طنجة مدينة تتربع على عرش جمال مدن الشمال المغربي

عالية كريم
 /site/photo/9099
 
عند ملتقى البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي تستكين عروس الشمال المغربي بوداعة وهدوء، انها بوابة افريقيا المشرّعة نحو دول اوربا، وانها جنة قاصديها من شتى بقاع العالم، وقبلتهم، ميزَتُها انها تجمعُ السهل والجبل، مع شواطئ رملية ممتدة، لجمالها أُعتبرت من أجمل شواطئ العالم ... انها مدينة تتربع على عرش جمال مدن الشمال  بالمملكة المغربية دون منازع ...
وانت في احضانها تدفعك اللهفة لتأمل بحرها، قد تفاجئك جبالُ الأندلسِ شامخة، وعلى مراى البصر، او قد تشف خلف نقاب من ضباب خفيف، او ان تكون مستترةٌ خلف نقابِ ضبابٍ كثيف ولا يمكن رؤيتها … لكن وانت تتطلع الى تلك الجبال تبقى المدافعُ الخضراء جالسةٌ وراءك بهدوء، كما كانت قديماً، وكما ستظلُّ الى الأبد، كالبحر، كالأبنية، كالميناء، والرصيف .
 
 /site/photo/9096
 
تتباين مبانيها في طرازها المعماري، فبين الفن المعماري الإسلامي، والفن المعماري الأندلسي، والفن المعماري الكولونيالي، الفرنسي والإسباني . إلا أن هنالك تعايشا وانسجاما يشكل هوية المدينة وجمَالَها .. تعلو الأرض وتهبط وتتداخل الأزقة وتنتصب البوابات الحجرية القديمة وتتجاور البيوت بلون جدرانها الأبيض ونوافذها المطلية بالزرقة والخضرة والتي تحمل سمة البحر والطبيعة ..
اسواقُها أزقةٌ ضيقةٌ ملتوية، تنتشر على جانبيها البازارات، والمحلات التجارية التي تعرض بضاعتها المتنوعة، ما بين المنتجة محليا والمستوردة من جبل طارق وسبتة ودول أوروبية قريبة، كإسبانيا والبرتغال وفرنسا وبلجيكا وهولندا . إضافة إلى وجود المقاهي والمطاعم والفنادق من مختلف المستويات .
 
موقعها جعل منها محطة اتصال وعبور وتبادل حضارات منذ آلاف السنين فميزها مزيج من الثقافات، تكاد تستنشقه في هوائها، وتسمعه في أجوائها وأنت تجوب أزقتَها وشوارعَها، لما جمعته من روح الأصالة والمعاصرة . 
 
عاصرَتْ الشعراء والكتاب وعشاق السينما وممتهني الفن والأدب والأوبرا، من كل الجنسيات، فسموها منطقة دولية .
سُحر بجمالِها العديد من الفنانين العالميين الذين استقروا بها مثل "دولاكروى" و"سان-ساينس" و"بيير لوتي" و"ماتيس" و"فان دونغن" و"تينيسي ويليامس" و"بول موران" و"جان جيني" و"جوزيف كيسيل" و"وليام بوروز" و"بول بولز"، مماكان له أيضا دور في التعريف بها وبالمغرب على الساحة الفنية الدولية . وأعطت للمغرب مفكرين ومبدعين ذوي شهرة عالمية، مثل المفكر عبد الله كنون والموسيقار محمد بن العربي التمسماني وعدد من الروائيين والرسامين .
وبما انها لصيقة بالفن والفنانين، فليس غريباً ان تحيي سنويا ومنذ سنة 2000، مهرجاناً لموسيقى الجاز "طنجاز" الذي يشتمل على عروض موسيقية لفنانين قادمين من مختلف القارات . كما أنها تستضيف مهرجان الفيلم القصير المتوسطي إلى جانب تظاهرات فنية وثقافية متعددة .
 
 /site/photo/9097
 
ولد فيها الرحالة الشهير ابن بطوطة في بداية القرن 14 ومنها انطلق لاكتشاف عدة بقاع من العالم خاصة آسيا وإفريقيا دَوَّنَها في مؤلفه الذائع الصيت "الرحلة".
 
انها مدينة استعصت على  الطامعين في الحقبة الاستعمارية، فإنها لم تخضع للأسبان الذين سيطروا على شمال المغرب، ولا للفرنسيين الذين امتد نفوذهم على معظم الأراضي المغربية، فنالت بحكم مكانتها وموقعها وضعاً خاصاً،  بل تمتعت بنظام "مدينة دولية" عن جدارة واستحقاق، وذلك بين 1923 و 1956، وهو نظام فريد في التاريخ الدولي، تَمَثَلَ في اكتسابها حرية اقتصادية تامة وحياد سياسي وعسكري . وخلال هذه الفترة عاشت المدينة عصرها الذهبي، بحيث كانت محوراً لنشاط سياحي وتجاري وثقافي وسياسي منقطع النظير .
 
 طنجة اسم دونته الاساطير
 
/site/photo/9098
 
تقول بعض الروايات الشعبية أن سيدنا نوح عليه السلام بعد نجاته من الطوفان تاهت سفينتُه، إلى أن وصلت إلى مشارف البوغاز، حيث جاءت حمامة وحطت فوق إحدى أشرعة السفينة، وبمخالبِها شيء من الطين فصاح البعض "الطين ...جا" (TINJAH) أي اليابسة جاءت، بمعنى أنها قريبة، ومن ثمة تحورت الى "طنجة". غير أنه من المرجح أن يكون اسم المدينة مستمدا من الأمازيغية والتي يوجد بها لفظ "طنج" والذي يعني المرَجى .

اساطير جميلة عدة تُداولت عن هذا الاسم، الأسطورة الإغريقية تقول أن ( بوسيدون و غايا ) كان لديهم ولد اسمه ( أنتي ) وكان دائم الاعتداء على المسافرين، حيث كان يقتلهم دائماً ثم يحصل على جماجمهم ليصنع منها معبداً ليهديه إلى أبيه، وقد أطلق ( أنتي ) على المملكة التي كان يحكمها اسم ( طنجنة ) وهو اسم زوجته، إلى أن حصلت معركة حامية الوطيس بينه وبين هرقل، استطاع فيها هرقل أن يتغلب على ( أنتي ) ويتزوج زوجته وأن يشق مضيق البوغاز، الذي يقع ما بين المغرب وأوروبا، ولقد أنجبت ( أنتي ) ابناً من هرقل اسمه ( سوفوكوس ) وهو الذي أنشأ فيما بعد " طنجيس "، والتي أنشأها على أساس أنها مستعمرة من مستعمراته . 

تاريخُها 

 طنجة مدينة ذات تاريخ عريق ممتد وموغل في القدم، فطنجة تاريخياً هي من أقدم المدن المغربية والتي أسسها ملك الأمازيغ ( سوفاكوس ) وعاش فيها التجار الفينيقيين وذلك قبل خمسة قرون من ميلاد المسيح - عليه السلام -، حيث أن هذه المدينة وبوقت سريع جداً أصبحت من أهم المراكز التجارية، وبعد أن سقط الرومان أخذ الواندل السيطرة على هذه المدينة وذلك في القرن الخامس بعد الميلاد، ثم استولى عليها البيزنطيون فالأمويون، حيث دخلت طنجة في عصر جديد. في العام 702 ميلادية، استولى الأمويون على مدينة طنجة حيث استطاعوا بعد ذلك أن يجعلوها مركزاً لدخول الأندلس وفتحها، ثم وقعت كما وقعت باقي مدن المنطقة تحت سيطرة دولة المرابطين ثم دولة الموحدين، حيث أصبحت في وقت الموحدين مركزاً للجيوش . بعد زوال دولة الموحدين، وفي الفترة ما بين 1471 ميلادية وما بين 1684 ميلادية تعرضت طنجة لغزوات الإسبانيين والإنجليز والبرتغاليين، حيث تركت هذه الحملات آثاراها إلى اليوم . بعدها وفي الفترة العلوية تحديداً في فترة المولى إسماعيل ومحمد بن عبدالله مرت مدينة طنجة في أفضل فتراتها وأوقات ازدهارها العمراني والثقافي والعلمي التي مرت بها طنجة في تاريخها . ففي زمن المولى إسماعيل أصبحت طنجة وبحكم موقعها المتميز على البحر الأبيض المتوسط مركزاً هاماً في كافة المجالات سواء السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيره،ا بعد أن فقدت هذه المكانة لفترة من الزمن، ومن هنا وبسبب هذه المكانة المتميزة وفي العام 1830 ميلادية، أصبحت مدينة طنجة العاصمة الدبلوماسية حيث ضمت على أرضها ما يقارب 10 قنصليات بالإضافة إلى انها مدينة دولية يتوافد عليها التجار من كافة الأماكن وكان ذلك بسبب امتيازاتها الضريبية التي كانت تمنحها لهم . وأثناء الحرب العالمية الثانية كانت مطارات طنجة نقطة انطلاق للطائرات التابعة لقوات الحلفاء والتي كانت تهاجم قوات المحور .

/site/photo/9100 
 
تبلغ مساحة أراضي طنجة مئة وأربعة وعشرين كيلومتراً مربعاً . وتقسم المدينة إدارياً إلى أربع مقاطعات، وهي: مقاطعة بني مكادة الواقعة في جهة الجنوب، ومقاطعة طنجة المدينة الواقعة في المركز والشمال والشرق، ومقاطعة الشرف مغوغة الواقعة في جهة الغرب والشمال الغربي، ومقاطعة الشرف السوداني الواقعة في المركز .
 
الموقع
تقع مدينة طنجة جغرافياً على ساحل البحر الأبيض المتوسط، في أقصى شمال غرب المملكة المغربية، بمنطقة الالتقاء بين المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط، وتقوم المدينة على هضبة مرشان التي تحاذي الساحل الأطلسي وساحل البحر المتوسط، وترتفع عن سطح البحر مئة وخمسة وأربعين كيلومتر .
 
المناخ
تتسم مدينة طنجة بمناخ البحر الأبيض المتوسط، حيث يكون في فصل الشتاء معتدلَ البرودة، وتكون درجة الحرارة في فصل الصيف معتدلة، وتتصف المدينة بهبوب رياح دائمة طوال العام، وذلك بسبب وقوعها على مضيق جبل طارق، الذي تلتقي فيه الكتل الهوائية القادمة من البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي .
 
السكان
 
تعد مدينة طنجة أكبر سادس مدينة في المغرب من حيث عدد السكان، يبلغ عدد سكانها 1.065.601 مليون نسمة، وذلك حسب إحصائيات عام 2014م، وتحتوي المدينة على مزيج سكاني مكون من: الأمازيغ، أي البربر ويُعتبرون السكان الأصليين للمغرب. الأندلسيون، الذين هاجروا إلى طنجة قبل احتلال غرناطة وبعد احتلالها، العرب الذين هاجروا من القبائل الجبلية المجاورة، اليهود الذين هاجروا من الأندلس بعد سقوطها، الجزائريون الذين هربوا من حكم سلطات الاحتلال الفرنسي، الكناوة، وهم الأسرى الذين حصلوا عليهم من عمليات القرصنة واستخدموهم كعبيد، وبعد تحريرهم من العبودية أطلق عليهم اسم كناوة، وذلك لتعبر عن أصولهم إلى خليج غينيا، السوريون وهم من بعض الأسر التي هاجرت إلى طنجة بعد حرب الجولان التي قامت بين القوات السورية وقوات الاحتلال الصهيوني الإسرائيلي، الأوروبيون الذين استقروا في طنجة بهدف الاستثمار، وأغلبهم من الجنسية الإسبانية، التركية، الفرنسية، والإنجليز.

 اهم معالم المدينة
 
/site/photo/9102 
 
الجامع الكبير: 
 يتواجد الجامع الكبير على مقربة من سوق الداخل . الذي تم تحويله إلى كنيسة خلال فترة الاستعمار البرتغالي، وعرف عدة أعمال ترميم وتوسيع بعد استرجاعه في سنة 1684م  خلال الفترة العلوية . تتميز هذه المعلمة ببهائها وغنى زخارفها، حيث استعملت فيها كل فنون الزخرفة من فسيفساء وزليج وصباغة ونقش ونحت وكتابة على الخشب والجبس، يحتوي الجامع الكبير على بيت للصلاة مكون من ثلاثة أروقة متوازية مع حائط القبلة وصحن محاط من كل جانب برواقين. وبذالك فهو يعتبر نموذجا للمساجد العلوية المعروفة ببساطة هندستها .
 
قصبة غيلان : 
التي تقع على الضفة اليمنى لوادي الحلق، على الطريق المؤدية إلى مالاباطا شرق المدينة العتيقة، تم بناؤها حوالي 1664 م، ويرتبط اسمها باسم الخدير غيلان قائد حركة الجهاد الإسلامي ضد الاستعمار الإنجليزي الذي احتل مدينة طنجة ما بين 1662م و 1684 م . تحتوي القلعة على جهاز دفاعي محكم، عبارة عن سورين رباعيا الأضلاع محصنين ببرجين نصف دائريين وبارزين، تتوسطهما باب عمرانية ضخمة .

قصر القصبة أو دار المخزن : 
 
 تحتل هذه البناية موقعا استراتيجيا في الجهة الشرقية من القصبة، من المرجح جدا أنه استعمل خلال فترات أخرى من التاريخ القديم، بنيَ قصر القصبة أو قصر السلطان مولاي إسماعيل من طرف الباشا علي أحمد الريفي، على أنقاض القلعة الإنجليزية « uper castel ». وهو يحتوي على مجموعة من المرافق الأساسية : الدار الكبيرة، بيت المال، الجامع، المشور، السجون، دار الماعز والرياض. في سنة 1938م تحولت البناية إلى متحف إثنوغرافي وأركيولوجي لطنجة ومنطقتها . 

جامع القصبة : 
مسجد القصبة بُني إبان حكم يعقوب المنصور الموحدي ما بين 1185 و 1190 م،
تَمَّ ترميمه على يد السلطان السعدي مولاي عبدالله (1557-1574م)،
ثم أُعيد ترميمه على يد السلطان العلوي سيدي محمد ين عبدالله .
 
جامع الجديدة : 
 
يعرف كذلك باسم جامع عيساوة وأحيانا بمسجد النخيل، يقع أمام الزاوية العيساوية على زنقة الشرفاء، ويتميز المسجد بمنارته ذات الزخارف الفسيفسائية.

/site/photo/9103

أسوار المدينة العتيقة : 
 
تمتد على طول 2200م، مسيِّجة بذلك الأحياء الخمسة للمدينة العتيقة: القصبة، دار البارود، جنان قبطان، واد أهردان، وبني إيدر.
بنيت أسوار المدينة على عدة مراحل، والتي من المحتمل جدا أنها بنيت فوق أسوار المدينة الرومانية "تينجيس". تؤرخ الأسوار الحالية بالفترة البرتغالية ( 1471-1661م )، إلا أنها عرفت عدة أشغال للترميم وإعادة البناء والتحصين خلال الفترة الإنجليزية ( 1661-1684 )، ثم فترة السلاطين العلويين الذين أضافوا عدة تحصينات في القرن 18م، حيث دعموا الأسوار بمجموعة من الأبراج : برج النعام - برج عامر، برج دار الدباغ،  وبرج السلام، كما فتحوا بها 13 بابا منها : باب القصبة، باب مرشان، باب حاحا، باب البحر، باب العسة، باب الراحة، وباب المرسى .

سور المعجازين: 
إن أطرف وأغرب مكان في مدينة طنجة ، هو سور ( المعكازين ) أي ( الكسالى )، الذي يتجمع فيه السكان والزوار، أو يجلسون متناثرين في ساحته للدردشة، أو للتطلع إلى الضفة الأخرى، وراء البحر، حيث تتراءى اسبانيا من بعيد، إذا كان الجو صحوا، تضم منظارين بلون أزرق ومدفع قديم ما زال ماثلا للعيان، شاهدا على مرحلة تاريخية، كان له فيها دور الدفاع عن المدينة أيام الحروب .


مسرح سيرفنتيس:
تأسس مع نهاية القرن التاسع عشر، وشكل خلال إحدى الحقب الزمنية أحد أهم المعالم الثقافية في إفريقيا والعالم أجمع، تشترك في زخرفة معالم اللمسة المغربية الخالصة والنسيم الأندلسي القادم من بلاد الفلامينغو .










.




 
الاسم البريد الاكتروني