عُــبورُ جســرِ بْـروكْــلِنْ Crossing the Brooklyn Bridge

/site/photo/8265
آخرون سيرَونَ مراكبَ مانهاتِن شمالاً وغرباً
ومرتفعاتِ بروكلِن جنوباً وشــرقاً .
آخرون سيَرَون الـجُزُرَ  ، كبيرةً وصغيرةً .
وبعد خمسين عاماً من الآن، آخرونَ سيرَونَها وهم يعبرون،
الشمسَ بعد نصف ساعةٍ من مَطْــلـعِها.
وبعدَ مائة عامٍ، بعد مئاتِ الأعوامِ، آخرون سيرَونَها، سيستمتعون بالغروبِ، باندفاعةِ الـمَـدِّ .
بانحسـارِ الـجَـزْرِ .
أنا أيضاً عشتُ – بْروكْـلِـنْ ذاتُ التلالِ ، كانت لي .
أنا أيضاً  طوّفتُ في شوارعِ جزيرةِ مانهاتِن،
واستحمَمْتُ في المياهِ المحيطةِ .
كنتُ مانهاتيّاً، ودوداً، وأبِـيّـاً !

والت ويتمان – عبور مُعَدِّيةِ بروكلِن

Others will see the shipping of Manhattan north and west, and the heights of Brooklyn
          to the south and east;
Others will see the islands large and small;
Fifty years hence, others will see them as they cross, the sun half an hour high;
A hundred years hence, or ever so many hundred years hence, others will see them,
Will enjoy the sunset, the pouring in of the flood-tide, the falling back to the sea of the
          ebb-tide .. . .
I too lived—Brooklyn, of ample hills, was mine;
I too walk’d the streets of Manhattan Island, and bathed in the waters around it. . . . 
I was Manhattanese, friendly and proud! . . .
                           ~Walt Whitman, "Crossing Brooklyn Ferry"
لأَقُلْ إن وِيتمانَ قد عبَــرَ الجســرَ ...
مثلي 
صباحاً، وفي شــهرِ آبَ اللظى .
ولأقُلْ : كان يســهرُ في مانهاتِنْ ...
وهو الآنَ قد عبَرَ الجســرَ، طَـلْقَ الـمُحَـيّا، حثيثَ  الـخُــطـا .
فإلى أينَ يذهبُ ؟
أيّ الشوارعِ يختارُ ؟
أيّ الزوايا ؟
......................
......................
......................
أقولُ لهُ :
والْـتْ !
خيرٌ لنا، بعد ليلٍ عجيبٍ هنالك، أن  نتأنّى هنــا  ...
نتذوّقَ قهوتَنا في الرصيفِ
ونستقبلُ الناسَ بالبسمةِ .
الشارعُ اكتظَّ بالسالكينَ . الحديقةُ مفتوحةٌ . والمخازنُ .
والنهرُ يبدو من  الـبُـعـدِ أخضرَ  ...
فلْنســتَرِحْ في الرصيف !
*
الشمسُ تقتربُ منّــا . دعْــنا  نجلس  على هذه الكراسي  الـخُضرِ .
تحت المظلة الخـــضراء . لا تَـخَـفْ ! نحن  لا نزال في الرصيف ...
الكراسي والمظلة قدّمتْها بلديةُ بْروكْلِنْ لأمثالنا . هل أطلب لك قهوةً مـن
العربة ؟ صاحبُ العربة أســودُ، يُعِــدُّ قهوةً  لذيذة . كوبان اثنانِ
بدولارٍ ونصفٍ !
*
في شارع فُـلْـتُنْ كنتُ  أتمشّى أمسِ  . هل أقولُ لكَ :  إنني لم أكُنْ 
في شارعٍ ؟ كنتُ في مستودعِ بضائعَ هائلٍ، له عشراتُ الأبـــوابِ .
متاهةِ الأحذيةِ والملابسِ والـحُـلِيّ الكاذبةِ . لا أزهارَ هنا، ولا صُحُف .
لا مشـربَ جُـعَـةٍ أو نبيذٍ . الماءُ في قناني البلاستيك . وأجـنحـةُ
البنكِ تُطْــبِقُ .
*
أنا وأنت في بروكلِن الآن . لكني أسكـنُ غيرَ بعيدٍ عن ســـوهو .
ســوهو التي أحببتَ . أتريدُ أن أحكي لك عنها ؟ عن آخر أخبارِها ؟
أنت لم تذهبْ إلى هناك منذ زمنٍ . منذ مائةِ عامٍ وأكثر ... 
حسناً، أيها الـمُـعَـلِّـمُ : لقد غادرَها الشعراءُ والفنانون . وهـي
تُصبحُ، مثل شارع فُلْـتُنْ،  معرضاً هائلاً للأحذية والملابسِ الغالية .
ومطـعماً إيطالياً تُمســي .
*
الحرب الأهلية انتهت، يا والتْ وِيتمان . لكن الجنودَ السودَ الذين
قاتلوا في سبيل الحرية . وعبيدَ مزارع القطن العاطلين، هؤلاء الذين
يسكنون هارلم، وبروكلِن، وبرونكس، ومانهاتِن ...
هؤلاء الذينَ أحببتَهم، وغنّيتَ لهم، وغنَّــوا لك، لا يزالون
ينامون في الحدائق العامة، ويأكلون من القُــمامــة ...

*
أيها الغريبُ العابرُ ! أنت لا تدري كم حننتُ إلى رؤيتِك...
أنتَ، إذاً، مَن كنتُ أبحثُ عنه، أو عنها ( لَكأني احلمُ )،
أكيداً أنني عشتُ حياةَ بهجةٍ معك، في مكانٍ ما .
كلُّ هذا استُعِــيدَ، ونحن مع بعضنا، سـهلَـينِ، حنونَينِ، متعلِّقَينِ، ناضجَينِ .
أنتَ ترعرعتَ معي . كنتَ فتىً أو فتاةً معي .
جسدُكَ لم يَعُدْ جسدَكَ وحدَكَ . وجسدي لم يَعُدْ جســدي وحدي .
أنتَ منحتَني بهجةَ عينيكَ ، وجهَكَ، لحمَكَ، ونحنُ نعبرُ .
وأنتَ آخذٌ بلحيتي، وصدري،ويدَيَّ. بالمقابلِ .
أنا لا أتحدّثُ إليكَ . سوف أفكرُ بكَ حين أجلسُ وحيداً . أو أستيقظُ وحيداً في الليلِ .
عليَّ أن أنتظــرَ . سألقاكَ ثانيةً، لا مَحالةَ .
سـأجهَـدُ حتى لا أضيِّعَكَ .

"  إلى غريب – والت ويتمان "


                                                      To A STRANGER 
                                                                   Walt Whitman 
Passing stranger! you do not know how longingly I look upon you, 
You must be he I was seeking, or she I was seeking, (it comes to me as of a dream,) 
I have somewhere surely lived a life of joy with you, 
All is recall'd as we flit by each other, fluid, affectionate, chaste, matured, 
You grew up with me, were a boy with me or a girl with me, 
I ate with you and slept with you, your body has become not yours only nor left my body mine only, 
You give me the pleasure of your eyes, face, flesh, as we pass, you take of my beard, breast, hands, in return, 
I am not to speak to you, I am to think of you when I sit alone or wake at night alone, 
I am to wait; I do not doubt I am to meet you again, 
I am to see to it that I do not lose you. 


*

الغريبُ الذي أنتَ  غـنّـيـتَـه
والغريبُ الذي لم تُـغَــنِّ ...
والغريبُ الذي ظلَّ أقربَ مني ...
هل أتاكَ، هنا ، نبأٌ  منهُ، يا صاحبي والْتْ وِيتْمان ؟
هل أتاكَ جنودُ " أبو غْـرَيب "  ؟
هل حدّثوك ؟

*

مشهدٌ في المخيَّمِ . في مطلعِ الصباحِ . رمادياً ومعتماً . وأنا  أخرجُ من خيمتي
مبكراً ، وأرِقاً .
وبينما كنتُ أسيرُ، بطيئاً ، في الهواءِ النقيّ الباردِ ،في الـمَـمَـرِّ  قربَ خيمةِ
المستشفى، رأيتُ ثلاثةَ شُخوصٍ يتمدّدون على النقّـالات . لقد جيءَ بهم
إلى هناك ، وأُهمِـلوا . كلُ واحدٍ منهم ، مغطّى ببطّانيةٍ من الصوف الخشنِ الـمُربَدِّ .
بطّانيّةٍ ثقيلةٍ سوداءَ، منشورةٍ، لتغطِّي تغطيةً كاملةً . توقّفتُ، مستطلِـعاً، ووقفتُ
صامتاً . ثم أزحتُ بأصابعَ خفيفةٍ، الدثارَ، عن الأولِ .
مَن أنت، أيها الرجلُ المتقدمُ في السنِّ، الكالِـحُ، الأشيبُ؟ ذو اللحمِ المتهدِّلِ
حولَ العينينِ ؟ مَن تكونُ يا رفيقي العزيز ؟
ثم مضيتُ إلى الثاني : مَن تكونُ أنتَ، يا طفلي وحبيبي ؟
مَن أنتَ، أيها الفتى، ذو الخدّينِ المتورِّدَينِ ؟
ثم إلى الثالثِ- وجهٌ ليس كوجهِ الطفلِ، ليس كوجهِ الشيخِ . إنه لَوجهٌ هادئ، في جمالِ العاجِ
الأبيضِ المصْــفَـرّ ِ.
أيها الشابُّ .
أظُنُّـني عرفتُكَ .
أظُنُّ وجهَكَ وجهَ المسيحِ ذاتِهِ .
ميْتاً ، ومقدّســاً، وأخاً للجميع .
وإنه لَههُـنا، مُســْجىً ثانيةً .


" والت ويتمان – مشهدٌ في المعسكر "









A Sight in Camp: Walt Whitman
 
A Sight in camp in the day-break grey and dim, 
As from my tent I emerge so early, sleepless, 
As slow I walk in the cool fresh air, the path near by the hospital 
tent, 
Three forms I see on stretchers lying, brought out there, untended 
lying, 
Over each the blanket spread, ample brownish woolen blanket, 
Grey and heavy blanket, folding, covering all.

Curious, I halt, and silent stand; 
Then with light fingers I from the face of the nearest, the first, 
just lift the blanket: 
Who are you, elderly man so gaunt and grim, with well-gray’s hair, 
and flesh all sunken about the eyes?
Who are you, my dear comrade?

Then to the second I step--And who are you, my child and darling?
Who are you, sweet boy, with cheeks yet blooming?

Then to the third--a face nor child, nor old, very calm, as of 
beautiful yellow-white ivory;
Young man, I think I know you--I think this face of yours is the face 
of the Christ himself;
Dead and divine, and brother of all, and here again he lies.
 

*

أوَدِّعُكَ الآنَ ...
لا وقتَ عندكَ لي ، يا رفيقي
ولا وقتَ عندي لكَ ...
الساعةُ استحكمتْ .
والجنودُ الذين مَـهَــمَّـتُهُم قتلُ شعبيَ لن يسمعوا صوتَكَ .
العشبُ نَضْـــرٌ
رفيقيَ :
نَمْ هانئاً
واتَّـرِكْ لي مفازةَ  هذا الطـــريق !



نيويورك 16.8.2007






 
الاسم البريد الاكتروني