حلم النوارس

محمد بروحو
غاب/site/photo/1067 أصيص الرياحين من شرفة الزمن وباتت ألوان الأصيل باهتة واصفرت أوراقها وذبلت. الخريف الآخر حل ورغم كل الشجن، سأنال حريتي: سأعيش حرا طليقا مثل النوارس .
قالها الحفيد بصوت أجم ثم رددها حينما انتصب واقفا فوق قمة الهضبة، فاتحا ذراعيه، شانفا إلى أفق الأصيل قبل أن ينحدر مسرعا، متراقصا مع ارتفاع الهضبة، يعاند ظله الذي ارتسم على أديم الأرض دون أن يلتفت إلى جده الذي مكث فوق ارتفاعها لساعات طوال.
فاضت نفس الحفيد بالأمل، وبدت سفينة عمره ناصبة أشرعة النور فمضى مترنما بأماني الحرية، وانطلق يعدو كغزال مع انحدار الهضبة المتموج .
رنا الجد إلى حفيده وابتسم ابتسامة شاحبة، ارتسمت على شفتيه المنتفضتين:
- "أتغادر وتتركني بعدما لم يعد لي أمل غيرك؟ "
قالها الجد متمتما ففاضت ذكريات العمر في ذاكرته الشائخة وعادت أحلام الأحزان أطيافا تحوم من جديد في سماء حياته:
- "مضى الآخرون يا ولدي ، وكانوا أزهارا في عمرك منذ ذلك الزمان ولم يعودوا . وأنت الآن تريد أن تحدو حدوهم ، أن تفتق التحام الجرح . ذاك الجرح الذي لم يلتئم بعد في زمن شاخت فيه ذاكرتي ولم يعد ينشطها غير صورتك البهية وصوتك الشجي".
- "سأعيش هناك حرا طليقا كنورسة حرة. أطير من شاطئ لآخر ، أعبر المروج كظل الياسمين" .
قالها الحفيد وهو يعترض هبوب الريح بجسده الفتي:
- "خيوط العناكب أضحت أسيرة لزمن لازمني منذ طفولتي. منذ لحظة ولادتي، وأنا لا أريد ذلك ولا أستطيبه".
عندما بدأت غيوم الخريف تسحب خيوط الشفق مرغمة، بدا الجد حزينا يائسا، وخبا الوميض في عينيه الناعستين :
- "كنت أعلم ذلك."
ذاك الأصيل، تأخر قمر المساء كثيرا.
- "قلت لك، جدي العزيز، كم أنا مشتاق لمعانقة حريتي وأنا أعلم أنني لن أجدها إلا هناك. أن أعيش هناك، في غير المكان الذي شهد ولادتي"
لكن الجد ظل مترددا وخائفا .
-" لقد فعلها الآخرون قبلك، يا صغيري، ولم يحصدوا غير البوار".
- "أعلم ذلك".
فقد قالها الجد مرات ومرات وزفرات الأسى تنبعث حارة من جوفه. الزمان كئيب ، وأبواب السؤال بدت موصدة . لكن الحفيد ظل متأملا أفق المغيب ثم رنا إلى شجر الدراق المزهر... ومضى.
السراب القادم جهة المشرق يحجب عن ناظره أرجوان المساء، ويضاعف ثقل ذاكرته بهموم الحياة، في لحظة كانت فيها خيوط الشمس تفتق سرة السحب الحبلى بمطر الخريف.
صدى كلمات جده لا زال يدوي في مسامعه :
-" مالي أراك متعجل الخطى وبقايا الوقت أرحب لأركان المكان" .
من خلف زجاج نافذة القطار، بدت نفس الحفيد رائقة حتى ندت عن ثغره ابتسامة. كان القطار يمر مسرعا يسابق الزمن. ومع كل دقة من دقاته، كان يدرك أنه الآن حر طليق في مكان لم يكن يشبه ذلك المكان الذي شهد ولادته.

محمد بروحو/ المغرب




 
الاسم البريد الاكتروني