2 ـ يَومٌ في شَهر رَجَبِ المُرَجَّب

كنت قد غادرت كوخي، وحيدا الاّ من زق الخمرة، وكلما مررت على شجيرة او حائط او كوز ماء او كانون نار، كان يقول لي : "السلام عليك يا شمس ميسان" ، والناس خلفي وبين يدي، وعن يميني وعن شمالي عزين . 
كان ذلك في اليوم السابع من شهر رجب المُرَجَّب، حيث رأيت المشهد الذي اختصني به حبيبي، في رؤية صاحبي ايلياء يعرج الى السموات، منطلقا من صليب الخشب الذي جرى بناؤه على عجل في تلك الليلة التي سميت "ليلة الشيصباني" . لكن ماجعلني اشعر بحلاوة السُّكْر، ليس الخمرة التي في الزق، وانما رؤيتي لشريكي غاوتاما غوبند يقف بجواري، وهو يقول لي : "يا شمس ميسان والدين، اني ابايعك أُمَّةً على كل الأُمم" .
ـ مدّ يدك يا شمس الوجود .
صافحني شمس الوجود بكفه اليمنى، فرأيت وجهي في وجهه، وكفي اليمنى في كفه اليمنى، وجسدي كله في جسده كله . صرنا واحدا في واحد .
قال شريكي :
ـ" انت الجزيء الذي لا يتجزأ" .
ـ وانت ؟
ـ انت .

ثم رأيتني اخاطب الناس : 

" ايها الناس ... 
لا سُكْري يَضيقُ بِيْ .
ولا ضَجري،
يختارُ هجراني .
لا نُوري،
لا دَلالي، .. يفارقني .
وأكواني ،
لا تَسْطيعُ نِسياني .
وحَدْي،
حيثُ لا أحدَ سواي ،
في كلِّ أزماني ،
أُهاجعُ مَللي ،
لينساني.

فتعالَ إليَّ، يا خَمْرتي ومائي
نذوبُ
في الكأْسِ

كأْسِي الأرضُ ،.
وها أنا، حيثُ لا أَحَدَ
قبلي، أو بعدي،
وردة فوق عرشي
يا عَرْشي ومائي
أحْلُمُ بِي ،
كما يحلم 
الخمرَ بالماءِ .."

... ، ثم رايتني ارى إِيّاي في إِيّاي، والناس بين مفزوع وساخر وحائر ومصدق، وأنا لا ازال اكلم الناس بنواياهم، ويكلمني الرُّضَّعُ وهم في مهودهم، او عند صدور امهاتهم، فكان ذلك يزيد الناس خوفا وهلعا وحيرة وتصديقا .
وما زاد في هذه الحالة المربكة، ان سباعا لا قبل للناس بها، اخذت تظهر في الساحة، وطيورا من غير اجنحة حطت عند مركزها، ومطايا من حديد وخشب توقفت هناك، وكائنات على اشكال ثيران وجواميس وأسود وسباع بأجنحة، وزواحف ودواب بارجل كثيرة، اندفعت نحو الساحة من داخل الارض او هبطت من اعالي السموات، واخذت تتقدم نحوي، تتشمم قدميَّ، او تطلب بألسنة لا قبل للناس بها، تسألني رشفات من خمرتي .

سمعت بازا تتحدث الى ابناء عشيرتها : 
ـ" من هذا المتكبر علينا . أَيْ وسري، لسوف أمتحنه في أمر نفسه . 
فقلت مخاطبا تلك الباز :
ـ " إسمع يا ابا الأشعث .. يصفك الآدميون بأنك "من أشد الطيور تكبراً، وأضيقها خلقاً، وانت البازي، والباشق والشاهين، والبيدق، والحدأة، والصقر . حارة المزاج، لا تصبرين على عطش " .
بهتت الباز، وخاطبتني : 
ـ" وما ادراك في شاني هذا، المصموت عنه ابدا لغيري ؟ " .
ـ وهل احدثك في شان احد احفادك، مع تلك البالة البحرية ؟
خَرَّت الباز ساجدة عند قدمي ،، بينما تجمعت امم المخلوقات الطائرة والدابة والمركوبة، الناطقة والخرساء، لأنها استمعت الى كلماتي بلغة كل امة من اممها، حتى حدث هرج ومرج، وذهول وبكاء وعواء، فاقبل هفوف بن تولون، محاطاً بابناء قبيلته، الأحياء منهم والأموات، متبخترا في مشيته، مزهوا باسلحته، لكأن الارض تميل الى الشمال ساعة يضربها بقدمه اليسري، او تتجه الى اليمين عندما يتجه يمبنا .

ناديته " يا هفوف .. جئت تباهلني" .
ـ نعم، يا طه .
قلت : " انظر الى جبل السَّرُوط خلفك " .
صار الجبل عهناً منفوشا، عندما تجليت لنوري . فخرّ ساجدا صاغرا ، قلت: " وعزتي وجلالي، وإرتفاعي في مكاني، لأجعلنك عبرة لغيرك، ولسوف ترى من مخلوقي الذي يشبهني فيوحدني، فأزكيه ليكون كما انا . ثم تراك مهزوما مدحوراً، وانت تطلب مناظرته" .
هرب هفوف، فأرسلت اليه كلماتي : 
ـ " انك حيّ حتى يحين اليوم الموعود، حين يقتلك احد تجلياتي، فيعم السلام ارضوني وسماواتي، بعد ان يملأهما احفادك ظلما وجورا" . 



 
الاسم البريد الاكتروني