نزيهة الدليمي ورابطة المرأة العراقية

شميران مروكل
/site/photo/9273


سجلت الاحداث  السياسية في مطلع الأربعينيات من القرن العشرين دخول المرأة العراقية الى  معترك الحياة السياسية بشكل فعلي وكانت امينة الرحال اول امرأة تحصل على  مركز قيادي في الحزب الشيوعي العراقي.. وفي ظروف اشتداد الازمة السياسية  على النطاق العالمي انطلقت حركة تحرر المرأة في اواسط الاربعينيات بخطى  متسارعة ا فرضت ذاتها نسبيا على معظم برامج الاحزاب الوطنية

ومع نمو الحركة الوطنية في العراق اشتد دورها في ميدان النضال الوطني وتجسد في ترؤس امرأة (عدوية الفلكي) المتظاهرين على جسر المأمون (الشهداء) حاملة لافتة وتهتف.. تسقط وزارة صالح جبر والمعاهدة، متقدمة حاملة العلم العراقي فكان رد فعل الشرطة قويا فاطلقت النار على المتظاهرين وسقطت (زكية شويلة) شهيدة مع عدد من المتظاهرين...

نتيجة لتصاعد الحركة الجماهيرية بعد وثبة كانون التي احدثت نقلة نوعية واقعية في الحركة النسوية برزت اراء وافكار تقدمية حول المرأة وضرورة قيادتها من قبل منظمات نسوية متميزة.. وفي ظل الزخم الجديد للحركة الوطنية تأسس داخل تنظيمات الحزب الشيوعي العراقي تنظيم باسم اللجنة النسائية التي ضمت في عضويتها عددا من الشيوعيات، نسوة يؤلفن وزنا نوعيا كبيرا في الحزب الشيوعي.. وتبلورت لدى الدكتورة نزيهة الدليمي فكرة اعادة نشاط (رابطة النساء العراقيات) وبدأت التحرك واستطاعت ان تحقق شيئا ملموسا للمرأة.. واستطاعت بجهودها وعلاقاتها ان تكسب العديد من الوجوه والشخصيات غير الشيوعية بالانضمام الى الهيئة المؤسسة.. وصل العدد الى الخمسين وتقدمت بطلبها لتأسيس جمعية نسوية باسم (جمعية تحرير المرأة).. عملت عضوات الرابطة بجهد في الاتصال بالعديد من النساء من مختلف الاعمار والمهن، و تضاعف عدد المنتسبات عشرات الاضعاف..رفضت الاجازة خوفا من ان تكون المنظمة واجهة لممارسة الحزب الشيوعي لنشاطه بين فئات المجتمع العراقي..

تأسيس رابطة النساء العراقيات

لم يشهد العراق أي تنظيم نسوي سياسي حتى عام 1952 على الرغم من تأسيس جمعية رابطة النساء العراقيات ذات الطابع السياسي بسبب طغيان الطابع الاجتماعي الخيري للجمعيات النسائية النخبوية العراقية التي كانت سمة اساسية من سمات التنظيم النسوي الاجتماعي ومنع السلطة من تكوين جمعيات ذات توجه سياسي.. عملت الدكتورة نزيهة التي لم تستسلم لإجراءات السلطة على تحويل منظمة تحرر المرأة الى منظمة ديمقراطية يطلق عليها رابطة الدفاع عن حقوق المرأة وبدأت عملها الجاد لتأسيسها والتي انبثقت في 10 آذار 1952 بعد عقد اجتماع نسوي سري.. حيث علت اصوات المجتمعات لتواصل العمل الذي بدأ واصرار على العمل بشكل سري بعد اجراءات السلطة الصارمة. اصدرت بعد اكمال التنظيم بيانا موجها الى نساء العراق للالتفاف حولها كما اصدرت نظامها الداخلي.. عملت الرابطة بجهد لتقوية مكانتها مع الحركات النسوية في البلدان العالمية والعربية وشاركت في العديد من المؤتمرات، في مؤتمر باكستان 25 آذار 1952 ومؤتمر فيينا 12-20 كانون الاول 1952 وفي مؤتمر كوبنهاكن 5 حزيران 1953 كما شاركت في مؤتمر بيروت حزيران 1954 ومؤتمر براغ 7-8 آذار 1955 ومؤتمر لوزان 8آذار 1955.. وبعد ما اكتسبت عضوات الرابطة الخبرة من خلال المشاركة في المؤتمرات العالمية بدأن بالتحضير لعقد (كونفرنس) بشكل سري وحدد يوم 8 اذار 1954، القيت المندوبات تقاريرهن عن نشاطات الالوية..وبعد توسع نشاطها عقدت مؤتمرا اخر في 1955 من خلال سفرة بشكل سري الى الحلة 56 امرأة مندوبة يمثلن الف امرأة عراقية على اختلاف الطبقات والاديان ركبن القطار الى مدينة الحلة بصورة سفرة نسائية.. وعلقت الرابطة على اهمية اشتراك اكبر عدد ممكن من النساء بمختلف القوميات والاديان لغرض تعريف المرأة العراقية على واقعها وتحقيق اكبر قدر ممكن من الوعي الوطني التحرري. ورغم ظروف العمل السري عملت على توعية وتعبئة النساء اينما وجدن للمطالبة بحقوقهن وتحسين احوالهن المعيشية وحل مشاكلهن الاجتماعية... ساهمت الرابطة في مواجهة فيضان بغداد عام 1954.. اضافة الى نشاطها الثقافي ودعت عام 1956 الى تشكيل حلقات لمكافحة الأمية بين النساء كما اهتمت بثقافة الاطفال.. واصدرت جريدة حقوق المرأة للفترة من 1952 لغاية 1958 اضافة الى مساهمتها في الصحف الرسمية.

انعطاف تاريخي

بعد قيام ثورة 14 تموز 1958 حدث انعطاف تاريخي مهم في حياة الشعب العراقي جاءت الثورة ومعها حلول للمشاكل التي عصفت بالدولة والمجتمع كما فتحت المجال امام النشاط للمنظمات الديمقراطية وكانت من بينها رابطة الدفاع عن حقوق المرأة العراقية حيث استقبلت ميلاد اول جمهورية بتظاهرات التأييد وارسال برقية تهنئة لقيادة الثورة.. وفتحت الرابطة مقر الاتحاد النسائي العراقي وتم تشكيل الفرق النسائية لطرق الابواب شارحة اهداف الثورة ومطالبة بتأييدهن وضم جهودهن من خلال العمل داخل الرابطة. والتأكيد على الاختلاط بالنسوة للتعرف على معاناتهن ولا سيما سكان «الصرائف» التي كانت تملأ ضواحي بغداد. واستطاعت الرابطة بواسطة عضواتها ومساندة رئيستها الدكتورة نزيهة الدليمي من انتزاع موافقة الحكومة على عملهن العلني.. يعد منح إجازتها في 29 كانون الثاني 1959 حدثت نقلة نوعية في تاريخ الحركة النسوية العراقية وبدأت التحضير للانتخابات العامة.. فعقدت المؤتمر العلني الأول لرابطة الدفاع عن حقوق المرأة 8-12 اذار 1959 الذي شاركت فيه 340 امرأة. عملت نزيهة الدليمي بحكم موقعها وزيرة على مساندة قضية المرأة من خلال لجنة مشاكل المرأة التابعة للرابطة وبعد اجراء مسح للمشاكل التي تعانيها المرأة العراقية والاطلاع على التقارير التي قدمتها اللجان المكلفة وبتوصيات من نزيهة الدليمي شكلت لجنة في وزارة العدل لوضع قانون للاحوال الشخصية الذي استمدت مبادئه من ما هو متفق عليه من الأحكام الشرعية وما هو مقبول من قوانين البلاد الإسلامية وما استقر عليه القضاء الشرعي في العراق.. صوت مجلس الوزراء على قانون الاحوال الشخصية ذي العدد 188 لسنة 1959... استمرت المعوقات ضد الرابطة وبدأت حملات عدد من الصحف التابعة الى الاتجاه القومي تنشر مقالات استفزازية ضد الرابطة ورئيستها.. اضافة الى اجازة منظمة جديدة.. منظمة نساء الجمهورية... كانت معوقا اخر بدأت هذه المنظمة تنافس رابطة الدفاع عن حقوق المرأة اذ جاءت في نظامها الداخلي مواد تتشابه مع ما جاء في نظام الرابطة.. ولم تمنع المعوقات والهجوم الذي طال الرابطة من استمرار نشاطها.. وعقدت مؤتمر نساء بغداد في 24 كانون الثاني 1960 وبعدها تم تشكيل لجان انتخابية وتحضيرية لعقد المؤتمر الثاني لرابطة الدفاع عن حقوق المرأة. رفعت اللجنة التحضيرية تقريرا الى الاتحاد النسائي الديمقراطي العالمي بينت فيه استعدادها للمؤتمر وافتتح في 8 اذار 1960 شاركت فيه 432 مندوبة يمثلن 42 الف عضو وقد رعى المؤتمر رئيس الوزراء عبد الكريم قاسم القى الذي القى خطابا تضمن تغيير الاسم من رابطة الدفاع عن حقوق المرأة الى رابطة المرأة العراقية بعد ان نالت حقوقها..

تعرضت المسيرة الوطنية الى مخطط استعماري خطر هدفه تقويض انجازات الجمهورية التي اصبحت نبراسا للتحرر والديمقراطية في الوطن العربي وفي الشرق الاوسط وتقويض عمل الرابطيات (من كلمة الدكتورة نزيهة الدليمي التي القتها في السوق الخيري وحضرها الزعيم).

عقدت الرابطة مؤتمرها الثالث 8-11 اذار 1961 في ظل معوقات سياسية بعد الموقف الذي اتخذ ضدها بسبب تبنيها قانون الأحوال الشخصية فضلا عن تغيير سياسة الحكومة تجاه اليساريين وبعد انتهاء المؤتمر بمدة وجيزة اخذت الاجراءات الحكومية ضد الرابطيات تأخذ منحى جديدا فقد تعرضت عضواتها الى الاعتقال، ومن اجل حماية كوادره عمل الحزب الشيوعي على ارسالهن للدراسة في المدرسة الحزبية في الاتحاد السوفييتي وكانت نزيهة الدليمي من بينهن.

..وبدأت المضايقات

رفض الحاكم العسكري العام منح الرابطة تصريحا لها لعقد مؤتمرها الرابع فعقدته سرا يوم 8 اذار 1962 تحت شعار (تضامن نساء العراق مع نساء الجزائر من اجل السلم والتحرر الوطني) بعد انتهاء اعمال المؤتمر استمرت ملاحقة الرابطيات من قبل الحكومة..

الكاتبة ركزت على نقطة مهمة هي ان توجهات الرابطة كانت يسارية حيث لعبت فيها الشيوعيات دورا بارزا وان نشاطات الرابطة وفعالياتها الخارجية كانت مع المنظمات العالمية اليسارية لذلك تعرضت الرابطة الى الاضطهاد حالها حال المنظمات اليسارية بعد انقلاب 8 شباط 1963 وسقوط نظام عبد الكريم قاسم وتولي البعث السلطة حيث تعرضت الرابطة الى انتكاسة كبيرة. زج بجميع من تم القبض عليهن في قصر النهاية الذي راح يعج بالنساء والاطفال والفتيات والرجال ولم تكتف حكومة الانقلاب بممارسة عمليات الاعتقال والتعذيب والقتل بل اجهزت على قانون الأحوال الشخصية الذي عدته الرابطة من اهم منجزاتها.. تحول عمل الرابطة الى خارج العراق من اجل فضح الاوضاع السائدة في البلاد والتضييق الذي تفرضه الحكومة على نشاطها بشكل عام. عرضت قضية المرأة العراقية على اجتماعات الاتحاد النسائي الديمقراطي.. بدأت حملة عالمية ضد الانتهاكات في العراق ووافقت الامم المتحدة على ارسال لجنة عالمية من اتحاد المحامين العالميين لزيارة العراق لتقصي اوضاع السجينات العراقيات وقامت اللجنة بنشر مقابلاتها في الصحف العالمية وتأسست لجنة الدفاع عن الشعب العراقي برئاسة شاعر العراق محمد مهدي الجواهري.. تم اطلاق سراح عدد من النساء لكن العديد منهن بقين داخل السجون من دون مذكرات اعتقال اواثبات مدة سجنهن واحيل عدد منهن الى المجالس العرفية العسكرية وحكم عليهن باحكام قاسية.. استعادت الرابطة بعد خروج عدد من المعتقلات من السجون نشاطها فقد تشكلت لجان لزيارة السجون والتعرف على السجينات والاتصال بعوائلهن.. بدأ عدد من الصحف العربية بحملة مركزة لفضح اساليب السلطة لرفضها اطلاق سراح المعتقلات.. واستطاعت الرابطة تشكيل لجنة عليا لجمع عضواتها الخارجات من المعتقلات بشكل سري عام 1965 وطالبن مع لجنة عوائل السجناء والمفقودين بالغاء احكام الاعدام التي صدرت بحق المعتقلات وفي ضوء الاحداث السياسية وهيجان الراي العام صدر مرسومان جمهوريان 1966 و1968 يقضيان برفع الحجز عن الاموال المنقولة وغير المنقولة واعفاء السجناء المحكومين من المجالس العرفية العسكرية ومحاكم امن الدولة والمحاكم العسكرية...

وقفت الرابطة بعد اعادة تشكيلها بشكل سري الى جانب المعتقلات وشنت حملة واسعة على المستوى القومي ضد العدوان الصهيوني في حرب حزيران 1967 للتضامن مع المرأة الفلسطينية والشعب الفلسطيني.. تصاعدت نشاطاتها لتصل الى صفوف الفلاحات في الريف.

حكم البعث رفض اجازة الرابطة

جاء الانقلاب عام 1968 واصدر عددا من القرارات السياسية من ضمنها العفو عن المفصولين السياسيين وقد شمل عددا من عضوات الرابطة.. وفي ظل هذه التحولات باشرت الرابطة نشاطها ورفعت شعارها (الديمقراطية للشعب وتصعيد النضال من اجل حقوق المرأة ومساواتها) مستثمرة اعلان الحكم الجديد انه يسعى لتحرير المرأة ومساواتها واطلاق طاقاتها في بناء الوطن. وقد شجع عودة نزيهة الدليمي الى البلاد ان تقدم عضوات الرابطة طلبا لاجازتها تحت عنوان رابطة المرأة العراقية.. غير ان طلب الرابطة لم يلق الموافقة وكان العذر وجود منظمة مشابهة هو الاتحاد العام لنساء العراق الذي تأسس عام 1969.. عملت الرابطة لمدة عام على اصدار البيانات المختلفة لتعرف النساء بأهدافها.. وشهد العراق تحولات اجتماعية واقتصادية وسياسية مهمة بعد 1968 ومحاولة اشراك القوى المعارضة في السلطة.. وكان من ابرز التحولات هو الانفتاح الجزئي على نشاط المنظمات فقد سمحت الحكومة للرابطة بان تعمل وتنظم نفسها دون منحها الإجازة وخاصة بعد تفرغ الدكتورة نزيهة الدليمي للعمل الكامل في سكرتارية الجبهة.

نشطت الرابطة على المستويين العربي والعالمي ومن ابرز مساهماتها كانت في تحضيرات مؤتمر عام المرأة في برلين 1972-1975 الذي شاركت فيه بوفد متميز دون ان يلتحق بالوفد الحكومي المشارك.. انعكست وقائع المؤتمر على المرأة العراقية اذ اصدرت الحكومة تعديلات على قانون الأحوال الشخصية بعد ان قدمت الرابطة دراسة تحت عنوان: ضرورة اصدار قانون جديد للأسرة في ضوء التحولات التقدمية في المجتمع. وعلى الرغم من ذلك تعرضت عضوات الرابطة الى مضايقات لاجبارها على الغاء نشاطها من قبل السلطة الحاكمة وبدأت بملاحقة الرابطيات ومن ثم تجريم الانتماء اليها.. ولكن الرابطة ظلت تتلقى الدعم من الجماهير والحزب الشيوعي العراقي.. لكن حزب البعث لم يوقف يوما سياسته في محاربة المنظمات الديمقراطية وطلب حلها او تجميد نشاطها حيث اوجد منظمات بديلة ورفض تواجد منظمات مماثلة الى جوارها وسعوا الى الغاء تمثيل المنظمات اليسارية في المنظمات الديمقراطية العالمية لتحل منظماتهم محلها.. لذا جمدت رابطة المرأة العراقية نشاطها وبالمقابل طور الحزب الشيوعي مهام المكتب النسوي ليصبح بديلا عن الرابطة. اما عضوات الرابطة فقد خيرن بين البقاء في العمل او الانسحاب..

عند النظر الى كل الانجازات التي حققتها المرأة العراقية بقيادة رابطة المرأة العراقية تتبين اسباب رفض حزب البعث عمل هذه المنظمة.. رابطة المرأة التي ربطت نضالها السياسي من اجل الديمقراطية والتحرر الوطني بالنضال من اجل حقوق المرأة وحرياتها الأساسية ولم تستطع سجون الحكومات ومعتقلاتها ان تنال من عزمها وإصرارها على العطاء.



 
الاسم البريد الاكتروني