بين يدي غانم غباش

الجمعة ,21/11/2008

".. بل العقل، إذا رنوت إليه، وهو في بقاع القدس، ومغنى الإله،
أيقنت أنه صورة سرمدية للمبدأ الأول، يكاد يكون بها كأنه هو"
(النوشجاني)
نشر الصديق، المغدور المغيب، عزيز السيد جاسم، كراساً سماه: الثوري اللاثوري، في أوائل سبعينات القرن الماضي، أحدث هزة عنيفة في المجتمع العراقي آنئذ، وخصوصاً في الطبقة الثقافية منه، لأن المعني كان القشرة الثقافية في تلك الطبقة.
الثوري اللاثوري، في بعض صفاته، هو الذي ينسى ماضيه القريب، حين تتاح أمامه فرصة الصعود إلى منصب ما، نتيجة لصعود حزب أو طائفة أو شريحة في سلم السلطة والمجتمع، فيقوم باستبدال أصدقائه، ومقهاه، وزوجته، وربما اسمه ولقبه.
وهذا حدث في العراق، خصوصاً في الفترات التي أعقبت تلك الانقلابات الرأسية العنيفة، بعد سنة 1958.
وجرياً على مصطلح: الثوري اللاثوري، نسج عزيز السيد جاسم، مصطلح المفكر اللامفكر، والمثقف اللامثقف، والإعلامي اللاإعلامي، والتربوي اللاتربوي، والإداري اللاإداري، والخبير اللاخبير، والمستشار اللامستشار، وهلمجرا.
وقبل ثمان وعشرين سنة بالتمام والكمال، كان نقاش ثنائي يدور بين الراحل غانم غباش، وبين كاتب هذه السطور، حول بعض الأسماء التي تطلع على بعض اجتراحات غانم في كلماته في "البلوطي"، فتأخذها كما هي، أو تحور فيها قليلاً، ثم تنسبها إليها.
الأسماء تلك، وهي قليلة جداً، معروفة. فأنت ما إن تحاور أحدها في شأن يدعيه لنفسه، وهو مأخوذ من "البلوطي"، تراه لا يفرق بين "البلوطي" و"البلاطي" وبين "بلوط" "و" و"بلاطيموس".
وذات يوم قلت لغانم: ماذا تقول في هذا الشأن؟
قال: "الماء يكذب الغطاس".
وهذا هو عين العقل، لأنك لو حدثت عاقلاً في شأن أحدهم يدعي أنه عقلاني، ومعتدل، وسألته: "ماذا تقول في قول "العامري" في العقل: "العقل خليفة الله في هذا العالم"؟، ثم أتبعت هذا السؤال بسؤال آخر كقولك: وماذا تقول في جهات العقل الثلاث: الجهة التي إلى البارئ، والأخرى التي إلى المعقولات، والجهة الأخيرة التي إلى ذاته؟
أقول: تصور هذا المثقف اللامثقف، أو الإعلامي اللاإعلامي، كيف يضع نفسه في مأزق المآزق، أو في تنور اللاعقل، حين لا يعرف البارئ، ولا تلك المعقولات بكونها موضوعات، ولا ذات العقل لكونها أشرف من الحس وأرفع.
وشتان ما بين العقل والحس، كما يقول "التوحيدي".
في غير مساحة ثقافية، وفي غير نشاط ثقافي، يوجد الزبد الذي يذهب جفاء، بينما يبقى ما ينفع الناس. والأنفع والأشرف في أي عمل ثقافي واجتماعي وإعلامي وتربوي، أن يعرف العارف مقدار جهله، ليعفّ، ويعفو.
والصمت بحر لجب.

جمعة اللامي
www.juma-allami.co

 




 
الاسم البريد الاكتروني