المنشاريعزف أحياناً

من حسين حمدان العسّـاف

 مسرح/site/photo/1239 ية المنشار يعزف أحياناً تأليف الدكتورفيصل الراشد وإخراجه

المخرج في سطور:

فيصل الراشد ولد في مدينة الحسكة. ودرس فن المسرح ببراغ في تشيكوسلوفاكيا، أرسلته جامعة براغ إلى باريس لدراسة المسرح الفرنسي والمقارنة بين المسرح الرأسمالي والمسرح الاشتراكي. يكتب نصوصاً مسرحية، ومثل له عند دراسته في التشيك نصان مسرحيان من تأليفه(المخرج والطباخ)في التشيك و(المسبح تحت ساعة أورلوي) في بولونيا، وفازت مسرحيته(المنشار يعزف أحياناً) موضوع حديثنا الآن، كما أفادني مؤلفها بجائزة تيمورللإبداع المسرحي في القاهرة. ونال في أكاديمية المسرح لدراسةالدراما بالتشيك شهادة الدكتوراة، يعمل في مديرية المسارح بدمشق، وهو مخرج نشط متألق في الوسط المسرحي، أخرج كثيراً من المسرحيات الهادفة الناجحة، وانتدبته وزارة الثقافة بدمشق هذه الأيام لتأسيس المسرح القومي بالحسكة، وقد أثمرسعيه في طورالتأسيس عن تجسيد عرض مسرحيته المنشاريعزف أحياناً.


عرض المسرحية:

غصت صالة المركزالثقافي في الحسكة بالحضور يومي الثلاثاءءوالأربعاء18ـ 19تشرين الثاني 2008، بدأ عرض المسرحية الساعة الثامنة والربع مساءً، واستغرق العرض ساعة وربع الساعة. بدأ العرض بظهورأصابع كف إنسان تصعد رويداً فوق برج عال منصوب على خشبة المسرح، ثم ظهرحارس معتقل(غوانتنامو) ليطلق الرصاص على معتقل أراد الهرب من قاع المعتقل ، ويقتله، فتهرع لجنة حقوق الإنسان لنقل جثته، وسرعان ماتختفي لدى ظهورالحارس من أعلى البرج، ثم يلقي حارس المعتقل وزيراً من أعلى البرج إلى قاع المعتقل بعد ممانعة يائسة من الوزير ، فيلقى أمامه معتقلاً آخرهو الشاعـر، ويمثل هذان المعتقلان نموذجين لشخصيتين متناقضتين في القيم والسلوك: شخصية الوزيرالانتهازي الذي خان بلده، وقدمه لعدوه المحتل علي طبق من ذهب ، ودخل بلده على متن الدبابة الأمريكية بعد أن كان منفياً عنه ، وتولى وزارةالتخطيط، ثم عزل عن الوزارة، وارتمى بأحضان عدوبلده، أمريكا مصدرة الديمقراطية الكاذبة لشعوب العالم، ولما استهلكته، لفظته، فألقته بمعتقل غوانتانامو، وشخصية الشاعرالتي تدعـو أشعاره جماهيرشعبه إلى مقاومة الاحتلال، وتنادي بحرية الإنسان وحرية الوطن،. ويحاول الشاعرأن يؤثربتعاليمه على سلوك الوزيرومواقفه ليرده إلى جادة الصواب، ويدفعه للالتحاق بشعبه الذي انفصل عنه والدفاع عن حريته، لكن الوزيريرفض تعاليمه، ويتصاعدالصراع بينهما، وبتذكرالشاعرشخصية جلجامش وأنكيدو، وهو في المعتقل، ويحض الوزيرعلى الهرب، والوزير يرفض، ثم يكررحضه عليه، ويفكرفي وسيلة تنشلهما من قاع المعتقل إلى أعلى، ولم يكن لدى الشاعرمن أداة غيرالمنشار، ثم أعلم الوزيرعن مكانه، واهتدى إلى حبل يمكنهما من الصعود، هومن خرق أثوابهما البالية، ولم يبق لهما لإتمام الصعود فالهرب إلا عارضة خشبية، ثم يمثلان في المعتقل دورالإله زيوس، يقوم به الشاعر، والشيطان يؤديه الوزير، يعترف الإله بخطأ رفضه قبول توبة الشيطان، وأمام هذا الاعتراف يطلب منه الشيطان أن يلحس ساقه، وتذكره الساق العارضة الخشبية التي يحتاجان إليها للهرب، والوزيريضمر للشاعرالانتقام ، ويستغل نوم الشاعر، فيتسلل خفيةإلى مكان المنشار، ويأخذه، ويغوص به في جنب الشاعر، فيصرخ متألماً في لحظاته الأخيرة: قتلتني ياكلب، ثم يوصي في النهاية أن يزرع رأسه تحت ألف ألف قمر. وينشرالوزير ساق الشاعرليجعل منها عارضة خشبية تمكنه من الهرب، وهو يقول: سامحني ياصديقي الشاعـر، ولكنه مالبث أن دفع حياته ثمناً لخيانة وطنه وغدر صاحبه الذي أرادله الخيروالنجاة، فعندما صعد إلى الباب كان الحارس في انتظاره، فقتله برصاص بندقيته .

تتلخص فكرة المسرحية في العبارة التي قالتها لجنة حقوق الإنسان، وهي تسحب جثة الشاعر: (إنّ قصائد الشاعرالتحررية ترجمت بعد موته إلى لغات العالم كافة، هكذا يموت الإنسان، وتبقى أعماله خالدة) .

 تألق في المسرحية ممثلان قاما بدورين رئيسين فيها، اندمج كل منهما بدوره اندماجاً شدّ أنظارالجمهورإليه رغم انفعالهما لحظات في بداية العرض الأول، لكنهما انطلقا بعد ذلك مباشرة، فأديا دوريهما خيرأداء: كلاهما ممثل مسرحي وتلفزيوني منذعـدة سنوات: دحام السطام في دورالشاعـر الوطني وعـبدالعزيزأملح في دورالوزيرالخائن، كما قام الممثل المسرحي باسل حريب بدورالحارس، أما الأدوارالأخرى فثانوية مثل دور الهارب، جورج دوشي ، ولجنة حقوق الإنسان :صدام المسلط وجورية الجاسم وفيصل حميد وسوزان صبحي وعنترحميد. وكانت وسائل المسرحية وأدواتها المادية فقيرة، تتفق مع توجه المخرج إلى المسرح الفقيرالجوال الذي يعيد المسرح إلى بدائيته في عالم تواكب فيه تقنيات المسرح تطورات العصروالحداثة، فلم تصاحب المــؤثرات السـمعية والبصرية كثيـراً من مشـاهدالمسـرحية، وكان الممثل المسرحي إذا أراد أن يأ كل الخبز أو يشرب الخمرة يرفع يده في الهواء متخيلاً أنه يأكل أويشرب دون أن تتوفرله أدوات الأكل أو الشراب، ولاتخلوبعض جوانب المسرحية من ثغرات لاسيما دورالوزيرالانتهازي المتذبذب غيرالمقنع في بعض المشاهد، ويتساءل المتفرج عن جدوى محاولات الشاعرفي التأثير على الوزيربتعاليمه، ويمنحه ثقته، فيدله على مكان المنشار، وهو يعلم أنه خائن وعميل لعدو بلده، لا يؤمن جانبه، ينقلب عليه في نهاية المسرحية، فيقتله، ومثل هذه الشخصية الانتهازية لايمكن الثقة بها أوالركون إليها، هي شخصية شريرة شيطانية، بل مثلت دورالشيطان ، من جانب آخركيف تثق أمريكا بشيطان متقلب تتخذه صديقاً، ولما تتبين حقيقته تلقيه في المعتقل؟ وأخذت الألفاظ المثيرة للغرائزالجنسية والنابية والسوقية مساحة في التعبيرأكثرمما يجب وبعض الألفاظ الجنسية(الخصوة) تتكرّر تكراراً مملاً، وظهرمشهد يخدش الحياء، كان يمكن أن يعبرعـنه بعبارات تصفه، وتدل عليه دون حاجة لقيام الحارس بفتح سحاب بنطاله أمام جمهورالمتفرجين من الرجال والنساء ليبول حقيقة من أعلى البرج على الوزيرفي قاع المعتقل. أحمدُ للمخرج اعتماده اللغة العربية الفصيحة المبسطة في مسرحيته خلافاً للغة أغـلب المسرحيات المعتمدة على اللهجات العامية غيرأنّ أداء الممثلين لها لم يكن سليماً، فالأخطاء النحوية الفادحة كانت متفشية في لغتهم، وليت المخرج استعان بمدقق لغوي يضبط لغة مسرحيته. على أنّ هذه الملاحظات لاتقلل من نجاح المسرحية خاصة أنها التجربة الأولى لفرقة موهوبة في مدينة الحسكة هي في طورالتأسيس ، أنشأها ورعاها ابن هذه المحافظة المخرج اللامع الدكتورفيصل الراشد.

 

 



 




 
الاسم البريد الاكتروني