فاروق هلال: الموسيقار والتربوي والانسان (3)

علي عبد الأمير
شغف نادر

ما يلاحظ على النتاج الغنائي والتلحيني وحتى التربوي الذي انتظم فيه، فاروق هلال، انه يعكس شغفا نادرا بالأناقة، فلا الغناء كان مما هو شائع ومتداول، لا تكبرا وابتعادا نخبويا، بل هو، وتحديدا في مرحلة البدايات، كان انشغالا بالبحث عن الرفعة الروحية التي لم تكن الفنون الموسيقية العراقية قد رسختها في مسيرة كانت تبحث عن الملامح الخاصة، بين حضور الموروث القوي والتأثر بالنموذج الغنائي الحديث الممثل بالغناء المصري. خذ اغنيته "على البال" نموذجا، فهي التي كانت بوابة النجاح الرسمي له في العام 1959، وامتيازها هو في رقة الاداء، ولم لا، فهو زمن "الغناء العاطفي" ورومانسية الآمال والاحلام، ليس في بلاده التي كانت تمني النفس بمرحلة ثقافية واجتماعية جديدة عبر بوابة تحول العراق من ملكية الى جمهورية، بل في المنطقة العربية عموما، وكانت الملامح "الحليمية"، في اشارة الى الراحل عبد الحليم حافظ حاضرة في الاغنية، اداء ولطفا نادرا في ترجمة المشاعر والتعبير عنها، وهو امر ما كنت الاغنية العراقية تعرفه كثيرا، وحتى ان عرفته فهو في مدار الاصوات النسائية، فالرجالية كانت تعتبر مثل تلك الرّقة، جانبا انثويا تعافه وتخشاه. هنا، والحديث دائما عن اغنية "على البال"، نجد شابا مهذبا في بوحه عن مشاعر الحب والاشواق، بصوت مرهف يعمّق تلك المشاعر، ويجسدها عبر لحن جاء بتلقائية ودونما تكلف، حتى وإن بدا متأثرا بالملامح المصرية.

/site/photo/9394

فاروق هلال في اوائل ستينيات القرن الماضي



تأثير المعرفة الموسيقية وحسن تدبيرها

وبقدر ما نتابع هنا، مسار فناننا، فإننا لسنا بصدد التوثيق لكامل نتاجه، بل اضاءة عناصر جوهرية فيه عبر التحليل الفني- الاجتماعي، ولذا سنقفز سريعا من اواخر خمسينيات القرن الماضي، الى منتصف سبعينياته، حيث الانشغال بالفنون والمعرفة الثقافية والعلمية، كان بات يشكل الايقاع الحياتي للعراقيين،  ونختار لحنه "أحسب الليالي" للمغنية الناعمة الحضور، سيتا هاكوبيان. وفي لحنه هذا يظهر تأثير المعرفة الموسيقية وحسن تدبيرها، فهلال الذي تعمّق في دراسة الموسيقى واساليب الغناء، دراسة اكاديمية رصينة، يعرف تماما ان من ستغني لحنه هي صاحبة صوت حاد النبرات، ويصل احيانا الى حد الصراخ وتحديدا في الجوابات العالية، فتعمد اخذه الى منطقة اخرى، فأنزل الصوت من الطبقات العالية الحادة الى القرار، وبما يمكنه من اظهار دفء المشاعر ونعومتها. انها المرة الاولى التي تحقق فيها، هاكوبيان، تأثيرا رقيقا عبر الصوت، وليس عبر صورتها المعتادة: جمال الملامح واناقة الازياء والسلوك المهذب. انه حقق هدوءا وعمقا في صوت لا يعرفهما، وهذا امتياز لحني ليس بالقليل، حققه في هذا اللحن الفريد.


/site/photo/9395


                                        و في سبعينيات القرن الماضي



"الإنتقام" الجميل من مائدة نزهت

يورد الموسيقار فاروق هلال، اثناء ظهوره في حلقة من برنامج موسيقي رصين (1)، خصصت للاحتفاء بنتاجه، غناء وتلحينا وتربية موسيقية، معلومة تتعلق بحادث سيشكل علامة فارقة لمن كانا حاضرين فيه: هو والمطربة الكبيرة مائدة نزهت. ففي العام 1957، اوفدت اذاعة "الشرق الادنى" المعروفة بأفضالها الكبيرة على الموسيقى العربية المعاصرة، احد العاملين فيها الى بغداد، وهو الاذاعي صبحي ابو لغد، لاختيار اصوات عراقية جديدة ونشرها لاحقا في الاثير العربي، ولسوء حظ المطرب الشاب حينها، وقفت الى جانبه في الاختبار، صاحبة الصوت الصدّاح، فكان من الطبيعي ان يختارها الاذاعي العربي المتمرس، على حساب صاحبنا الذي سيعود الى الوقوف مرة اخرى جنبا الى جنب صاحبة "ام الفستان الأحمر"، ولكن في حدث بدا في العام 1975، وكأنه "انتقام" من وقفة المرة الاولى، انتقام "جميل" من طراز خاص ينتمي الى روح الابداع وفكرته، فهو كان بمثابة من يقول للمطربة العراقية المتمرسة: "ها انذا، خسرت امامك قبل 18 عاما، ولكنني جئت لأجعلك تغنين من نتاجي لحنا فريدا". 

نعم كان لحنا بل لقاء فريدا، وسباقا الى ذروة التعبير الجمالي في الاغنية العراقية المعاصرة، فأغنية "سألت عنك"، حفلت بلحن مرصّع بجواهر لحنية، هي من كنز التعبير الموسيقي عند هلال الذي كان قد تجاوز عصره حقا، فمن كان يجرؤ في وقتها ان يقدم لحنا موسيقيا يعتمد "اللامقامية"؟ من كان يجرؤ على تقديم اغنية تعتمد ما يمكن وصفه بـ"السرد اللحني"، والانتقالات الحرة بين الانغام والمقامات؟ من كان يجرؤ على القول: المقام ليس مهما، التعبير هو الاهم؟ قطعا لا أحد في وقته، لكن فاروق هلال انجز هذا، وما زاد في فرادة معدن ذلك العمل، هو التجلي الكبير في اداء المطربة نزهت، والمديات الصوتية الواسعة التي انتقلت بينها مطربة مجيدة حقا، فهي فهمت جوهر اللحن وغنى مشاعره التي انسجمت مع نص فاتن الكلام والاحاسيس صاغه الشاعر عبد الكريم مكي.

قد تكون تلك الاغنية الفارقة "سألت عنك"، احتاجت وقتا طويلا كي تختمر وجدانا راقيا في الاسماع، لكنها من النوع الذي استقر عميقا في الذاكرة الفنية، مثلما استقر كعلامة فريدة في اللحنية العراقية، وقبل كل هذا وذاك، قدّم نموذجا لغناء يحتفي بالمشاعر الانسانية وعبر صوت انثوي، تتلون فيه الاشواق والعواطف (هنا يمكنك وصفها بأغنية المرأة العراقية الجميلة المهذبة، ابنة الطبقة المتوسطة المتعلمة في سبعينيات القرن الماضي)، لكنها حفلت بما يجعلها قادرة على التأثير أبعد من زمنها، بل هي من الأعمال الغنائية العابرة للمراحل، وستظل حاضرة وقادرة على التأثير، في كل وقت تكون المشاعر الراقية حاضرة فيه ومؤثرة في مساره.

لاحقا وفي الجزء الرابع والاخير من هذا البحث ... نتابع الفرادة اللحنية التي حملت توقيع صانعها فاروق هلال.


(1): برنامج "حكاياتهم" عبر قناة "الحرة" الذي يعده ويخرجه، محمد حسين.




 
الاسم البريد الاكتروني