روزا الحب

الثلاثاء : 11 ـ 11 ـ 2008

روزا الحب

"وفي اليوم الثالث، عُدنا إلى أثينا. ولكننا لم نعد وحدنا،

بل برفقة جماعة من الأشباح: أسخيلوس، يوربيدوس،

سوفوكليس، وأرستوفان"

(ايزادورا - حياتي)

ايزادورا دنكان، هي الراقصة الأمريكية، الروسية الأصل، التي دوّخت الصغار قبل الكبار، ومن أجلها كتب الشاعر الروسي يسينين، قصيدة بدمه، والتي لم يستطع "رودان" ان يجعل الطين موازياً لحرارة جسدها.

هي، ايزادورا، التي منحت التمثال.. "روحاً".

ولذلك، لا بد أن يتبعها هؤلاء اليونانيون الأربعة، عندما مرت بقرية يونانية صغيرة ذات يوم، مع فرقتها الموسيقية، وكانت تسير راقصة على شارع اغريقي مترب، لأن حياتها هي الحب في ذاته.

ولا يوازيها في إعطاء أي حركة معنى، إلا الألمانية روزا لوكسمبورغ.

يعرفها كثيرون، المناضلة الاجتماعية من أجل العدالة، أو التي كانت تخرج من سجن ألماني لتدخل سجناً ألمانياً آخر، في بدايات القرن الماضي، يوم كانت السجون مدارس للأحرار من الأدباء والفنانين والكتّاب.

ولقد عرفتها سنة ،1959 عن طريق معلمي المسيحي، الذي من بلدة "عينكاوا" في شمال العراق، المربي عبدالأحد المالح، الذي قتل في "قصر النهاية" سنة ،1963 لأنه يحمل فكراً يدعو الى العدالة والحب.

كان أحد عمال الميكانيك المتحمسين، يتحدث عن الفقراء والمعدمين، بين جمهور من صغار الموظفين، والباعة المتجولين، والنساء العاملات في أسواق منطقة "خلف السدّة الشرقية" في بغداد، حيث الشعب المقصي عن خدمات الدولة، والمعزول مع البؤس، والمدان سلفاً لأنه فقير.

في حينها، كنت رميت كتبي المدرسية في دجلة، واشتغلت عاملاً ميكانيكياً، من أجل ان أكون في طوابير الطبقة العاملة العراقية التي ستقود الشعب الى العدالة والسلام والحرية، وكان استاذي عبدالأحد المالح، يمانع في هذا ويقول: خذ طريق روزا لوكسمبورغ.

- أي طريق، أيها الاستاذ؟

- الحب.

في تلك السنوات، حين كانت أعمارنا تحت السابعة عشرة، كانت كلمة "الحب" تسكرنا. وهكذا انغمرنا في حياة هذه المرأة الألمانية، روزا لوكسمبورغ، التي أحبت الناس والفقراء والفنانين واختصت بأحدهم، وكان يصغرها بنحو ربع قرن.

نسيت اسم ذلك الشاب الألماني، الآن.

لكنني لم أنس كلماتها إليه: "انظر، أعرف انني أكبر منك سناً، وأعرف انك تعرف نساءً غيري، وأعرف أنك جميل ومرغوب، ولكن إياك أن تخون نفسك"!

الحب، هو البطولة، أبداً.

ولا بطل إلا مضحياً، وأمامك سجل الأبطال، نساء ورجالاً.

استقبل جمهور غفير في برلين، مساء يوم الجمعة الماضي مسرحية "اللعب مع الموسيقا" التي صورت حياة روزا لوكسمبورغ، لمدة ثلاث ساعات متواصلة، ليس باعتبارها مناضلة اجتماعية، بل تلك المرأة الحساسة التي تعاني من الوحدة، وبحاجة للشعور بالحب.

أن تكون مع الجموع، وتناضل من أجل حق الناس في الحياة، لكنك في حقيقة أمرك، تعاني من الوحدة والشعور بالضياع، فهذا هو قمة الحب، وهو ذروة القدرة على صناعة الحياة.

جمعة اللامي

www.juma-allami.com

 




 
الاسم البريد الاكتروني