فاروق هلال: الموسيقار والتربوي والانسان (1)

علي عبد الأمير
( بمناسبة تكريمه في مهرجان المموسيقى العربية في القاهرة ) 
 
ليس غريبا ان يكون المسار الفني والفكري للموسيقي ( المطرب والملحن ) فاروق هلال، مرآة للمسار الصاخب الذي عاشته اجيال المثقفين والمتعلمين النابغين في بلاد جميل بشير، فهو وجد نفسه ( تخرج من معهد الفنون الجميلة - بغداد عام 1957، قسم الموسيقى ) متنقلا من مرحلة التلقي السليم للمعرفة واكتساب الخبرات بشكل تدريجي قبل العام 1958، الى مرحلة التحولات الفكرية والسياسية العاصفة التي عناها التحول الى النظام الجمهوري، وبدء مرحلة التصفيات الدموية للخصوم والمنافسين، حد ان الشاب الموهوب، ( اشترك في الستينات في الفلم الغنائي الاستعراضي "درب الحب" وقدم فيه مجموعة من الاغنيات )، وجد نفسه في العام 1963، واثر انقلاب البعث الدموي الاول، محشورا مع مئات المبدعين والاكاديميين والفنانين والكتاب في سجن بغداد المركزي، وفقا لانتماءات، او مجرد الشبهات، الى تيار اليسار الفكري، وحتى مع محاولته لاحقا في ان يستوعب الدرس جيدا، ويظل بعيدا على المرجل السياسي العنيف، الا ان ظل رهنا بالمسار الذي ترسمه مؤسسات الدولة العراقية في العهد الجمهوري، وهي على الاغلب كانت مؤسسات دولة قمعية لا تنظر الى النتاج الفكري والفني سوى كونه، تابعا ذليلا، وصوتا متطابقا مع مصالحها واهدافها وتوجهاتها حتى العنيفة منها: الحروب الداخلية والخارجية مثالا. لكن ما يميز هلال وقلة من فناني العراق ومثقفيه، هو في الاخلاص النادر للتعبير الجمالي والانساني حتى مع المساحات الضيقة التي كانت تبدو متاحة لهم.


/site/photo/9343
حين وجد نفسه العام 1963 محشورا مع مئات الاكاديميين والفنانين والكتاب في سجن بغداد المركزي



واذا كان هلال ابن مرحلة الحداثة الفكرية والفنية العراقية، فانه ابن مركز تلك الحداثة، اي مدينة بغداد، وابن لونها الغنائي المرتبط بها، فصار واحدا من جيل ارتبط ببغداد اغنية والحانا، فثمة اغنياته "ياعيني على رقة حبيبي"، والرقيقة  "ردت انساك"، والتي اعاد غنائها الراحل صلاح عبد الغفور، و"تعاليلي" التي غناها ايضا المطرب الكويتي عبد الله رويشد.

لكنه تميز عن اقرانه، بالقدرة على معرفة عناصر قوته موسيقيا، فقرر مع وجود اصوات غنائية جديدة ( لاحقا ستشكل ابرز ملامح الاغنية السبعينية)، التفرغ للتلحين، وليصوغ انغاما لافتة كالتي تعنيها الحان مثل: "سألت عنك" لصوت المطربة  مائده نزهت، "علمني عليك" للمطرب لرويشد، و"خطار اجانا العشك" للمطرب حسين نعمة، و"كالولي راح ومشه" لصوت المطرب ياس خضر.

وتظل المأثرة الكبرى للموسيقار فاروق هلال، في ورشته التربوية والابداعية، التي اكتشفت المواهب الموسيقية غناء وعزفا ورعتها ايضا، فالرجل كان عونا أسهم في رسم مسار سليم لصعود من سيشكلون علامات في الموسيقى العراقية في عقد الثمانينات، وبعضهم ما يزال يترك بصماته حتى يومنا هذا، من خلال برنامج تلفزيوني راعى جانبين: التشويق في التقديم والتسلية الراقية من جهة واشاعة الثقافة الموسيقية من جهة اخرى، فكثيرون يتذكرون كيف ان فاروق هلال رفض الطريقة التي تهجم بها الملحن الشاب حينها، سرور ماجد، على الناقد عادل الهاشمي الذي كان قد سجّل ملاحظات سلبية على لحن ماجد الذي حاول الانتقاص من مكانة الناقد ورصانة فكرته، وهنا جاء تدخل المربي والموسيقي جوهريا: "لنا الحق بالرد ولكن مع حفظ المكانات واحترام الخبرات وتقدير التراكم الثقافي خير تقدير".

مثل هذا المعنى التربوي التأسيسي بدا غريبا على تركيبة مريضة تقوم عليها، ليس المؤسسة الموسيقية وحسب بل المؤسسة الثقافية العراقية بعامة، تركيبة الفردية الانانية الطاغية، التي لا تكره شيئا قدر كراهيتها للعمل الجماعي المؤسسي التربوي، فكيف الحال اذا كان ذلك العمل مثمرا وناجحا، وهو ما كان عليه عمل فاروق هلال مع برنامج "اصوات شابة"،  والذي بحسب كثيرين "إستطاع أن يقلب موازين الفن العراقي من خلال اعطائه فرصة ذهبية للشباب بعد هيمنة مطربي الاذاعة على الاغنية العراقية، فأصبح هنالك عصر جدير لابداع الشباب من موسيقيين ومطربين وشعراء وملحنيين، والذين اصبحوا بعد ذلك من قادة الحركة الموسيقية في العراق. بل وحقق انجازاً اكبر بعد ان كان طموحه ان يدخل الفن وبهجته لبيوت جميع العراقيين وتعريفهم بهذه الثقافة الراقية من خلال نشر الموسيقى والغناء عن طريق البحث عن المواهب الفنية في المدارس الابتدائية والثانوية وفي صفوف منظمات الشباب والطلبة"(1).


/site/photo/9342
في ورشته الموسيقية المدهشة "أصوات شابة"

كما ويجمع دارسو تلك المرحلة من تاريخ الموسيقى العراقية، على ان "تركيزه (فاروق هلال) على اشتراك الشباب في الأنشطة الفنية الملتزمة كهدف اخلاقي وفني واجتماعي وتربوي للذوق، كان نابعا من ايمانه الشخصي بأن الفنان قائد وتربوي اجتماعي، وبإمكانه الإسهام في صنع المتغيرات الاجتماعية والحضارية ليمتد الى كل مكان تكون هناك فجوة عميقة بينه والفنون الراقية التربوية". 

وثمة من يرى هلالا بانه "صاحب الفضل الاول لبزوغ نجوم الغناء العراقي امثال: كاظم الساهر، محمود أنور، أحمد نعمة، كريم محمد، شعبان صباح، قاسم إسماعيل، مالك محسن، محمود شاكر، رياض كريم، قاسم ماجد، وحيد علي، مهند محسن، هيثم يوسف، مضر محمد، كريم حسين، محمدالشامي،  و(لاحقا جمعة العربي)، مثلما كان له الدور البارز في صقل موهبة عازفين وموسيقيين ووضعهم على مسار تربوي وفني راق، أمثال: علاء مجيد، عبد الكريم بنيان، سعد جوزي، كريم عاشور، محمد حسين كمر، وسام ايوب، حسن فالح، وغيرهم، فضلا عن اثره البالغ في انضاج تجارب الملحنين: سرور ماجد، كريم هميم، ضياء الدين، وليد حبوش، مضر، علي سرحان واخرين".

الموسيقى بوصفها تربية اجتماعية

وفي سياق العمل التربوي- الفني الجماعي ذاته، كان هلال  "قد أسس العديد من الفرق الموسيقية التي كان لها شأن كبير وصارت محطات تخرج منها العديد من المغنين والعازفين"، ليكون قد "نجح نجاحآ كبيرآ في بروز الأصوات بشكل متوازن بوجود المظلة التي تفتح الآفاق لنمو الإمكانيات بالطريقة العلمية، مثل المعاهد الفنية التي يتخرج منها الصوت الجديد، وخلق حالة التنافس بين الطاقات وكان لدعم الأصوات مادياً ومعنوياً من قبل مؤسسات الدولة، التي جعلها هلال على امام خيار لا يمكن الحياد عنه: دعم هذه الشريحة التي تدفع بالشباب الى الرقي والتقدم، اثر كبير ".

وعن تجربته الرائدة، "ورشته" التربوية والثقافية في مجال العمل الموسيقي، يرى المطرب المولود ببغداد ان "طموحاته كانت في ان يسهم في صنع الحياة الجديدة من خلال واعداد الجيل الاكاديمي لانتاج فن يليق بارث العراق الحضاري، ومن خلال تقديم الفن الملتزم لحياة الناس والسعي الجاد للمناشدة الوجدانية بامتاع عقلي، كي تلغى من الوجود النظرة السلبية التي رافقت مسيرة الفنان وتجعل منه فعليا قائدا اجتماعيا تنويريا"(2).

ويرد على سؤال "ماذا حققت من اماني.. حتى أمني نفس بأمنية لم تتح لي الفرصة لتحقيقها"؟ بقوله حزينا من مقر اقامته منذ العام 2003 في القاهرة "مازالت طموحاتي في سبات كسبات أهل الكهف. ولولا وجود نماذج محترمة من تلاميذي الذين ينتشرون في كل انحاء العالم مغتربين يقدمون فنهم بصدق واخلاص والتزام أفتخر به، لمزقت أجندة تأريخي دون اسف؟ واعيش بعيداً عن كل البشر وحيداً انتظر اجلي برحابة صدر".

فنان من العراق ... هذا يكفيني

وعن حدث بدا علامة فارقة في سيرته الموسيقية والانسانية، يكتب هلال اخيرا "أنا لا أطرب لأغاني الموسيقار العربي محمد عبد الوهاب، بل أنصت استماعاً كأي تلميذ مثابر، اجتهد وظل معتزا بزمنه الذي منحه مرتبة فنية منحته فرصة لقاء هذا الهرم الشامخ ،واستقبلني مع زميلي الراحل طالب القرغولي كبير ملحني زمانه، عام 1985 في القاهرة. تأملت الصورة وانا في حضرة الاستاذ محمد عبد الوهاب: ماذا سيسأل الجيل القادم بعد عقود وهذا الهرم الكبير شامخ وراسخ في ذاكرتهم.. من هذا الذي يجلس بجانبه؟ وأتمنى جواباً واحداً: هذا فنان من العراق، هذا الجواب سيكفيني فخرا، فأسم وطني ذكر وانا في رقدتي مقترناً باسمه ..لا شيء اسمى من هذا الارتباط الحميم".

ويبدو هذا المعنى المقتصد " يكفيني فخرا انني فنان من العراق"، وقد شكّل ما يشبه المصير لمسيرة في الغناء والتلحين والتربية والتأسيس، ففاروق هلال، وبعد ان تولى، وباستحقاق، ادارة "الشؤون الموسيقية" في البلاد، وفي وقت عصيب تمثله مرحلة ما بعد كارثة حرب الخليج الثانية 1991،  قدم بصوته وموسيقاه  انشودة "بلدي"، ومعها، كما يقول "كنت ادخر الآمال لزمن رافقته بحميمية بالغة ولم يستجيب لي ولحد الان حتى وصل بي الامر ان اكون ضحية له حين اقدمت على تسجيل انشودة "بلدي" التي خلت من كل التوصيفات المقررة"(3)، في اشارة واضحة الى انها كانت انشودة تخلو كليا من اي حفاوة مباشرة ام غير مباشرة برمز السلطة حينها وزعيمها الاوحد.

هوامش

 (1): "فاروق هلال يوثّق مسيرته في نصف قرن بكتاب نفق الأسماء"، مقالة لرياض المحمداوي، جريدة "الزمان" 20 آب (اغسطس) 2014.

(2): بقلم فاروق هلال.. من صفحته على "الفيسبوك".

(3): رسالة شخصية الى الكاتب من الفنان هلال.




 
الاسم البريد الاكتروني