من أَجلِ تُرابِ قَدمَيْ " أُم فرح "

لاثنين " 12 أكتوبر 2010
 
  ليس غير العمال من يعرفون قيمة الوقت ،
إنّهم دوما يدفعون ثمنه "
( فولتير )
لا اعرف أسم " أم فرح " . عرفت كُنيتها ،  لكنها تعرفني .
ربما هي تصغرني بعقد كامل ، ويجوز أني اكبرمنها بعدد من السنوات . وهي فقيرة إلى الله فقط ، وأنا فقير مثلها إلى الله ، وإليها أيضاً. وهذه يغفرها لي ربي لأنه العارف بنوايا الخلق . لأنني إتخذت أخطر قرار في حياتي من اجل تراب قدميها .
 هذه مقدمة عادية .
 
المقدمة غير العادية في شأن " أم فرح " ، أنها سيدة أماراتية تعيش في دعة وسعة من الرزق في وطنها، كما في غير وطنها ايضا إنْ ارادت ذلك ، رفعت سماعة هاتفها ، وإتصلت بجريدة الخليج الأماراتية ، حيث كنت أعمل حتى قبل نحو سنة من يوم الناس هذا ، ومنذ أكثر من ثلاثين سنة وسنة واحدة أخرى،  وقالت لهم : " اريد هاتف الاستاذ جمعة اللامي ، من اجل ان اتكلم معه ، بعد أن إنقطعت مقالاته عن النشر في جريدتكم " .
وهذه المقدمة غير العادية الاولى لحديثي هذا .
 
اما المقدمة الثانية ، والتي أُسمّيها غيرعادية ، فهي أن احداً في هذه الجريدة ، بدءأً بكثير من رؤوسها ، وحيث أفضالي عليهم بعلو قاماتهم إلى ما فوق رؤوسهم ، لم يكلف نفسه عناء ما أقدمت عليه أم فرح الأماراتية .
وهنا اتذكّر تَرْيَم عُمران تَرْيَم .... !!
 
وهذه المقدمة الثانية تستولد مقدمة ثالثة غير عادية ، من بين نصوصها ، ان " جابر عثرات الكرام " في إمارة الشارقة ، رفع سمعة هاتفه الخاص ، اكثر من مرة واحدة ، ليتفقد الفقير إلى الله كاتب هذه السطور ، ثم ليُجبرَ كسراً في قلبه ، بينما بقي الذين جَبرتُ كسر رزقهم، وكسور رقابهم ، في عقود ماضية، كانهم لا يعرفون شيئاً عن هواني على الناس ..!
 
والمقدمة الرابعة في حديث اليوم ، تحية الى سيدة من هذا الزمان، هي إبنة حراس البحر، وسليلة كِرام أهل الساحل ، كتبتْ ذات يوم على اديم الفيس بوك ، تحيةً إلى الفقير السعيد ، يإسمها الصريح ، وعنوانها الأصرح ، بينما لَغَفَ كثيرٌ من " الفحول " مابقي من فضلات العامة ، على طريقة كلاب البحر المُستأنسة ( !! ) .
 
أما المقدمة الخامسة ، فتتمثل في وفاء جُروٍ صغير ، صار كلياً فحلاً الآن ، لم يزل يتبع اثري ، وَيّتّتبَّع خطاي ، بين بيتي في منطقة السور بالشارقة ، وحديقة زينب ، وكورنيش الشارقة ، بينما الناس نيام ، أوهُمُ في عِزّ الظهيرة ..!
ولقد وجدت هذه الجُرو شبه أعمي ذات يوم ، فحملته على صدري الى بيتي ، وآويته ، وأعتنيتُ به ، حتى صار قادرا على النباح في وجوهِ الغرباء .
آه ، يا كلبي العزيز .
 
والمقدمة السادسة في حديثي هذا ، هو ما اقدمت عليه إمرأتي ، زينب ، حين خرجت من غيابها الأبيد لتقول لي : " رويدك ايها العاشق ، حسبتك تعلم ما حلَّ بسقراط ، وما تعرّض له محمد ، وما حاقَ بعيسى ، وما آل اليه حال الشعراء في سجون جزيرة العرب ......! " .
ـ: أي والله سيدتي ، لكني خشيتُ على بعض الناس من نار آتية ، في قلبي .
قالت : لا تكتم نارك .
ـ : اهكذا ، ترين ، وتريدين أذن ؟
قالت : نعم ، يا جَمْعَ القلب والفؤاد والنفس والروح . شقّ الطبلة الآن ، والآن ، وإلى حيث يعلم الله . فنحن في ايام الله .
ـ : سمعاً وطاعةً ، مولاتي .
قالت : بلى ، يا تاج راسي !
 
تبقى المقدمة السابعة التي تستولد مقدمات ومقدمات ، وهي مبادرة " أُم فرح " الأمارتية . والتي قالتها على الهاتف باكية : " ارجع من أجلي لمواصلة " ذاكرة المستقبل ".
ـ ولكن يا أم فرح ، ما حدث قد وقع .
قالت :" من أجلي " .
 
وقبل سنوات على إستقالتي من هذه الجريدة التي أعطيتها من عمري الكثير ، وينافسني على عشقها كسور الرجال ، رجعتُ عن تقديم إستقالتي بعدما تلقيت رسالة من فتى فلسطيني في الضفة الغربية ، يقول لي فيها : " عمّاه ، نحن ننتظرك " .
وكان الكاتب اليهودي هينري سيغمان ، قد عزّز قناعتي بعلاقتي مع الناس، عندما تلقيت منه رسالة شخصية يقول فيها ، أنه يرسل اليّ ببرنامج إصلاح السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية ، للإفادة منه في " ذاكرة المستقبل " .
 
ورحعت عن إستقالتي حين إختلى بي أحد إثنين من أركان الجريدة في حينه ، وكنت عائدا من بلغاريا سنة 1984 ، وقال لي :" تريم يردك هكذا ، وأنا اقول : " انت تعرف حالنا اليوم ، وتعرف موقف غيرنا اليوم " .
 
وفي منزلي الآن ، كما كان فيه قبل ثلاثين سنة ، حينما عزّ وجود الكرام ، إلاّ واحد فقط ، تمَّ  تدمير مئات رسائل القراء العرب الى كاتب هذه السطور ، وكلها عزيزة على قلبي ، رغم أنها في أقلّها تحاورني مُعارِضَةًً ..!
وأكرمْ بمعارضةٍ نبيلةٍ ووطنيةٍ ، ولا ترتبط بأجنبي ، حتى لو كانت مسلحة ...!
 
والمقدمة ما قبل الاخيرة ، هي إن " أُم فرح " جبهة مُعارضِة ، على طول قامتها .
وهي مَشهدُ مُعارضٌ ، على قدر سِعةِ شَيْلتِها .
أُم فرح أكبر من حزب ، وأعلى من ذروةِ ثروة قارون .
فهي تُذكّرني بأُمّي ، يوم كانت تتبعني ، وتتابعني من معتقل إلى سجن ، ومن جُبٍّ الى كهف ، ومن مدينة الى صحراء ، ومن صحراء إلى بادية .
 
وهي عندما تقول لي : " عُدْ إلى " ذاكرة المستقبل " . ، سأعود مثل طفل لم يَنسَ ، وَلَنْ ينسى ، حُضنَ أمه . فهذا أمر.
ومنْ لا يأتمرُ بأمرِ أُمه ؟!
 
وها أنا ، العامل المخضرم ، من اجل تراب قدمي " أُم فرح " أعود الى الكتابة ، ‘نصياعاً لأمر أُمي .
فنعم المُرسِل...!
ونعم حامل الرسالة ..!
ونعم مُستقبِل هذه الرسالة ، وناشرها . ....؟!!
جمعة اللامي



 
الاسم البريد الاكتروني