ماكيبا

الخميس ,20/11/2008


 " كانت السيدة الأولى للغناء في جنوب إفريقيا،

وتستحق لقب: أم إفريقيا، كانت أم معركتنا،

وأم شعبنا الفتي "

(مانديلا)


في عقد ستينات القرن الماضي، كان جيلنا يعرف ميريام ماكيبا، ويعترف لها بفضل كبير، لأنها كانت الى جانب أصوات غاضبة أخرى تعبيراً عن رفضنا للبؤس وعنف السلطة والثقافة الناقصة.

كان سام نجوما، لا يزال مجهولاً في أوساطنا العربية، رغم أنه حصة يومية في أخبار العالم في تلك الأيام، وحتى في عقد السبعينات. وحين ذهبت إليه وهو كان نزيل فندق السفير عند ضفة دجلة اليسرى ببغداد حاملاً معي لهفة نداء ماكيبا: إفريقيا، سألته: كيف ترون ماكيبا؟

رفيقتنا وصوتنا.

هكذا كان جواب نجوما. وهكذا هو جواب كل من عرف هذه المرأة التي كان الفن في حياتها، كما هي حياتها في الفن: أي تابو، أي طريق برصيف واحد، أي فكر يهين المرأة، أي حركة لا تعترف بتحرير الروح والجسد قبل تحرير التراب، شكل من أشكال الفصل العنصري.

في هذه الثقافة ذات الأبعاد الإنسانية غير المؤطرة بأيديولوجيا ناقصة، وجدت ميريام ماكيبا، التي كان اسمها زنيزي، أي: لا تلومي إلا نفسك، بلغة الزولو، نفسها وهي في العشرين من عمرها، في بحر النضال من أجل الحرية والكرامة، حرية القلب والضمير والعقل، وكرامة الجسد والاختيارات الحرة المسؤولة.

من أجل ذلك، ووفاءً لهذه الاختيارات والأشواق الإنسانية، بقيت في المنفى، بعيداً عن السماء الأولى، ومقصية عن إفريقيا، قرابة 31 سنة، ليس معها إلا كتابها المقدس: أغنياتها، التي أعطتها شعوراً بالأمل، على حد تعبير مانديلا.

في مسيرتها المحملة بالآلام والآمال، أنتجت 31 اسطوانة. هذه هي ماكيبا، التي طردت من أمريكا أيضاً، لأنها كانت الى جانب ستركلي كارامايكل، قائد "القوة السوداء" التي عنت الكثير للأجيال التي احتضنت فكرة الحرية، في إطار الوطن العربي أيضاً.

بعد أمريكا لجأت الى بريطانيا، لتكون بتلك الانفعالات التي لا تليق إلا بمنشدي الحرية أغنيتها: بتا.. بتا، التي كتبت كلماتها هي شخصياً، نشيداً أممياً جديداً، لكل الذين يعلنون الحرب على الخوف والعنصرية والفقر والجريمة والسجون... بالكلمات.

سيدة نادرة، هزمت العالم القديم، بالكلمات، كأنها قصيدة الفرنسي هينري ميشو، أو مثل ذلك الشاعر العربي الذي رثى نفسه وهو حيّ.

قبل أن يسقط نظام الفصل العنصري بأربع سنوات، عادت ماكيبا الى جنوب إفريقيا، استجابة لنداء مانديلا. وهي غادرت العالم، في حفل إيطالي، بينما يتردد صوتها في كل مكان عطشان للحرية: عودي إلينا يا إفريقيا.

 


جمعة اللامي

www.juma-allami.com

 




 
الاسم البريد الاكتروني