الرومانسيّة في مَداها الأقصى

/site/photo/9201

يومَ نقلَ لويس عوض " بروميثيوس طليقاً " لشاعر الرومانسيّة الإنجليزية، بيرسي بيش شَلِي، في عربيةٍ ناصعةٍ، وتعبيرٍ مُبِينٍ، نالت هذه المأثرةُ اهتماماً تستحقّه، لكن جانباً من الاهتمام كان مَعْنِيّاً بالمقدمة أكثر من النصّ المسرحيّ . لويس عوض لم يفصِحْ عن عُمقِه الماركسيّ قدرَ إفصاحه في  المقدمة التي تناول فيها الحركة الرومانسيّة، باعتبارها حركة تغيير ثوريّة، ليس في الأدب والفن وحدهما، بل في تغيير مصائر عالَمِنا . من المؤسف أن ما حقّقه الرومانسيّون في الإبداع والسياسة، في القرن التاســع عشر والقرن العشرين، أجهزَ عليه عُتاةُ الرأسمال والاستعمار، حتى لم يَعُدْ للمنتأى الثوريّ من خافقٍ .
*
بيرسي بيش شَلي (1792-1822) 
غرِقَ مع زميلَيه، في فيراجيو الإيطالية، في تموز ( يوليو )  1822 .
في النهار التالي، عثر تريلوني على البقعة التي دُفِنَ فيها شَلي، في رمل الشاطيء . لم تكن العلامات واضحةً فاستغرقَ الأمرُ ساعةً حتى ارتطم الرفشُ بجمجمة شَلِي .
في الوقتِ نفسِه،  كان بايرون، وهَنْتْ، وصلا . يقول تريلوني في مذكراته إن بايرون طلب من الرجل أن يحتفظ بجمجمة شَلِي له ( أي للّورد بايرون )،  لكنه يعرف أن بايرون كان استعملَ جمجمةً، كأسَ شرابٍ، فأبى أن تهانَ جمجمة شَلِي على هذا النحو .
ويقول تريلوني إن جمجمة شَلِي تكسّرتْ بعد أن حُرِّكَتْ من موضعِها في الرمل، وقد دُهِشَ الرجل من رِقّة الجمجمة وهشاشتِها وصِغَر حجمِها .
أشعِلَتْ نارٌ، تحت الجثّة . وبدأ سكْبُ الزيت والخمر والبخور على الكُدْسِ .
يقول تريلوني : حين ألقيتُ البخورَ، ردّدتُ تهليلةً -  أُعِيدُ إلى الطبيعةِ، بالنارِ، العناصرَ التي تكَوّنَ منها هذا الإنسانُ، التراب والهواء والماء، كل شيء تغيّرَ، لكنه لم يَفْنَ، إنه الآنَ بِضعةٌ ممّا كان يَعبدُ  .
*
بروميثيوس طليقاً
الفصل الثالث - المشهد الثالث
" ترجمة سعدي يوسف "

- قوقاسوس، بروميثيوس، هرقل، أيون، الأرض، الأرواح، آسيا وبانثيا، محمولون في مَرْكبةٍ مع " روح الساعة " . هرقل يُطْلِقُ بروميثيوس الذي ينزل .
هرقل : أيها الأمجدُ بين الأرواح، هكذا فعلت القوّةُ للحكمة والشجاعة والحُبِّ المعذَّبِ طويلاً، وأنت الهيأةُ المجسِّدةُ . السيّدُ كالعبدِ .
بروميثيوس : كلماتك اللطيفةُ
أعذبُ من الحريّةِ المنتظَرةِ طويلاً
والغائبةِ طويلاً .
وأنتِ يا آسيا
أنتِ نورُ الحياةِ، والجمالُ الذي ليس له مثيلٌ .
وأنتُنّ يا عرائسَ الماءِ
اللائي جعلْنَ سنواتِ العذابِ
عذبةً للذكرى ...
أقولُ : لن نفترقَ ثانيةً .
ثمَتَ كهفٌ معشِبٌ، تحجِبُ أوراقُه وأزهارُه، النهارَ .
كهفٌ أرضُهُ زمرّدٌ مُعْرِقٌ . كهفٌ يتوسّطُهُ نبعٌ دافقٌ هادرٌ .
ومن سقفه المقوّسِ تتدلّى دموعُ الجبلِ المتجمدة 
مثل الثلجِ أو الفضّة أو الماس
والنورُ ينهمرُ منها .
ثمّتَ يُسْمَعُ الهواءُ اللائبُ أبداً
هامساً من شجرة إلى شجرة
مع النحل والطير .
في كل موضع كراسيُّ من الطحلبِ
والجدرانُ الخشنةُ مكسوّةٌ بالعشبِ الطويلِ النضرِ.
مَرْبَعٌ بسيطٌ سيكون لنا . مسْكَنٌ سنجلسُ فيه
نتحدّثُ عن الزمن وتقلُّبِ أحوالِه .
العالَمُ يُزْبِدُ  ويسيلُ 
أمّا نحنُ ، فلن نتغيّرَ
لن نخرسَ ...
وأنتِ يا أيون، ستغنِّين موسيقى البحرِ، حتى أنامَ .
أنتِ تمضين باسمةً، آخذةً معكِ، الدموعَ التي أتتْ بها الموسيقى .
سنُعَلِّقُ أكماماً وزهوراً وقلائدَ على حافة النبعِ
ونَبْرأُ أشكالاً غريبةً من الأشياءِ العاديّةِ .

لندن 27.08.2016





 
الاسم البريد الاكتروني