العراقي المنقسم بين العلم والأدب

محمد عارف*
تَجَنّبتُ دائماً الكتابة عن عالِم البيولوجيا الطبية والكاتب المسرحي العراقي حسن عبدالرزاق، لئلا اتَّهَمَ بالتحيز لأني خاله، وأنا مُتحيِّز فعلاً، لكن ضده وليس معه. وأيُّ عراقي يسامح ابن أخته على التحول من باحث في «كلية الطب» في «جامعة هارفرد» إلى ما يقول عنه العرب «أدركته مهنة الأدب»؟ أنا أعتبر ذلك من عواقب غزو العراق عام 2003، الذي أعاد حسن إلى كنف العائلة بلندن، ومحاولة المستحيل في الجمع بين عمله كباحث في «إمبريال كوليج» وكتابة المسرحيات، وفي عام 2007 حققت أول مسرحية له، عنوانها «عرس بغداد»، عرضها مسرح «سوهو» غرب لندن، نجاحاً أدهش الجمهور البريطاني. «مسرحية مدهشة تخبرنا كيف تتشكل حيوات الناس بالأزمات السياسية»، قالت «الغارديان»، ودعت «إيفننغ ستاندرد» رئيس وزراء بريطانيا ووزراءه «أن يأخذوا درساً توعوياً مختصراً في السياسة بالذهاب لمشاهدة المسرحية»، وتقاطعت هذه التقييمات مع مشاعر عبّرتُ عنها لمُشاهِدة أميركية صادف جلوسها جنبي في المسرح، وتلهفت لمعرفة رأيي عندما علمت أني خاله. قلتُ: «تمنيتُ لو أنه حقق في اختصاصه بعلم الخلايا الجذعية اختراقاً يستحق هذا الذكر في الصحف العالمية بدل المسرحية المثيرة للجدل».
وتروي مسرحية «عرس بغدادي» قصة ثلاثة عراقيين يدرسون في «إمبريال كوليج» في لندن تربطهم علاقة عاطفية ملتبسة. مروان الذي يدرس «الهندسة المدنية» نزعته مثلية نحو «سالم» الحاد الطباع الذي يدرس الطب، وكلاهما يحب الفتاة العراقية «لمى» التي تدرس الطب أيضاً. ثلاثة نماذج للطبقة المتوسطة المتنورة يعودون إلى العراق بعد غزوه عام 2003 متفائلين بالعهد الجديد، الذي تحول إلى كارثة لكلٍ منهم. «لمى» الطبيبة المتحررة، التي تهوى الرقص ترتدي الحجاب، وتجري العمليات الجراحية على ضوء المصباح اليدوي لانهيار شبكة الكهرباء. و«سالم» تقصف موكب عرسه في منطقة «الحبانية» طائرة «أباتشي» أميركية، تقتل عروسه، وينجو بأعجوبة ليقع بيد فصيل من مقاتلي المقاومة العراقية، يهاجمهم جنود أميركيون، يأخذونه للتعذيب في «سجن أبو غريب»، وهناك يتحول إعجابه بالغزاة إلى حقد عميق.
وبعد «عرس بغدادي» التي أعيد إنتاجها في أستراليا والهند، يواصل «حسن» العيش والعمل على الحافة المستحيلة للعلم والأدب، فتُعرض له في لندن مسرحية «النبي» التي تناولت أحداث مصر، والعام الماضي عرض مهرجان المسرح العالمي في «الشارقة» مسرحيته «مركب الدهو تحت الشمس» التي أنتجتها مؤسسة الممثل الأميركي «كيفن سبيسي»، ويعرض حالياً «مسرح آركول» في لندن مسرحيته الكوميدية «حب وقنابل وتفاح». قالت عنها «ذي ستيج»، مجلة المسرح البريطاني، إنها «هزلية فوّارة، رباعية مونولوجات، ذات قدرة ممتازة للعثور على النكتة في أسوأ التراجيديات». ولا يتوقف ضحك الجمهور منذ أول عبارة ينطقها البطل «الجنس مشكلة، أليس كذلك؟». هنيهة الضحك السحرية كافتتاحية السمفونية تشدُّ أحداث المسرحية المكونة من أربع حلقات منفصلة، تجري في «رام الله»، و«لندن»، و«برادفورد»، و«نيويورك». الأداء الفذ للمثل الوحيد للمسرحية «عاصف خان»، والمؤثرات الضوئية والصوتية الساحرة تجعل المشاهدين يرون ما يرويه.
ولا تستطيع أن لا تتخيل أحداثا يرويها بالكلام والحركة عن لقاء بطل الحلقة الأولى، وهو ممثل فلسطيني ناشطةً إنجليزية على الجدار، الذي أقامه الاحتلال الإسرائيلي. فجأةً ينهال عليهما شلال الأضوية الكشافة، وتزعق الإنجليزية المذعورة محاولة فك نفسها عنه، فيضع كفه فوق فمها، ويحذرها: «إذا هربنا سيطلقون النار علينا». وعندما تقول: «لا يجرؤون!.. فأنا بريطانية»، يهمس، وهو يهرز: «لن يهمهم حتى لو كنت ابنة ديك تشيني»! ويتعالى ضحك الجنود الإسرائيليين من فوق الجدار: «يفعلونها كالأرانب»! وينفجر جمهور المسرحية بضحكٍ يجعلني أضحك رغم أنفي، وماذا أقول غير المثل العراقي: «ثلثين الولد على الخال»؟
*مستشار في العلوم والتكنولوجيا




 
الاسم البريد الاكتروني