السَقَّاءُ الذي لا يَزالُ في حُلمِهِ الأبيد 2

1 ـ يوم في عام الماموث / مولد شمس الزمان

واقفاً في وسط الساحة ، اطلقت نشيدي ...
(( ... ورأَيتني أخرجُ من سمانة قدم امي اليمنى ، كما يخرج النهار من الليل . كان عبدالله في طَرشَةٍ بعيدة عن بيت امي ، وشاهدته يُقتل بين بيت ايلياء وبكَّة . قتله بدو وأعراب ارادوا سرقة راحلته ومتاعه : " كمن الأعراب خلف أجمة ، قرب بئر . كانوا اربعة رجال من قبيلة شيصبان " ، وعندما نصب خادمه خيمته الى جذع شجرة سدر قريبة من البئر ، هجع عبدالله قبيل منتصف الليل ، ثم إنخرط في رؤيا ـ رآني اسقط من سمانة ساق امي اليمنى ، فنادى عليَّ : "اهلا بك يا طه ، وشمس ميسان" . وبعد ذلك رأيت واقعة الغدر به . كان عبدالله لا يزال في رؤياه ، عندما هجم علبه الأعراب الأربعة ، فجلس احدهم عند ساقيه ، بينما امسك اثنان منهم بيديه . اما الرابع ، الذي سيعرف ب " الشيصباني" ، بعد قرون جنوبي بابل وشمالي مبسان ، فقد شق صدره بخنجر مسموم ، وإستأصل قلبه ،وأخذ يلوكه بين اسنانه ، ثم بصقه على الارض ، بينما كان دم القلب يعفر صدر عبدالله ، الذي بزغت منه شمس حمراء .
كان والدي يحدس ان شمساً جديدة ستشرق على بلاد بابل ، فتبع الهاتف الذي كان يهمس في فؤاده : " هل تريد رؤية شمس الدين؟ " . وكان عبد الله لا يعرف الا قليلا عن حبيبي الفاتن الذي إدخرني له ، بين مصرعه وطلق امي . قالت امي :" إلتجأْت الى نخلتي ، فهبطتَ من سمّانة ساقي اليمنى كما يخرج النهار من الليل ، وقلت لي : "يا زهراء ، دعيني أواجه حبيبي في هذه الساعة "، فهبط الملاك ذو الأجنحة الإثنتي عشرة ، وشق صدري ، واخرج قلبي ، وآنتزع علقة منه ، ثم قال لي : " إقرأ يا شمس ميسان " . فقلت " كيف اقرأ وما انا بكاتب ؟ " . قال طاووس الأنوار : " يقول لك حبيبك : انت قاريء " ، ثم خلاّني لأمي المرتبكة وهي تنادي عليَّ " ماذا اسميك ؟ " . قلت " هُوْ سَمّاني طه ، والمعلم ، وشمس الدين ، ...... ..و "هُوْ" .
ثم ارسلت صوتي الى الوجود .)) ...

... ورأيتني استمع الى صوتي ، بينما كنت اقف عند الساق اليمنى من كُرسيِّ : 

" إنني ثَمِلٌ اليوم ، ثَمِلٌ بحيث لا استطيع ان أُميِّز بين النصر والفيروز" .
"إن كل طريق بلزمه مرشد يقظ ، وفي هذا الطريق لا دليل الاّ المجنون" .
"فإذا كان ذلك المجنون حيّاًً قُل له : تعال اليَّ وتعلم منِّي الجُنونَ النّادرَ" .
"وإذا اردتَ ان تُصبحَ مَجنوناً ، فَطرِّز صُورةً تُشبهني عَلى ثَوبكَ" . 

كان زقّ الخمرة ملتصقاً بصدري ، وأنا اتقدم نحو ساحة البلدة التي اعرفها ، ويعرفني ناسها ، معلنا امام السابلة :
ـ تعال ايها الحبيب : " ضع يدك على قلبي .. ولا تسل عن هَمِّ الحبيب ، وآنظر في عينيَّ ولا تسل عن الخمرة والكأس " .



 
الاسم البريد الاكتروني