سياسة «ماكدونالدز» الجديدة

لم يستغرق الأمر بضع دقائق، لم يكن صف الانتظار طويلاً كما هي الأحوال عادة، وقف “دانييل” أمام عاملة المطعم ماكدونالدز الشهير في مدينة مانشستر البريطانية، بعد أن بلغ به الجوع حداً لا يطاق، لقد أنهى نوبته الأولى من عمله المضن، ولم يضع لقمة في فمه طوال النهار، بدأ بطلب وجبته المفضلة من الهمبرغر، لكن الموظفة عاجلته بنبرة حادة: «نحن لا نقدم الطعام للمشردين هنا.. هذه هي التعليمات هنا.. عذراً سيدي..» ثم مالت برأسها نحو اليمين قليلاً وصاحت: «التالي..»!

 ذهل «دانييل» بعد أن سمع كلام الموظفة، التفت حوله ظاناً بأنه قد وقع ضحية إحدى برامج المقالب التلفزيونية، لكن الأمر لم يكن مزحة على الإطلاق، «أنا لست مشرداً.. هذه ثياب العمل..أنا أعمل في تنسيق الحدائق العامة.. نعم إنها رثة.. لكنها ثياب العمل..»، أخذ “دانييل” يصيح بسخط بينما حاول بقية الموظفين تهدئته، «انظري.. معي ما يكفي من المال»  صرخ “دانييل” وهو يخرج الأوراق النقدية من جيبه، ارتبكت الموظفة وبدأت تعتذر متذرعة بأنها «سياسة ماكدونالدز» المفروضة من قبل رؤسائها، لكن ذلك لم يمنع “دانييل” من رفع صوته أكثر فأكثر ومغادرة المكان على الفور، ليظهر لاحقاً على تقرير تلفزيوني محلي في مانشستر يتحدث عن تلك الحادثة بالذات، لكنه لم يكن الوحيد عندها.


«نحن لا نخدم المشردين..»

بدا وكأنها بالفعل سياسة «ماكدونالدز» الجديدة، أراد التقرير التلفزيوني استبعاد تلك الحالة كخطأ فردي ارتكبه أحد الموظفين، وسرعان ما تمكن من ذلك، بعد أن أدلت الشابة «شارلوت فارو» بتفاصيل حادثة مشابهة، لقد أدخلت رجلاً مشرداً تراه يومياً في طريقها إلى المدرسة إلى أحد أفرع «مالكدونالدز»، حاول الرجل العجوز بخجل دفع بعض المال، فمد يده إلى جيبه قبل أن تخبره الشابة اللطيفة أن الوجبة على حسابها هذه المرة، جرى كل هذا في طابور الانتظار أمام المحاسب الذي توجه بالكلام مباشرة إلى “شارلوت”: «نحن لا نخدم المشردين.. عذراً يا آنسة لكني لن أتمكن من خدمتك هنا.. هذه سياستنا الجديدة»، أخذت الشابة تصف مدى انزعاجها مما جرى واصفة إياه بغير الإنساني على الإطلاق، وبدأت بعض المواقع الإخبارية بتناقل بتفاصيل التقرير، تلتها موجة غاضبة من التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي، بعد أن أصبحت تلك الحادثة «حديث البلد» هناك، اضطرت «ماكدونالدز» إلى إصدار بيان توضيحي أعلنت فيه بأن كل هذا لا علاقة له بـ«سياسة الشركة في تعاملها مع الزبائن» وهو مجرد خطأ فردي بسيط.


سياسة «تنظيم الصدقات»!

يظن البعض بأن تلك الحادثة لا تكفي للحكم على «ماكدونالدز» ، لكن هذا الاسم ارتبط منذ زمن بعيد بنمط استغلالي مهيمن، أصبح رديفاً للسياسة التوسعية الأمريكية حول العالم، كما اتهم في مناسبات عديدة بتلويث المجتمعات التي تستقبل فروعه حول العالم بالأمراض، واستغلال الموارد الطبيعية والبشرية في أكثر من مكان، في إطار خلق آلة استهلاكية جشعة، تفرض أنماطاً هجينة، لم تعد الكثير من البلدان قادرة على تقبلها،  فأغلقت الكثير من فروعه حول العالم في العقد الأخير وبشكل غير مسبوق، وأعلنت «ماكدونالدز» مؤخراً نيتها إغلاق 700 فرع في بريطانيا وحدها، كما يذكر الكثيرون إعلان «بوليفيا» بفخر وبالتزامن مع ستة بلدان أخرى خلوها من أي فرع من فروعه قبل سنتين، كان ذلك بعد أن أثار ضجة واسعة في الأوساط المحلية، التي طالبت بذلك الإغلاق، بعد أن لمست تأثيره السلبي على الثقافة المحلية والعادات والتقاليد هناك، لذا قد يصف الكثيرون في بريطانيا حوادث طرد المشردين المتكررة بأنها انعكاس طبيعي لحقيقة «ماكدونالدز» وخاصة حين تبدأ مقارنتها مع ما يفعله «الجيران».
الوضع مختلف في فرنسا، بل يصفه البعض بأنه على النقيض تماماً، حيث بدأت الحكومة هناك بحملة تهدف إلى الحدّ من إهدار الطعام، عبر وضع تشريع جديد يحظر على المتاجر الكبرى التخلص من الطعام غير المباع، كما ستتم معاقبة المخالفين بغرامات مالية كبيرة قد تصل إلى السجن. ويفرض التشريع الجديد توقيع عقود للتبرع بالطعام غير المباع والصالح للاستهلاك إلى المؤسسات الخيرية أو لاستخدامه في إطعام الحيوانات، أو كسماد زراعي، أي أن إطعام المشردين قد أصبح لزاماً على كل من يستطيع فعل ذلك، رحب الكثيرون بعملية «تنظيم الصدقات» تلك، وعدّها واجباً اجتماعياً سيحصل أخيراً على حافز ملائم لفرضه على الجميع، لا يتحدث الكثيرون في هذه المناسبة عن سبل للحد من ظاهرة التشرد المتفشية في الشوارع الأوروبية أساساً، لا داعي للحديث عن توزيع عادل للثروات ما دامت الحكومة ستضمن وصول بقايا الطعام إلى أفواه الجائعين جميعهم!


«الإمبراطورية» تغرق

على كل حال، وبالنسبة لـ«ماكدونالدز»، تحاول الشركة بشتى الوسائل إنقاذ ما تبقى من «إمبراطوريتها»، لكنها تبدو على الدوام غارقة في مشاكل تتوالى دون توقف، كما أصبحت محط سخرية الكثير من الناس حول العالم، فقد ترك أحدهم تعليقاً طريفاً للغاية على إحدى الصفحات بعد انتشار أخبار «سياسة التعامل مع المشردين» الأخيرة قائلاً: «أنا أؤيد سياسة الشركة في تعاملها مع المشردين.. إنهم لا يستحقون أن تطعمهم ماكدونالدز من وجباتها.. من وجباتها التي قد تصيبهم بالتسمم.. إنهم بالفعل لا يستحقون ذلك».




 
الاسم البريد الاكتروني