هل السلام الوطني الهندي يمجد بريطانيا؟


10 يوليو/ تموز 2015

بعد مرور أكثر من قرن على إنشادها للمرة الأولى في مدينة كولكاتا ( كالكوتا سابقا ) شرقي الهند، يحيط الجدل مجددا بالأغنية التي أصبحت لاحقا النشيد الوطني للهند.
أثار كاليان سينغ حاكم ولاية راجستان، وهو عضو قديم في حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم، هذا الجدل المتكرر حينما قال يوم الثلاثاء إن أغنية "جانا غانا مانا" للشاعر الهندي الشهير طاغور الحائز على جائزة نوبل كانت تشيد بحكام الهند البريطانيين آنذاك .
وقال كاليان سينغ إن جملة "اجيناياك جاي هي"، والتي تعني حرفيا "لنحيي القائد" يجب إزالتها واستبدالها بكلمة "مانغالداياك"، والتي تعنى "مانح الرفاهية".
ظهرت هذه التصريحات الجريئة لسينغ على صدر الصفحة الأولى لجريدة هندية بارزة.
ليس سينغ وحده هو الذي أثار هذا الجدل، فالقاضي السابق في المحكمة العليا "ماركاندي كاتشو" كتب مؤخرا يقول إن أغنية "جانا غانا مانا"، التي أصبحت النشيد الوطني للهند عام 1950، "ألفت وتم غناؤها كنوع من التملق الذليل" للملك جورج الخامس، وهو الملك البريطاني الوحيد الذي سافر إلى الهند.
وعرض كاتشو أيضا بعض الأدلة المشكوك فيها لدعم فكرته وهي أن الأغنية "جرى تأليفها تماما بالتزامن مع زيارة" ملك بريطانيا في ديسمبر/كانون الأول عام 1911، وهي لم "تشير إلى حب الوطن الأم".
ورأى أيضا أن كلمات "اللورد والحاكم" و"من بيده مصير الهند" (وهي عبارة أخرى في الأغنية) في عام 1911 كان يقصد بها الحكام البريطانيون، وأنها أنشدت للمرة الأولى في مؤتمر عقد في كولكاتا للترحيب بالملك.
ونالت هذه الأغنية، التي كتبت بلغة سانسكريت البنغالية، حصتها العادلة من إثارة الجدل، فالبعض قالوا إنها تمثل إذعانا للملكية البريطانية، وآخرون قالوا إنها لم تعكس تماما الأجناس والمناطق في الهند.
لكن المؤرخين يعتقدون أن الزعم بأن هذه الأغنية التي كتبها طاغور كانت لتمجيد الحكام البريطانيين "غير حقيقي".
فطاغور هو أول آسيوي يفوز بجائزة نوبل للأدب وهو شخص شديد الوطنية تخلى عن لقب فارس احتجاجا على وقوع واحدة من أكثر المجازر دموية في التاريخ البريطاني.
وقال المؤرخ سابياساتشي بهاتاتشاريا، الذي ألف كتابا هو الأفضل عن طاغور، إنه يعتقد بأن "الخرافة بشأن هذه الأغنية" ينبغي "دحضها ودفنها".
كتب تاغور هذه الأغنية في 11 ديسمبر/كانون الأول عام 1911. وفي اليوم التالي نظم التجمع الحاشد في نيودلهي الذي يعرف باسم "دلهي ديربار" حينما أعلن تسمية جورج الخامس إمبراطورا للهند.
وأنشدت الأغنية للمرة الأولى في 28 ديسمبر / كانون الأول عام 1911 في جلسة لحزب المؤتمر في كولكاتا. وأنشدت أيضا، حسبما يقول المؤرخ بهاتاتشاريا، في يوم إعلان برنامج "ادي براهاما ساماج" وهي حركة إصلاحية نهضوية في الديانة الهندوسية وكان ذلك في فبراير / شباط عام 1912 وجرى ضمها إلى مجموعة المزامير الخاصة بهذه الديانة.
وقال بهاتاتشاريا: "بعد مرور سنوات عديدة، ربط الخيال الخصب والخبيث بين تأليف الأغنية وحشد ديربار، وظهرت شائعات بأن قصيدة تاغور كان الهدف هو إنشادها في دلهي ديربار."
الحقيقة جاءت في نهاية المطاف على لسان طاغور نفسه في رسالة كتبها إلى رئيس التحرير الذي كان يعمل لديه وهو بولين بيهاري سين في نوفمبر/تشرين الثاني عام 1937.
وقال الشاعر الشهير آنذاك إنه من البديهي أنه "لا جورج الخامس أو السادس أو أي جورج يمكن أن يصنع مصير الإنسان عبر العصور".
وأضاف: "لقد أشدت في أغنية جانا غانا مانا بالشخص الذي يصنع مصير الهند والذي يرشدنا عبر مراحل الصعود والهبوط، عابري السبيل، الشخص الذي يرشد الناس إلى الطريق..".
وقال بهاتاتشاريا إن النظر إلى جورج الخامس على أنه "رمز الألوهية بدلا من صانع مصير الهند...ملك الملوك كان أمرا تافها، بل أيضا نوع من تدنيس لشيء مقدس من جانب طاغور".
بشكل واضح لم يكتب طاغور هذه القصيدة للإشادة بملك بريطانيا أو حزب المؤتمر، بل كانت "ترنيمة لخالقه، حامي مصير البلاد"، حسبما يقول بهاتاتشاريا، وهو الأمر الذي يتجاهله أو ينساه الكثيرون ربما عن قصد.




 
الاسم البريد الاكتروني