أثنتان وثلاثون شمعة للشاعر أمل دنقل..../الشاعرأمل دنقل في ..أوراق الغرفة(8)

مقداد مسعود
/site/photo/7899
في 21/آيار/1983.أشعل الجنوبي، شمعته الأولى في الشاطىء الآخر.. أشعلها بصراعه المرير ضد شراسة الألم....تحاول قراءتي المنتجة ألتقاط عينات شعرية،للأستدلال على خصوبة وانفتاح الواحد من خلال تكاثره..ا لمتعدد..سأتوقف عند..( أوراق الغرفة (8).. ) الديوان الأخير للشاعر، ويضم هذا الديوان القصائد الاخيرة التي كتبها أمل دنقل طوال فترة مرض صارعه أربع سنوات من أوائل أيلول 1979  حتى آيار 1983 والعنوان ليس من أختيار الشاعر .. ربما من اختيار رفيقة حياته السيدة عبلة الرويني.. والغرفة 8، حسب الناشر( هي آخر الغرف التي قاوم فيها أمل مرضه، قرابة عام ونصف، في الدور السابع من – المعهد القومي للأورام، من شباط 1982 الى يوم رحيله الساعة الرابعة من صباح السبت الحادي والعشرين من مايو 1983..بالنسبة لي كقارىء انشددت للشاعر امل دنقل وانا اقتني نسخة من ديوانه..( تعليق على ماحدث ) كان ذلك في تلك السنوات الخضلة حيث كان الامل يتقدمنا في كل شيء.. ثم اخذت اتابع دواوينة واعود الى مافاتني منها.. وقد كان للوصايا العشر دويها الشعري الهائل.. حين نشرت في مجلة آفاق عربية 1981... بعد ربيع 2003 بسنوات توفرت لي نسخة من الاعمال الشعرية الكاملة للشاعر أمل دنقل 
 
*الورقة الأخيرة..
توظف قصيدته ( الورقة الأخيرة ) صورة ً فوتوغرافية ًعائلية ً، ومن وجه معين يبدأ تبئير المشهد الشعري من هذا الوجه، تنداح الصور، اندياح دوائر مائية، تحدثها حصاة ونحن نشطحها على وجه ماء النهر.. يشيد الشاعر قصيدته،من خلال عدة وجوه  كل وجه هنا شاشة من خلالها تبث القصيدة سيرورة ضوئها .. في الوجه الأول ينكشف الينا الشاعر في صورة، يتأمل الشاعر الصورة يتعرف نفسه فيها وينكرها في الوقت ذاته،فهو لم يعد هو بسبب عامل الصيرورة وسنلاحظ ان الزمان بشروطه هو الشخصية الرئيسة في هذة القصيدة، ومَن كان طفلاً سيعرفنا الى شخوص الصورة :الأب/الأخت/الآخرين..هل القصيدة محاولة شعرية لأعادة الحياة، للذين أبتلعهم حوت الموت:
*(هل أنا كنت طفلا..
   أم الذي كان طفلا سواي؟ ) ومفردة ( سواي ) تعيدني الى قصيدة يقول الشاعر فيها 
( عثرتُ في سيري 
رأيتني...غيري/233- قصيدة : حديث خاص مع أبي موسى الأشعري )..انها اشارة للمتغير في الموقف السياسي، اما في الطفل فتشير للمتغير الطبيعي في مراحل عمر الانسان  ثم يحول الشاعر نص الصورة، الى نص شعري، فالصورة، هي علامة ذات فحوى ومعنى، و( قد تشكل لنا مدونة بصرية نستطيع قراءتها، عبر نظام العلاقات البصرية وحدها أو بمساعدة نظام لغوي مجاور/ص25 )
( هذه الصورة العائلية..
كان أبي جالسا، وأنا واقف..تتدلى يداي،
رفسة من فرس
تركت في جبيني شجا، وعلمت القلب أن يحترس .
أتذكر ..
سال دمي
أتذكر
مات أبي نازفا
أتذكر هذا الطريق الى قبره
أتذكر,,
أختي الصغيرة ذات الربعين .
لاأتذكر حتى الطريق الى قبرها
المنطمس/ص433 )
(*)
1- نلاحظ  ان القصيدة، تثّبت صورة فتوغرافية، لتلقط صورا سرديا،
فالشاعر ينبهه ثم يختزل حدثا ( رفسة من فرس ) ..
-2- تواصل القصيدة سيرورتها عبر نسق خماسي من الإحالة التكرارية للتذكر:
أتذكر : سال دمي
أتذكر : مات أبي
أتذكر:هذا الطريق ألى قبره
أتذكر: أختي الصغيرة
وفي النسق الخامس ينتفي التذكر
لا أتذكر حتى الطريق الى قبرها.
 
*ذكورية الصورة:
في الصورة نلاحظ ثنائية الواحد
:أب/ إبن 
وغياب الأم .
وضمن آلية العمل الشعري فنحن امام النسق الأول الرئيس من القصيدة والذي يبدأ 
( هل أنا كنت طفلا ).
. النسق الثاني، يبدأ مع السطر الشعري التالي
( أو كان الصبي الصغير أنا
ام ترى كان غيري )..
أنه ذات السؤال الأول، من ناحية المعنى، مع أختلاف نسبي في الملفوظ، في هذا النسق، ينتقل الشاعر من صورة /مرحلة الطفولة، في النسق الأول الى صورة / مرحلةالصبا/في النسق الثاني .
*( أو كان الصبي الصغير أنا؟
    أم ترى كان غيري؟ )،
 ثم يبدأ الشاعر بتفكيك أتصالية:الأنا/الغير، من خلال سيرورة القصيدة
( أحدق..
  لكن تلك الملامح ذات العذوبة
  لاتنمتي الآن لي ,
والعيون التي تترقرق بالطيبة
الآن لاتنتمي لي،
صرت عني غريبا )..
في هذه العينة الشعرية :
(1) الشاعر لايتأمل في صورته بل يحدق، و(حدّق: شدد النظر/ص162/ المعجم الوسيط )
(2 ) خلافا لذلك يكون التأمل.. فمن جرد الشاعر من سمتين تليقان به : العذوبة والطيبة؟ وجعله منتبذا عنهما وأي صيرورة/مسخ .. جعلت الشاعر منكسرا...؟
:( صرت عني غريبا )
( ولم يتبق من السنوات الغريبة )
( إلاّ  صدى أسمي )
أي قوة لهذه الصيرورة الشرسة، المكتوبة بالحذف من قبل الشاعر؟ ونحن بدورنا نترك الأمر لفطنة فعل القراءة.. لمعرفة هوية هذه القوة التي لاتوصل إنسانية الإنسان لغير التشيوء والأغتراب. هنا، علينا التخلي، عن أي مفهوم معياري سابق على النص، وفي الوقت ذاته، علينا الإصغاء ( لشهادة النص على نفسه مفهوما توليديا، وأبداعيا يتمكن القارىء به من البحث في أثر النص وأستخراج المعنى الغائب/ص159/ ).. والملاحظ ان صدى التسمية الفردية يفعل أتصالية مع كثرة ... لها وظيفة تراسل مرآوي : ترى الذات فيها نفسها من خلال الكثرة/الصحبة، وسيكون التذكر هو الحاضنة :
             ( إلاصدى أسمي..
           وأسماء من أتذكرهم – فجأة -
          بين أعمدة النعي،
           أولئك الغامضون: رفاق صباي
           يقبلون من الصمت وجها فوجها
           فيجتمع الشمل كل صباح لك نأتنس /ص434)
(*)
*أتصالية الغياب/الحضور
في المفاصل الشعرية الثلاثة، والتي يكرر فيها الشاعرعنوانا واحدا ( وجه )، نلاحظ ان الآصرة بين الثلاثة وبينه هي الحياة.. المختومة بالغياب
*( فجأة مات
 وأنسحبت من على وجهه سنوات العذاب، )
جهامة الرحيل تعيد الذاكرة عذرية اللثغة الاولي 
( عاد كما  كان طفلا..
 يشاركني في سريري، وفي كسرة الخبز والتبغ ) 
مع فارق رئيسي
( لكنه لايشاركني.. في المرارة )
لأن مرارة الشاعر : صليب لايحتمل أثنين الشاعر وقسيم شبابه،  فالصليب للأحياء لا للموتى والقصيدة لبداياتها ايضا:
( كان يسكن قلبي
 وأسكن غرفته
نتقاسم نصف السرير
نصف الرغيف
ونصف اللفافة
والكتب المستعارة/ص434)
*الوجه الثاني:  وجه كادح
( من أقاصي الجنوب أتى
عاملا
للبناء
كان يصعد سقالة )
حين يسقط العامل الجنوبي من السقالة، سيقتسم مع الشاعر صحفيته !!
(          كنت أقرأ نصف الصحيفة
         والنصف أخفي به وسخ المائدة )
ثم...( لم أجد غير عينين لاتبصران 
          وخيط دماء )
( صار نصف الصحيفة كل الغطاء
   وانا في العراء )..



(*)
تعيدني هذه القصيدة الى قصيدة..( رسوم في بهو عربي/ ص386..)  فأذا كانت قصيدة الورقة الأخيرة توزعت بين ذاكرة الوجوه، فأن قصيدة ....بهو عربي تتوزع بين اربع لوحات عربية لوحة دمشق وأخرى للمسجد الاقصى، وثالثة لسرحان بشارة سرحان، واللوحة الاخيرة لسيناء
(*)
في قصيدة ( ضد مَن ) يشتغل الشاعر أمل دنقل على لعبة لونية فهناك الأبيض الواحد المتعدد  ونقيضه اللوني : الاسود ..ويرى الشاعر ان تعددية البياض لاتبّث سوى ذلك البياض الموحش وهذا البث السالب مشروط  بقسوة المكان ( غرفة العمليات  )..
( في غرف العمليات
كان نقاب الأطباء أبيض 
لونُ المعاطف أبيض،
تاج الحكيمات أبيض، أردية الراهبات،
الملاءات،
لون الأسرة ، أربطة الشاش والقطن،
قرص المنوم، أنبوبة المصل،
كوب اللبن،
كل هذا يشيع بقلبي الوهن .
كل هذا البياض يذكرني بالكفن !
فلماذا إذا مت ..
يأتي المعزون متشحين 
بشارات لون الحداد ؟/ 441 ) .. 
بياض مشروط بمكان له مؤثرية سالبة على رهف الذات الراصدة : 
( كل هذا يشيع بقلبي الوهن
          كل هذا البياض يذكرني بالكفن ) ..
ومن بياض الموت يتشقق سؤال الشاعر حول تغيّر اللون الى النقيض / اللون الاسود
( فلماذا اذا مت ...
 يأتي المعزون متشحين 
بشارات لون الحداد ؟ )..
والشاعر يسأل ويجيب على سؤاله :
( هل لأن السواد 
  هو لون النجاة من الموت ِ
لون التميمة ضد..الزمن ) والسؤال هنا لاينتهي برسم علامة الاستفهام فهو جواب على صيغة سؤال على السؤال السابق للشاعر، ثم يسأل الشاعر ثانية ..( ضد من...؟ ) ويسأل ثالثة :
( ومتى القلب – في الخفقان – أطمأن ؟ )..ويعود الشاعر أمل دنقل الى هذه المثنوية المتعددة في اللون والناس والوجود
( بين لونين : أستقبل الاصدقاء
 الذين يرون سريري قبرا
وحياتي.. دهراً
وأرى العيون العميقة ِ
     لون الحقيقة
    لون تراب الوطن )
أمل دنقل / الأعمال الشعرية/ مكتبة مدبولي / لايوجد تاريخ للنشر
*المقالة منشورة في صحيفة المدى : 8/ 6/ 2015


 









 
الاسم البريد الاكتروني