الاحتفاء بريبستين آخر رموز عصر السينما المكسيكية الذهبي



Image copyrightGetty
Image captionرافق الاحتفاء عرض فيلم " لاكاييه دي لامارغورا" أو "شارع المرارة"

احتفى مهرجان فينيسيا السينمائي في دورته الـ 72 بالمخرج المكسيكي أرتورو ريبستين، بمنحه جائزة خاصة عن مجمل حياته المهنية ومساهماته في مسيرة الفن السينمائي بمناسة مرور نصف قرن على عمله في السينما.

ورافق الاحتفاء عرض فيلم ريبستين الجديد "لا كاييه دي لامارغورا" أو (شارع المرارة) الذي أخرجه هذا العام.

ويعد ريبستين أحد أبرز المخرجين الأحياء من جيل العصر الذهبي للسينما المكسيكية أو جيل استوديو المكسيك، وقد بدأ عمله في ستينيات القرن الماضي مساعدا للمخرج الشهير لوي بونويل، قبل أن يضع خطوته الأولى في مسيرته السينمائية بثقة في فيلم "زمن الموت" 1965، الذي اشترك في كتابته اثنين من أبرز روائيي أمريكا اللاتينية وهما غابرييل غارسيا ماركيز وكارلوس فوينتيس.

كما عٌرف ريبستين في العالم العربي بأنه أول من قدم الأديب العربي الكبير، الحاصل على جائزة نوبل، نجيب محفوظ في السينما المكسيكية، عندما نقل روايته "بداية ونهاية" إلى فيلم سينمائي بالاسم نفسه عام 1993 ونقلها كليا إلى أجواء مكسيكية. وقام بعده مخرج مكسيكي آخر يدعى خورخي فونس بتحويل رواية "زقاق المدق" إلى فيلم بعنوان "زقاق المعجزات" أدت دور البطولة فيه الممثلة سلمى حايك.

ووصف المدير الفني للمهرجان البرتو باربيرا ريبستين قائلا " ارتورو ريبستين، المخرج الأكثر حيوية وإصرارا وأصالة من مخرجي ذلك الجيل الذي ظهر في منتصف الستينيات، والوريث لأفلام العصر الذهبي لاستوديو المكسيك والممهد للجيل الجديد من المخرجين المؤلفين المعاصرين من أمثال كارلوس ريغاداس وغييرمو ديل تورو ونيكولاس بيريدا، وكل واحد منهم يدرك بطريقته الخاصة حجم الدين الذي يدينون به لأعماله".

استطاع ريبستين أن يفرض سينماه الخاصة وملامح أسلوبه المتميز في سياق السينما التجارية التي نشا في أحضانها ويؤكد دائما رفضه لأعرافها، (كان والده منتجا سينمائيا معروفا)، وبات يوصف بأنه نقطة الوصل بين العصر الذهبي للسينما المكسيكية مع استوديو المكسيك والجيل اللاحق من المخرجين المؤلفين الذين يدينون بالكثير له، كما أشار باربيرا.

ونجح في العمل في سياق الأنواع الفنية (الجنرات) السائدة في السينما التقليدية كأفلام الويسترن والميلودراما ليقدم عبرها نقدا للتعصب وما يراه قيما سلبية منتشرة في المجتمع المكسيكي وتحليلا للمشكلات الاجتماعية التي تتجذر في الثقافة والمجتمع المكسيكي.

وتتميز أفلام ريبستين بنزوع واقعي مفرط ونزعة نقدية حادة لواقع متداع وعالم مضطرب، يترك أثره بعمق في واقع الاستلاب والعزلة والقهر الذي تعيشه شخصيات.

فأبطال ريبستين هم أبطال مضادون في الغالب، وشخصيات مرضية مسحوقة أو على شفا الانهيار، ضائعة في عالم غارق في الرعب والعنف والجريمة والضياع والعزلة والاستلاب.

شارع المرارة

Image copyrightAP
Image captionاشتهر ريبستين في العالم العربي بإخراجه فيلم عن رواية "بداية ونهاية" لنجيب محفوظ

كما نرى في فيلمه الأخير "شارع المرارة" الذي عرض على هامش الاحتفاء به في الموسترا، والذي استند إلى قصة حقيقية عن جريمة وقعت في عام 2009، تمثلت بمقتل شابين قزمين، يكسبان عيشهما من العمل كمصارعين ثانويين إلى جانب المصارعين الكبار في حلبات المصارعة الحرة غير المقيدة.

ويبدأ ريبستين سرده بمتابعة الحياة اليومية للمصارعين اللذين لا ينزعان أبدا قناعي المصارعة عن وجهيهما، ويلقب أحدهما بـ "الموت" والثاني بـ أيه كي 47 (الاسم المعروف في الغرب لبندقية الكلاشينكوف).

ويصبح القزمان مدخلا للتعرف على المكان، وهو البطل الرئيسي لفيلم ريبستين وليس الشخصيات، والذي يتوزع سرده في ثناياه، إنه الشارع المعروف بشارع المرارة، حيث الواقع أغرب من الخيال وحيث الدعارة والجريمة والسرقة والعنف وكذلك العاطفة والطيبة التي تصل حد الحماقة والبساطة والتضامن الإنساني.

عالم كئيب تغرق شخصياته في العزلة والاستلاب، وتكافح من أجل البقاء في حياتها اليومية، والجميع فيه ضحايا وجلادون في الوقت نفسه في معركة البقاء في غابة العنف.

ومقابل المصارعين نتابع الحياة اليومية لدورا (الممثلة نورا فيلاسكيز) وأديلا (باتريسيا ريس سبيندولا) اللتين تعيشان على ممارسة الدعارة، وباتت طريقة حياتهما مهددة بتقدمهما في السن، إذ تعطي القوادة التي تشرف على المكان وهو مرآب للسيارات ممتلئ بالسيارات العتيقة المتروكة مكانهما لغانيات أصغر سنا.

ونتابع واقع البؤس الطافح في حياتهما اليومية، فإحداهما تعيش مع أمها المقعدة تماما والتي تعاملها بمزيج غريب من القسوة والعاطفة المفرطة، فتستخدمها وسط الضرب والشتائم كمصدر للتسول أو تعود لتحضنها بحنان ومحبة في مشاهد أخرى، والثانية مع زوج عجوز يجاهر بمثليته ويرتدي ملابسها الانثوية وينزل بحثا عن زبائن هو الآخر، وابنة مراهقة ضائعة تماما.

يحرص رابستين هنا، كما في معظم أفلامه، أن يتحدى النزعة الرجولية والنظام الأبوي المهيمن في المجتمع المكسيكي بتقديم صورة مضادة من الهامش الذي تخفيه هذه الهيمنة.

ويجمع ريبستين شخصياته الأربع في النهاية عبر احتفال يقيمه المصارعان القزمان احتفاء بربحهما في حلبة المصارعة مع المومسين، لكنه ينتهي بكارثة عندما يموتان نتيجة خطأ شرب قطرة عين كشراب مخدر، وينتهي الأمر باعتقال المومسين اللتين تحاولان الهرب وتقوم احداهما بوضع السم لأمها المقعدة كي لا تبقى وحيدة بعدها دون عناية.


Image copyrightGetty
Image captionنورا فيلاسكيز "يسار" وباتريسيا ريس سبيندولا "يمين" من أبطال فيلم (شارع المرارة)

يملؤنا ريبستين بجرعة مفرطة من القسوة والكآبة في واقع الاستلاب هذا، وسط بؤس وضعف شخصياته المقهورة وعوالمها الكابوسية، والتي تبدو مستسلمة لمصائر قدرية لا مفر منها.

ويبرع ريبستين في التحرك على حافة الميلودراما بنوع من السخرية السوداء من تلك المصائر التي تبدو قدرية لشخصياته التي تجعلها أقرب إلى شخصيات الحكايات المأساوية الشعبية.

فهو لا يحاول استجداء التعاطف معها، أو تقديم أحكام قيمية على سلوكياتها، بل يمسك بمبضع جراح ساعيا إلى تشريح وتفكيك المشكلات التي تنتجها في سياق المجتمع المأزوم الذي تعيش فيه.

وقد برع مدير التصوير اليخاندرو كانتو في تجسيد أجواء "شارع المرارة" عبر تصويره بالأبيض والأسود، وسيادة تلك الاجواء الكئيبة المعتمة على معظم المشاهد، التي نجح كانتو عبر توزيع الظلال ومساقط الضوء فيها في عكس تلك الأجواء الماساوية القاتمة والتعبير عن التضاد الحاد في المكان والشخصيات، فضلا عن عكس أجواء الاستلاب والعزلة والمرارة التي تعيشها هذه الشخصيات.

وهذا ثاني تعاون بين رابستين وكانتو الذي يعد من أبرز مدراء التصوير في القارة الأمريكية، واشتهر بتعاونه مع المخرج جوليان هيرنانديز واستخدامه المميز للكاميرا المحمولة في فيلم "شمس ملتهبة وسماء مستعرة".

كتبت سيناريو الفيلم الكاتبة الموهوبة باث اليسيا غارسيادييغو، وهي زوجة ريبستين وقد شكلا معا منذ عام 1975 ثنائيا فنيا ناجحا، إذ أضافت غارسيا دييغو إلى سينماه الكثير عبر موهبتها الأدبية وعملها على نقل الأعمال الروائية إلى السينما ببناها المعقدة وتعددية أصواتها، كما في "بداية ونهاية" لنجيب محفوظ و"ليس ثمة للكولونيل من يراسله" لماركيز "اسباب من القلب" عن رواية لفلوبير "امرأة الميناء" عن قصة لموباسان، فضلا عن الأعمال التي كتبتها مباشرة إلى السينما.

أخيرا، يمكننا القول إن أبرز ما يميز أسلوب ريبستين السينمائي هي تلك المزاوجة الغريبة بين الجمال والقسوة، والعنف والعاطفة، والخزن والسخرية، في سياق نهج واقعي مفرط وحس تراجيدي في رصد واقع التداعي الذي ينسج شبكته ببطء في سياق بنية اجتماعية مأزومة.




 
الاسم البريد الاكتروني