ثلاثية هوية الروح

السبت : 15 / 11 / 2008


ثلاثية هوية الروح


1 ــ ايسن ..... شاعرا


" الفنان الذي يستطيع ان يمدّ حبل الحبّ ،

بينه وبين قارئه ، فنان عظيم "

( صلاح عبدالصبور )


هل قرأنا، نحن المثقفين العرب، المسرحي والشاعر هنريك أبسن، على غرار ما قرأ جوته الشاعر والمسرحي شكسبير؟

قرأ جوته أعمال شكسبير، بعد موت الأخير بعشرات السنين، ثم أقام حفلاً، خاطب فيه أصدقاءه المدعوين، قائلاً في شكسبير: "إن أول صفحة قرأتها له جعلتني له عبداً ما حييت، وعندما أتممت المسرحية الأولى من مسرحياته، كنت مثل أعمى مسّتهُ يدٌ سحرية، فأضاءت في لحظة عينيه. فعلمت وأحسست أكثر من ذي قبل أن وجودي قد امتدت جوانبه إلى ما لا نهاية، وسبحت في جوهر خالد، وكأني لم أشعر بأن لي يدين ورجلين".

وهتف جوته في ختام كلمته: "أي شكسبير.. صديقي !! ، لو كنت لا تزال بيننا، ما تمنيت العيش إلا معك".

وأحسب أن الشاعر محمود درويش، حين كان يقرأ وبطريقته الخاصة في الإلقاء والإنشاد والقراءة قصيدة هنريك أبسن: "تيري فيجن"، كان يخاطب أبسن، بالطريقة ذاتها التي خاطب فيها جوته شكسبير.

لأن محمود درويش، كما أتصور، كان يقرأ قصيدته المعروفة، في وقت مبكر من عمره في الزمن، وعمره في الشعر، "جندي يحلم بالزنابق البيضاء".

وسيأتي حديث مفصل في هذا الشأن.

ولكن جوهر البحث، وجوهرته المستعادة أيضاً، في هذه العجالة اليوم، هو الشاعر هنريك أبسن الذي عرفه جمهورنا في أغلبيته بأنه مسرحي، بل وكاتب "بيت الدمية" و"الأشباح" و"أعمدة المجتمع" و"الادعياء" و"عدو الشعب" و"البطة البرية" وغيرها.

أما قصيدته: "تيري فيجن" فكنا نتداولها، أو نعرف بقسم منها، كما لو أنها معلومة على هامش مسرحية "هيدا جابلر" على سبيل المثال. وقد تعرف جيلنا إلى أغلب مسرحيات أبسن، وهذا يعود إلى مصر حقاً.

حسناً، قصيدة "تيري فيجن" الآن بين أيدينا، وسمع بها بعضنا، وسمعها بعض آخر بصوت محمود درويش، هذه المرة، وفي فيلم "هوية الروح" فإذا بنا أمام شاعر إنساني النزعة، وأن اتهمه بعض المثقفين العرب بالغرور والتعالي.

نعم، إن "أبسن هو أبو المسرح الحديث" المسرح الأوروبي قطعاً، لكنه في "تيري فيجن"، أحد أعمدة "ثقافة التسامح والغفران"،

ولا يسامح، أو يغفر، إلا الأبطال حقاً.

ان أبسن الذي رحل عن هذه الدنيا في سنة ،1906 يُنشد في "تيري فيجن" حكاية رجل دمرت الحروب حياته وأسرته، وفي لحظة ما، لحظة التعالي والإنسانية، يعفو عن قاتل أسرته.

وهذا هو الشعر حقاً.

وهذا هو ما فعله درويش وأبسن في "هوية الروح".

وما لا يفعله أبداً قادة "إسرائيل"، أمس، واليوم.. وغداً.

 




 
الاسم البريد الاكتروني