صدأ ٌ... في الماء

مقداد مسعود/ البصرة
الدكتورة فوزية الدريع .../ صلوات على دجلة والفرات 
                                               

تابعتُ الدكتورة فوزية الدريع من خلال برنامجها ( سيرة الحب ) في فضائية  (الراي ) وقرأتُ من مؤلفاتها الغزيرة ،ثم إلتقطت ُ ثلاثة من كتبها : القبلة / الرائحة والجنس / اللمس .. ونشرت ُ مقالتي ( نقوش على الورد ) في مواقع النت منذ سنوات ثم  في كتابي  زيادة معنى العالم -  قبل أيام أستوقفني كتاب ٌعلى رصيف شارع الكويت في مدينتي البصرة، لدى بائع كتب : ( صلوات على دجلة والفرات ) تصورته كتاباً ضمن حقلها المعرفي الذي اعتدنا عليه، وكانت المفاجأة : رواية  للدكتورة فوزية الدريع ورواية كبيرة 351 صفحة ..
(*)
أن ينتقل مبدع من حقله التأليفي الرئيس الذي اعتدنا عليه، إلى حقل تأليفي آخر،  فهي إنتقالة لاتخلو من مغامرة، كنقلة الممثل السينمي الذي عودنا على دور شخصية إجتماعية يظهر من خلالها على الشاشة لسنوات طويلة، كيف يستطيع الممثل أن يغير  تلقينا الثابت عنه ؟ ثانيا أي جهد على الممثل أيضا أن يبذله حتى ننسجم مع دوره التمثيلي الجديد...؟  والسؤال نفسه في حقل المعرفيات : أي جهد على دكتورة  فوزية الدريع وهي بإمتياز كأخصائية نفسية في جامعة الكويت وفي مستشفى الطب النفسي في الكويت وكاتبة صحفية ومستشارة في العديد من الصحف والمجلات الأسبوعية .. أي جهد عليها أن تبذل على مستوى تقنيات الكتابة، لتتخلص من أسلوب الإجراء العلمي ، وأسلوب السرد الاعلامي المباشر، وتوفير عزلة ٍ بعيدا عن كل هذه الأجواء المتحركة، من أجل الدخول في غابات السرد وفتنة الإنصات إلى حيوات محتدمة تعوم في الفضاء الروائي ..؟!

(*)  
حين أنتهيتُ من قراءتي الأولى، أعني حين ألتهمتُ الرواية في ليلتين، شعرت أن المؤلفة  وفرّت في روايتها نسبة عالية من أسباب التشويق السردي وكمواطن عراقي بصري الجذور ( نسبة للبصرة ) إنفتحت مخيلتي على شخصية ( حيدر) الذي هو قسيمي في المكان والآيدلوجيا : البصرة والإنتماء للحزب الشيوعي العراقي .. والشخصية الشيوعية الروائية كانت مقتصرة على أعمال نجيب محفوظ وغالب هلسا ورشيد بوجدرة، ثم حيدر حيدر،وبشكل وامض في ( النخلة والجيران ) من خلال رسالة سجين في نقرة السلمان وحتى رواية شاكر خصباك ( الحقد الأسود) التي تتناول تجربة سجناء شيوعيين بعد مجازر إنقلاب 8 شباط 1963 لاتسمي الهويات باسمائها لكن في رواية ( الضفاف الأخرى ) للروائي الكويتي / العراقي يتناول شخصية ( كريم الناصري) الشيوعي الموّقع على ورقة البراءة أثناء مجازر شباط 1963 في رواية ( الوشم ) للروائي عبد الرحمن الربيعي .. ويقوم الروائي إسماعيل تخليق أبعاد ٍ أخرى لشخصية بطل رواية الوشم ...
وهذه  هي المرة الثانية – حسب إطلاعي على الرواية الكويتية -  يبزغ  ظهور شخصية شيوعية في رواية كويتية، الظهور الأول كان على يد الروائي وليد الرجيب في روايته ( أما بعد ) والتي تدور حول شخصية كويتية يهودية ( يعقوب داود عزرا ) ..
(*)
( صلوات على دجلة والفرات ) رواية مكتظة بكل ماهو جميل وموجع .. تتشابك خيوط السرد وتتقاطع ولكن لاتنقطع حتى الصفحة الأخيرة .. يلتقط السرد عينة من مستقبل الكويت :
( في طاولة حميمة في مطعم رائع جلس الأربعة : ( خالد ) و( عادل ) و( أنور) و( أنيسة ) . كل واحد منهم يحمل تطلعاته وأحلامه لغد أفضل . أربعة تجمعهم روح واحدة أساسها المرح . حبهم لبعضهم البعض ورغبتهم بمجتمع كويتي متفتح . / 21 ) كان يخطط لحياة أجمل هذا الرباعي الإقتصادي الكويتي :( دراسة الاقتصاد كانت السبب في هذه الصداقة درسوه في صف واحد،  ويعرفون بأنهم جميعا قد يكونون عاطلين عن العمل في بلد لايفكر بكيفية الاستفادة من أبنائه .. / 29 ) هؤلاء الأربعة سيقوم غزو طاغية العراق لدولة الكويت بإنتاج سردٍ خارج التوقعات لحياتهم .. سيقيم لهم وللكويت أعراس دم .. وهذه الأعراس الدموية، تقدم قراءة أخرى للبعض مثل قراءة العارف الروحاني ( روجر جبرائيل ) في حواره مع ( خالد )، حيث يخبره روجر حول الغزو ( أظنكم تمنيتموه ..! /14) فينتفض خالد ( هذا شيء لايصدق، كيف لهم أن يتمنوا الاحتلال ومآسيه لبلدهم المسالم !../ ) ومع استمرار حوارهما يخبره روجر( الفكرة طاقة، وقوتها تكون بفعل اللاشعور . أظن تأييدكم لحرب ( صدام حسين ) على إيران وبفعل الطيبة الفطرية في داخلكم، خزن َ اللاشعور إحساس الذنب، وهذا يحمل في ثناياه رغبة تعذيب الذات بالمثل، لاشعوريا ربما أردتم ذات الأذى .. / 149 ) وإذا كان كلام روجر مسلفن بكياسة دبلوماسية، فأن الجندي  العراقي، الرافض للحرب في الكويت واللائذ في بيت كويتي، ثم ينقلونه الجندي المسكين إلى بيت ( خالد ) الكويتي  ليتسلى خالد بتعذيبه ؟ فأن هذا الجندي، يكون أكثر شجاعة في الإجابة :( كرمكم ل،صدام، ونظامه، ونحن لم نحصل منكم إلا زيادة في جبروته وطغيانه / 198) ..
(*)
( زينب ) : علوية بصرية متزوجة من رجل كويتي وبالكويت يلوذ ( حيدر): الشيوعي العراقي شقيق العلوية، مع بداية الغزو يكون أول المنخرطين في المقاومة  الكويتية...أن رواية ( صلوات على دجلة والفرات ) : هي رواية مشروطة، بالغزو فهو مهيمنة الرواية، ولهذه المهيمنة مرتكزاتها : منها  تماهي الهويات في هوية إنسانية كبرى والأمر ليس سهلا بل هو السؤال الرئيس والمبثوث في الصفحة الأخيرة من الرواية على لسان ( جميلة ) : ( كيف سأذهب معك إلى الكويت ؟ هل سأدخل عراقية، أم روسية، والكويت مازالت تنزف كراهية مما عانت / 351 ) وحين يجيبها خالد : ستدخلين ( جميلة ) تسأله  : جميلة عراقية . هل تحتمل الكويت عروسا عراقية ) فيمسك خالد بكلتا يديها على صدره  ويقول : وحده الحب سيمحو كل الفوراق والجروح وكل شيء بأوانه / 351 ) ..
(*)
( صلوات على دجلة والفرات ) هي رواية الماء وهو من الشخصيات الرئيسة في الرواية، بل هو الوتين .. ( مياهكم ومياههم مريضة منذ زمن طويل ياصاحبي . والآن بفعل هذه الحرب ستمرض أكثر. آه كم ابتلع بحركم من أنّات وأرواح في الغوص، وكم ابتلعت أنهارهم بشرا وسفنا وحبرا وفضلات، حبر العلم الذي أذابه التتار ليمحو من العالم مساحة علم ونور.. الله أعطاكم خيره مياه، لكنكم لوثتموها، القادم هو حرب الماء .. انظر أين تنظر إسرائيل ياعربي / 171- 172 ).. ومن خلال الماء تنهض إتصالية المحبة الأممية الكبرى للسلام ويتجسد الماء بشخصية عابرة للقارات والأديان ..
(*)
( روجر جبرائيل ).. شخص إنتقل من كينونة مدّمرة إلى صيرورة بمرتبة مثال أعلى فيها من زهد الحكمة الهندية وتعاليم التاو الصيني ونواميس الديانات السماوي :( حياته فيلم سينمائي طويل . حياته كان بها غضب، كان بها شهوات، كان بها عشق جسد، كان بها مخدرات، كان بها وكان بها . لكنها توقفت منذ ثلاثين سنة ليكون بها ساكن واحد هو السلام . لحظة الصفاء هذه، خلوة يحتاجها ليرتب داخله، بعض الحزن يجب أن يذهب .. / 117 ) 
(*)
هي رواية ذات خريطة واسعة تبدأ بالكويت فالبصرة  - روسيا بعد خيانة غورباتشوف وعصبته – تركيا- كوردستان – كربلاء – بغداد – ثم العودة إلى الكويت لتكتمل الدائرة الروائية ..
(*)
الرواية لاتكتفي بتناول غزو الكويت، فالغزو ينتهي مع الصفحة 243، ثم تتراجع الرواية للصفحة الاولى / للفصل المعنوّن ( هل أفتح الرسالة ) وهذا الفصل أستباقي، منتزع من ص253 التي فيها يتم فتح الرسالة، فالفصل الأول هو فصل سلام بعد غزو وإحتلال ومقاومة وحرب ..خالد ( هو ابن سلام تخرج من الحرب .. وهل إطالة الانتظار ساعة سيعطي أكثر ما أعطته مدرسة الصبر سبعة أشهر ../ 5-6 ص ).. وماتبقى من الرواية أعني من 253- إلى 351 هي رواية البحث عن إبنة الشخصية الشيوعية حيدر .. والعلاقة بين حيدر وخالد هي علاقة الخال وإبن الأخت، وقد أجادت المؤلفة في توظيف شخصية العلوية  زينب أم خالد ووفرّت لها كل مفردات أهل البصرة ..
(*)
 شرط فتح الرسالة مثبّت على المظروف  : ( أمانة لاتفتحها إلاّ حين أقتل ) الشرط واضح، لكن الإلتباس لدى خالد في جهة لغوية .. ( ووقف عند كلمة ،، أقتل ،، كيف كان خاله متيقن بأنه سوف يُقتل، ثم لماذا لم يقل أستشهد ./ ص5 ).. وينخرط حيدر الشيوعي البصري العراقي في المقاومة الكويتية :( يقود مجموعة من شباب المقاومة يصنع قنابل بدائية من القناني الفارغة ../ 64 ) وحين تسلم أنيسة الرسالة إلى خالد تخاطبه ( أسلمك هذه الرسالة بشكل شخصي وخاص ) ثم تستدرك ( استغرب الجميع من هذه السرية .. ) والمكتوب على المظروف في هذه المرة أكثر وضوحا .. ( هذه الرسالة أمانة لاتفتحها ياخالد إلا إذا قُتلت ../64 ) .. في ص177 يقوم أنور بإخبار خالد ( التفاصيل ليست مهمة، النتيجة هي الأهم، العم حيدر قد استشهد ) . ثم يتوقف البث السردي في هذا الحيز من الفضاء الروائي، ليواصل بثه في العلاقة بين :
* آمال وخطيبها رياض
* محاورات روجر جبرائيل وخالد 
* مقتل أنيسة
* تعذيب خالد للجندي العراقي ،الرافض للقتال ضد الكويت 

(*)
خالد العاشق لشخصية الطاغية، مع الغزو، صار يكره العراقيين كافة، فهو هو في الحالتين مندفع بكل عمى البصيرة، هنا يقوم روجر جبرائيل بتصحيح بصر خالد وهو يضرب مثلا معرفيا حول الصبر المعرفي لدى العراقيين ، من خلال شخصية العلامة مصطفى جواد رحمة الله عليه ،وكيف استطاع حفظ كتاب بحجم ( 530 ) صفحة، على مدى سنتين، فهو يقرأ ويحفظ صفحة كل يوم ويذهب للبيت ويثبتها في دفتره .
(*)
إذا كان الفصل الاول في الرواية بوظيفة إستباقية، فالأمر يشمل الفصل الثاني كذلك ( الشاطىء/7 )، فالغاطس في ماء البحر والمتهم بالجنون من خلال حركاته وغمغماته، والمجهول الهوية سيتعرف إليه بتوقيت واحد : خالد وكذلك قارىء الرواية  في ص73 ( هذا هو روجر جبرائيل ) وسنبقى مصغين له حتى تحرير الكويت / ص250 .. وفي الصفحات الأخيرة سنجده في نهر دجلة، يفعّل نصف ثريا الرواية وهو يؤدي صلواته في نهر دجلة .. ( السلام عليك يانهر دجلة . السلام على رفيقك الفرات . عذبكما التاريخ كله عذبكما غلاظ القلوب وطغاة الحياة ( هولاكو ) صبغكما حبراً../ 349 )
(*)
تنتهي الرواية ويبقى في سماء ذاكرتي ( روجر جبرائيل ) وستقوم بيننا صداقة ورقية، لكن عميقة جدا، سألوذ به في حالكات الذئاب ..
*المقالة منشورة في طريق الشعب  :7/ 11/ 2016
*فوزية الدريع / صلوات على دجلة والفرات / دار مدارك / ط1/ الأمارات العربية المتحدة / 2012
*مقداد مسعود / زيادة معنى العالم / دار ضفاف / ط1/  الإمارات العربية المتحدة / 2012 /  نقوش على الورد – آليات الكتابة / الدكتورة فوزية الدريع../ ص87 





 
الاسم البريد الاكتروني