيضاح أن بعض الرجال في حياتها كانوا أكثر بغضا مما كنا نظن، وعلى رأسهم والدها ميتشيل واينهاوس.
وبحسب الفيلم، لم يكن والد آيمي موجودا قط خلال فترة نشأة ابنته. ولكنه في المقابل لم يغب عنها لحظة واحدة حينما كانت غنية ومشهورة.
وقد شكا واينهاوس الأب من تصويره بهذه الطريقة، لكن يصعب التعاطف معه عند رؤية آيمي الواهنة، وهي تقضي فترة نقاهة بعيدا عن الأضواء في سانت لوتشيا، ليظهر والدها حينذاك في المشهد وبصحبته فريق تصوير تليفزيوني.
إلا أن الأب يبدو رجلا مثاليا مقارنة بزوج آيمي السابق بليك فيلدر-سيفيل. وقد دفع هذا الشاب، القادم من منطقة كامدن، واينهاوس لإدمان الكوكايين والهيروين، ثم نبذها بعدما أقلع هو عن التعاطي.
والآن، بعدما أصبح وسيما ويتمتع بصحة جيدة، تساءل في إحدى المقابلات باستنكار عن السبب الذي كان يُفترض أن يدفعه لإهدار وقته لأجلها!
وبقدر الجاذبية التي قد تكمن في هذا العمل، إلا أنه نمطي للغاية. فالأمر لا يتعلق فقط بالتوثيق الممتاز للمتاعب التي مرت بها واينهاوس، وإنما يرتبط بما سمعناه من قبل عن انهيار العديد من المشاهير جراء تعاطي الخمور والمخدرات، وبفعل وسائل الإعلام وضغوط الشهرة، وكذلك تحت تأثير المنتفعين.
ويمكن القول إن حياة واينهاوس انهارت بفعل كل العوامل السابقة. ولا يُؤخذ على كاباديا كون آيمي واينهاس قد مضت في طريق سلكه الكثيرون من قبلها. فكل خطوة تسببت في تدمير واينهاوس، وصوّرها هذا الفيلم، كانت مماثلة لخطوات قطعها آخرون من قبل. ولعل ذلك الأمر هو الأكثر مأساوية



 
الاسم البريد الاكتروني