محمود درويش وزنابقه البيض

الاحد : 16 / 11 / 2008

2 ــ محمود درويش وزنابقه البيض

 

 

"الغضبُ يزيدني قوة"

(إبسن)


عندما يكون الغضب نبيلاً، فإنه يشير إلى الإبداع. الإبداع في الفن، والإبداع في الحياة عموماً، لأنه غضب على الحقد والكراهية والأنانية والاستئصال واحتقار الآخر، ومصادرة أرضه، وتشويه ثقافته.

هكذا، يفهم غضب هنريك إبسن، في قصيدته: تيري فيجن، وهكذا هي قصيدة محمود درويش، جندي يحلم بالزنابق البيضاء، حيث يتكون متن وهامش، فيلم: هوية الروح.

نحن في سنة ،1861 وأمام رجل نرويجي، افتراضي أو حقيقي، أراد به إبسن، أن يكون غاضباً، ونبيلاً في غضبه، على الحروب التي دمرت أسرته، فيجد ذلك الضابط الذي كان السبب في تدمير حياته. وكان الثأر والانتقام من جانب، والتسامح من جانب آخر، يتصارعان في ضميره.

وفي النهاية يحسم تيري فيجن أمره، ويختار التسامح والغفران. وهكذا وضع إبسن، حداً لجدل ثقافي - اجتماعي، من خلال الجمال: الشعر.

وعلى المنوال ذاته، نسج محمود درويش.

كتب درويش قصيدته: جندي يحلم بالزنابق البيضاء، بعد حرب 1967 بين العرب و"اسرائيل"، وهو لما يزل في فلسطين، وفي الوسط العربي الذي كان يشخص العدوانية "الاسرائيلية" على أسس معرفية دقيقة، وبناء على موقف اخلاقي ورصين، وليس من خلال مكونات "الثقافة الصوتية العربية".

كان محمود درويش، في حينها، في السادسة والعشرين من عمره، يرى تقتيل الفلسطينيين والعرب، داخل فلسطين وخارجها، بصورة "جندي إسرائيلي"، هو كناية عن "اسبارطة الامبريالية" في القرن العشرين: دولة من أجل جيش، وشعب من أجل جيش، هذه هي "فلسفة القوة" في الكيان "الاسرائيلي".

وهذه فلسفة ساقطة، حتماً.

وهكذا كتب محمود درويش تلك القصيدة، النبوءة، التي تتحدث عن جندي "اسرائيلي" يحلم بحديقة من زنابق بيضاء، وبأمه، وبقهوتها، لكنه في واقع الأمر آلة في جيش قاتل.

يختار هذا الجندي "الاسرائيلي" من خلال الشعر، فكرة الانشقاق على الحرب، والانحياز للسلام، وتطليق أفكار التعالي والقسوة والقوة العمياء، واختيار الزنابق البيضاء.

إن آلاف الجنود "الاسرائيليين" يحلمون بزنابق بيض، وهو ما أكدته حركة الانشقاقات المعروفة في "المجتمع الاستيطاني" في فلسطين المحتلة.

وهذا ما لا ترضاه "اسرائيل" الحالية، ولا تريده قيادتها المتعجرفة، ولذلك فإن فيلم: هوية الروح، لن يعرض في مجتمع متعصب، فاشي، لا يؤمن بثقافة السلام والتسامح والاعتراف بحق الانسان في الحرية والعدالة والمساواة.


جمعة اللامي

www.juma-allami.com

 




 
الاسم البريد الاكتروني