ايام في عمان / اين انت يا نخلة الله ؟

»ولكن.. ما الذي جئت أفعله هنا؟ ما الذي جئت أفعله هنا، يا مولاي؟«

(مالرو ــ المذكرات المضادة)

 

لم يتبق سوى حسب الشيخ جعفر، وهو ــ الآن ــ في عمّان، وليس في بغداد، لقد ضربنا الدهر من حيث لا نحتسب:

 رحل عبدالوهاب البياتي الى البارئ من دمشق، بعدما أقام في عمّان ردحا من السنين،

و "أخفي" او "اختفى" عزيز السيد جاسم، في مكان ما في بغداد.

وهاجر سعدي يوسف الى لندن، بعد سنوات من التنقل والترحال بين دمشق وعمّان.

كنا مجموعة صغيرة وكنت الأصغر بينهم عمراً،

 لكنها مجموعة قادرة على ان تكون في حجم اوقيانوس، او في عمر يفوق كثيرا اعمار نسور نبي الله نوح.

ذات مساء، في منزل سعدي يوسف، في نهاية العام ،1977 او في بدايات 1978 قر قرارنا على مغادرة العراق. كان معنا في ذلك المساء شاعر قومي ( 1 ) يراقب احتداماتنا ونحن نتخذ هذا القرار، وكان الرجل امينا بما فيه الكفاية، ليستمع الى احاديثنا من دون أي تبرم او اعتراض.

كان سعدي يوسف لظروف خاصة وسياسية، الأكثر الحاحا، بل الأكثر حاجة في مغادرة الوطن، لكن جواز سفره كان محتجزا لدى وزارة الثقافة والاعلام. تخير أحدنا نفسه لتذليل هذه العقبة وتوفرت أمام سعدي فرصة لا تعوض للرحيل عن "السماء الأولى".

بقينا نحن الاربعة: البياتي، عزيز السيد جاسم، حسب الشيخ جعفر، وأنا، وأخذ كل واحد منا يتدبر أمره، إلا عزيز السيد جاسم، فلقد كان جواز سفره "موقوفاً" في مكتب الوزير السابق لطيف نصيّف جاسم الدليمي.

مرقت حزمة الذكريات بسرعة خاطفة أمامي، فيما كنت انظر الى حقيبتي، في غرفة صغيرة، في فندق صغير يقع في وسط عمّان كما كان حسب الشيخ جعفر، ينظر الى حقيبته في يوم من سنة ،1958 عندما حط الرحال في موسكو ليكون اول طالب عربي يدرس في "معهد جوركي".

كم تبدلت وتغيرت هذه المدينة منذ فارقتها في شهر سبتمبر/ايلول سنة 1970. آخر مرة كنت نزيل دارة فخمة في "جبل التاج" اتيت الى ذلك المنزل من موقع يتبع "الجبهة الديمقراطية" لأفاجأ هناك بالدكتور منيف الرزاز، الذي "توفي" في ظروف غامضة فيما بعد، والدكتور عبدالوهاب الكيالي الذي تم اغتياله في بيروت سنة ،1980 اضافة الى شخص آخر اسمه د. زيد حيدر، وهو سوري تولى بعد ذلك منصبا مهما في "القيادة القومية" لحزب البعث العراقي، ثم ليصبح بعد ذلك ناطقا باسم الحكومة العراقية اثناء ما كانت "قوات الحلفاء" تدك وتدمّر بغداد وبقية المدن العراقية بعد يناير/كانون الثاني 1991.

كان القتال محتدما يومها بين الجيش الاردني وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية كنت قريبا جدا من منيف الرزاز، حينما كان ينادي على »الرفاق في بغداد« من دون ان يحصل على نجدة بينما توقفت المدرعات السورية عند "الرمثا" كما يتذكر الذين تابعوا الاحداث حينئذ.

أول الهاربين من الموقع هو "زيد حيدر" الذي رأيته بعد عدة اسابيع بكامل زينته في مقهى بيروتية على الروشة.

 قال اكرم الحوراني: كنت اتابع الموقف من اجهزة لاسلكي "القيادة العامة" وفي تلك الاثناء مر على تلك المقهى عضو مجلس قيادة الثورة العراقي صلاح عمر العلي التكريتي، الذي أقيل وعين في منصب دبلوماسي خارج العراق.

توجهت نحو صلاح عمر العلي التكريتي محيياً فشاهدت في رفقته الشاعر العراقي حميد سعيد والشاعر السوري المخضرم خليل خوري الذي توفي بعد عدة سنوات في بغداد، بعدما هجر الصعلكة واختار "نعمة حديثة" في عاصمة الرشيد.

هذه هي عمّان إذاً!

سألني احد ضباط الجوازات في مطار عمّان الدولي: من تعرف في عمّان؟ قلت: غريب المتروك .

 ابتسم في وجهي، ثم اخذت بيمين المتروك ودخلت قلب عمّان ليلاً.

كان هدفي الآن هو: حسب الشيخ جعفر. لكن اين اجده بل كيف يتأتى لي اللقاء مع رجل اختار عزلته ومنفاه كما اختار ان يكون مبرزا في حركة الشعر العربي الحديث؟!

 

جمعة اللامي

zaineb@maktoob.com

 



 
الاسم البريد الاكتروني