الجسمي والسعدي والأنصاري: عبقرية البساطة

علي عبد الأمير
/site/photo/9219


ثمة من ينظر الى البساطة، بوصفها تلك المعادلة في تقديم القضايا الكبرى والجوهرية لعموم المتلقين في شكل بسيط ومفهوم لا غموض فيه ولا استعراضات كما يفعل من يرون في البساطة نقلا للتعبير الى عامة الناس عبر ممرات سهلة، لكن شتان ما بين البساطة والسهولة، الأولى تعني الكثير من الجهد والمران والخبرات لتقديم ما هو يبدو صعبا الى عامة الناس، والثانية تعني تجاهل الأشياء فالاستخفاف بها وصولا الى اللامبالاة التي تنتهي الى الفشل. وليس غريبا ان معنى (بسط) يدل على الاتساع لا الاختصار والإيجاز أو السهولة، فالأرض سمِّيت بسيطة لاتّساعها، ومنه سُمِّي الشيء الذي يفرش على الأرض (بِساطًا).

وانطلاقا من هذا فان البساطة هي انجاز الأعمال بطريقة متقنة تبدو للمتلقي وكأنها متداولة بل هو قادر على ان ينجز مثلها، ومن هنا عبقريتها فهي تمنح المتلقي حلاً ممكنا وناجحاً، والتعبير عن الأفكار الكبرى مثل الإنتماء للوطن واعتباره هوية وجود، ليس استثناء، فهو يبدو أمرا معقدا ومركبا مثلما هو في اللحظة العراقية الراهنة، لكن بأمكان مدخل تعبيري بسيط ان يفكك ذلك التعقيد ويحيل الأمر الى جوهره الإنساني الوجداني.

ومنذ يومين أو أكثر نحن حيال مثال متداول على عبقرية البساطة، فإنشودة "كلنا العراق" التي وضع كلماتها الشاعر كاظم السعدي ولحنها وغناها المطرب الإماراتي حسين الجسمي وقدمها مرئية المخرج علاء الأنصاري، تلتقط معنى الوطن الذي يبدو شائعا وعاديا ولا يحتاج كثير جهد لإثباته، وتذهب به الى طريق بسيط، أنيق، صادق يرقى الى مستوى البلاد المصير والمستقبل.


/site/photo/9221
 

ما الذي حصل؟ كيف قدّر لإنشودة غنائية مصورة ان تتحول شهابا خارقا للمسافات والحواجز، وكيف أمكن لكلمات عن بلاد الرافدين ان تطير محلقة، وقبل ذلك كيف لصوت غير عراقي ان يكون الشوق والقلق والمستقبل والشجن الذي ينشغل به أي عراقي حقيقي، وكيف أمكن لصورة بهذه البساطة ان تعبر عن مشاعر ترتسم على الوجوه، وعلامات من أمكنة ومصائر ومسارات وجدانية وثقافية متعددة كالتي عليها المسارات المتشعبة والمتداخلة حد التضارب في عراق اليوم؟ وقبل ذلك كله، كيف أمكن صوغ كل هذا في عمل يذهب المطرب الجسمي الى وصفه بانه جاء "بمحبة صادقة وعفوية" وفي باب التحية للعراق وأهله أينما كانوا.
في الإنشودة، يحيلنا الشاعر كاظم السعدي، الى تنويعات من مشاعر بسيطة رقيقة في وصف بغداد: "حبيبة أم كذيلة/ رائعة وجميلة / ألف ليلة وليلة"، ومن بغداد نصل الى ما سيكون اللازمة "كلنا العراق"، وهذا ذكي كوصف ومعنى، فهي مركز البلاد وجوهرتها، تشع كدلالة تاريخية"ألف ليلة وليلة" مثلما هي تظل، رغم آلامها، حيوية ومثابرة، ومنها ينتقل الى مناطق البلاد المتعددة وجوهرها الثقافي والإنساني: الشمال والغرب والوسط والجنوب، ليعود الى بغداد في مشهد "يسحر النواظر/ ويسر الخواطر/ بين ماض وحاضر / دار السلام"، وعبرها يأتي ما يشبه النداء "يا بلادي سيري/ مصيرك مصيري" ولعمري فهو تكثيف موفق لفكرة ارتباط وجداني بين مصير الإنسان- الفرد ومصير بلاده، ويعرفه العراقيون ايما معرفة، فالمصير المأساوي الذي ذهبت اليه منذ عقود طبع مصير ابنائها جميعا بطريقة أو بأخرى، لكن "دار السلام" كوجدان تظل "زاهية وطيوبة/ نادرة وحبوبة/ بيها بكل عذوبة/ القلب هام".
 

في اللحن والغناء، واصل الجسمي قدرته على جمع مشاعر شتى في لحظة صوتية واحدة، فهو يذهب الى لحن يعتمد الإيقاع القوي المتسارع بمقابل صوته الناعم الشجي، في انسجام، ينشد منه تصوير الحياة في تحولاتها من الخشن الصعب الى الناعم السعيد، دون ان ينسى ان يشرك الكورس كقاعدة بناء لإحساس الهتاف الجماعي "كلنا العراق"، ودون ان يجعل اللحن في انتقالاته قالبا واحدا، فهو شجي عاطفي في الثناء على الأوصاف الرقيقة والحنو على البلاد، مثلما هو جهير صادح كلما استدعى النص وقفة حماسية مثل "يا بلادي سيري/ مصيرك مصيري".







أما الترجمة لهذا المزيج الشعري-الموسيقي الى صورة غنية الدلالات، فقد ابدعها المخرج علي الأنصاري، عبر تجسيد للوقائع اليومية بطريقة حلمية لا تبدو خادعة ومناقضة للواقع، وقدرة على التقاط المشاعر الفياضة أكانت تلك التي تجسدها الأيدي والعيون والأرواح الغضة للأطفال، ام تلك الحيوية التي ميزت ظهور الشباب رجالا ونساء، وصولا الى الحبور والإحساس بالرضا والخبرة عند كبار السن في مشاهد فيها الكثير من التلقائية، حتى وإن كانت الوجوه الى الكاميرا مباشرة.

صحيح ان انتاج فيديو الأغنية كان كبيرا وسخيا، ولكنه كان شديد الأناقة، المشاهد صافية كأغنية محبة للبلاد واهلها، فضلا عن استخدام الكتابة على الورق لأبرز المعاني والدلالات وحملها من قبل الاطفال والشباب، وعلى هذا المنوال جاء استخدام كتابة أوصاف لبغداد والبلاد على قمصان الشباب، والإشارات المعاصرة الدالة على اللطف والمحبة من قبل البنات، وفي هذا السياق ايضا جاء استخدام هاشتاغ " # كلنا_العراق" مكتوبا ومحمولا بعفوية من قبل كل المشاركين الذين مثلوا هتاف البلاد ونشيدها من اجل السلام، الذي يشيع فرحا وسرورا وهو ما تمثل في مشهد الختام، فصارت "كلنا العراق" هتافا واغنية في عرس شعبي تتعالى منها الأفراح والإيقاعات البهيجة.

وعن هذا المزيج الآسر من عدد المشاهد الكبير في دلالاته وسعته مكانيا وتعبيريا، يقول المخرج علي، نجل احد أبرز مخرجي العراق في الاذاعة والتلفزيون، مهند الأنصاري "لم أكن أعلم قبل أن ابدأ بتصوير # كلنا_العراق، إن أصعب شيء في مهنتي هذه هو أن أنقل مشاعر الناس كما هي، بدون أي رتوش أو تمثيل، مشاعر رأيتها تفيض من عيون العراقيين أينما ذهبت من شمال الوطن إلى جنوبه، تجربة تعلمت منها الكثير، وكل ذلك لم يكن ممكنا لولا الثقة التي أحاطني بها الفنان الكبير حسين الجسمي لنقل مشاعره ومشاعر العرب جميعا نحو بلدي الحبيب، أجمل ما في العمل هو رؤية التفاؤل والثقة بالمستقبل المشرق في عيون الجميع".

* أعيد نشر المقالة في مواقع وصحف عراقية بينها "التآخي" في 20 -9-2016:






 
الاسم البريد الاكتروني