" أيام في عمان " 3 العاشق السومري

على سطح الجدار القَصِيّ المقابل، عبر الحائط الزجاجي الذي يفصلنا عن السابلة، رأيت شبحين: الأول، ملفوفاً بكفنه الأبيض، متوسداً صخرة عند رصيف في مثوى الشيخ »ابن عربي« بدمشق: إنه عبدالوهاب البياتي .
والثاني، لا يزال في دشداشته الشتوية البيضاء أيضاً، واقفاً، كما كان الحسين بن منصور يتبختر في أسواق بغداد، رافعاً ذراعيه نحو السماء، وهو يصرخ:

ــ  يا غَوْث .

إنه عزيز السيد جاسم.

راودتني فكرة نقل صورة ما رأيت إليه . لكنه كان، كما هو دائماً، مستغرقاً في صمته العتيد، محاوراً أسراب البط في أهوار »ميسان«، متحدثاً الى »بلوك« أو »يسينين« أو »دستويفسكي«، أو منقذفاً في تلك الأزمنة البعيدة، ماراً وطائفاً حول أسوار »أوروك« أو متجولاً في منعطفات »بابل«

أو لابداً في ذاكرة امرأة من جصّ على سطح جدار في »أور«.

كان »علي السوداني« قد جاء به الى هذا المربع في المساء الثاني، وكذلك في المساء اللاحق، فتذكرت عبارته الأثيرة: »كانت حياتي في موسكو مجرد حنين أو انشداد عنيف الى مكان آخر، هو العمارة . كنت طيلة السنين التي عشتها في موسكو أتطلع الى هذه القرية، الى هذه المرأة القروية، الى تلك التفاصيل التي حفرت أخاديدها في روحي ".

و»العمارة« هي المدينة السومرية الأولى، وكذلك هي التي منحته »نخلة الله« و»الطائر الخشبي« و»زيارة السيدة السومرية« و»عبر الحائط في المرأة« وبقية ما جادت به صبوات هذه القامة العراقية من فرائد الشعر المضاف إلى الحداثات الشعرية العربية .

وهذه المدينة العراقية الجنوبية، التي دفعت الى سطح الحياة بشعراء وكتاب لهم وزنهم، منهم لميعة عباس عمارة، لها شأنها في منعطفات الحياة العربية بعد الاسلام أيضاً . وهي ستترك روحها لدى حسب الشيخ جعفر، ليصير الى إعادة صياغتها ضمن تراثه الثقافي .

يقول: »أنا شخصياً، أنظر الى التراث العربي، كذائقة استمرارية من خلال ثلاثة أعمدة شامخة: القرآن الكريم، ونهج البلاغة، وديوان المتنبي. مع تقديري لشوامخ أخرى مثل أبي فراس وأبي تمام«.

سيمنحه القرآن الكريم سكينة للروح .

 وسيهبه »نهج البلاغة« ذلك الاندفاع وراء الحكمة والعدالة،

 بينما سيناوله المتنبي ذلك الاحترام الذي لا يوصف للشعر والكلمة والتجديد:

ــ  »الشعر ــ في تصوري ــ هو هذه الروح الكامنة في أي نصّ ابداعيّ، سواء كان فناً تشكيلياً، أو شريطاً سينمائياً، أو مسرحية«.

وهكذا هي »القصيدة المدورة«: إضافته الحقيقية للحداثة الشعرية العربية، بعد نازك الملائكة والسياب والبياتي، لأن »حقيقة الشاعر هي إضافته لما سبقوه .

عمر بن أبي ربيعة، سرّ بقائه ليس في صدق تجربته لأحاسيسه فقط، وإنما في اقتحامه لأماكن شعرية غير سائدة« كما يقول.

هذه الإضافة الصارخة التي جاءت بها »القصيدة المدورة« على يديه، بعدما أفاد من بداياتها التاريخية لدى الأندلسيين، ثم لدى شعراء المهاجر اللبنانية، تركت روحها في شعر عدد من بقية الأوائل في الشعر العراقي، مثلما انتقلت، كما ينتقل الدم من القلب الى بقية أجزاء الجسد، الى الأجيال الشعرية التالية في العراق، حتى لقد بات حسب الشيخ جعفر، حاضراً في كل منجز شعري حقيقي بعد جيل الستينات.

ثلاثة مساءات متتالية في عمّان، اختصرت ثلاثة عقود من السنين، ومكان واحد، هو منزل علي السوداني، كان إنابة عن مدينة الماء التي اسمها »ميشان« أو »ميشون« أو »ميسان« .

 وهي ــ المساءات الثلاثة ــ التي جعلت من عمّان مثابة لشاعر يغادر صالات الاحتفالات الصاخبة، وبطاقات الأحزاب، ورشى المثقفين السلطويين، ويختار غرفة متواضعة فوق فيللا في »وادي السيل« في عمّان، لا يهتدي إليها أعرق قصاص أثر في العاصمة الأردنية، بينما يعرف جغرافيتها بدقة، ذلك العفريت العراقي: علي السوداني، الذي نافس الهدهد في تتبع عرش بلقيس.

في المساء، ما قبل الأخير، عند بوابة تلك الغرفة المتواضعة، وقفنا الثلاثة: هو وأنا وبيننا علي السوداني. بهزتُ قليلاً، فرأيت روح البياتي تتوسد صخرة عند ضريح »ابن عربي«، وتمسح على جبين عزيز السيد جاسم، المعفّر بالدم .

أردتُ أن أقول:

ــ  أبا نؤاس.. هذا هو عزيز، وذاك عبدالوهاب!


جمعة اللامي

zaineb@maktoob

 ( 1 ) : الشاعر القومي المقصود، هو الشاعر علي الحلي . وقد اشرت اليه بهذه الصفة خوفا عليه، لانه كان في بغداد عندما نشرت المقالات




 
الاسم البريد الاكتروني