ازياء على خارطة الأزمنة

عالية كريم
 /site/photo/9563
 
تكشف البقايا الآثرية التي وصلتنا من حضارات العراق القديم، سومر وبابل، عن التنوع والتعدد في ازياء الانسان العراقي القديم، ومدى ماعكست هذه الازياء من عمق الوعي الذي تمتع به انسان بلاد الرافدين الذي صمم ملابسه باشكال وانواع عديدة استلهم من خلالها مؤثرات البيئة وطبيعة العلاقات الاجتماعية والدينية، وقد ابدع هذا الانسان ايما ابداع في براعة ودقة التصميم، سيما في ازياء الملوك والنساء .
عكس زي المرأة العراقية القديمة، نسقاً فنياً وجمالياً متكاملاً ومتوازناً، يظهر المرأة بمظهر آخّاذ، وخاصة عندما اضيف الاهتمام بخلق مكملات لهذا الزي، كوضع الاساور، الاقراط، القلائد، والاطواق، ولعل من شاهد الزهرة السومرية التي كانت تتزين بها المرأة من خلال وضعها على الرأس، عرف التميز الفني والدقة المتناهية والجمال المتناسق، وكل هذا يتشكل بواسطة طوق تعلوه زهرة ناتئة من الوسط يقف الى جانبها غصنان، وهذه الكتلة القرنية كانت عادة ما تقترن بالآلهة عشتار ربة الحسن والجمال، كما اظهرتها المصورات والمنحوتات الرافدينية .
 
 /site/photo/9562
 
استمر تصميم الازياء والاكســـسوارات بالتطور، والتأثر بالبيئة، مروراً بالعصور البابلية التي استلهمت الموروث السومري استلهاماً شمل تأثيرات ملامح الثقافة السومرية بوصفها بنية ثقافية غذت البعد الحضاري للثقافة البابلية، اذ كانت المرأة البابلية تتزين بالوشاح الذي يلف الكتفين لينثني الى ما تحت اليدين، لافاً خصرها وعادة ما يكون لون هذا الوشاح أبيض او احمر .
وكان رداء المرأة البابلية يمتد حتى يصل أعلى القدمين بقليل، وهو ضيق في منطقة الخصر والورك ويتسع من الاسفل ليتيح سهولة في الحركة . وهو بذلك لا يختلف كثيراً عن الزي السومري الا بحدود موضع وشكل الازرار والمكملات الجانبية .
 
ومع حلول الحضارة الاسلامية تغير الزي الخاص بالمرأة المسلمة عموماً والمرأة العراقية بشكل خاص، اذ كان التغيير في هذه المرحلة شبه جذري وشكل قطيعة مع زيها الموروث، فأخذ يميل الى البساطة والتقشف وقلة التفنن، اذ كان الرداء في هذه المرحلة عبارة عن جبة واسعة تغطي جميع جسد المرأة، وهو فضفاض بما يتلاءم وعدم ابراز تقاسيم الجسد، فضلاً عن الوشاح الذي تلف به المرأة رأسها واحيانا تغطي به نصف وجهها السفلي .
 
/site/photo/9565 
 
وعند تطور الحضارة الاسلامية من خلال عمليات الفتح الاسلامي، تأثر الزي الاسلامي للمرأة العراقية بفعل الاحتكاك الثقافي والنمو التجاري مع حضارات فارس والهند والشرق الاقصى، فأخذ هذا الزي الاستفادة من ازياء هذه الحضارات، وقد تميز هذا الزي بسعة الاكمام وتبطين باطن الكتفين والتضييق في منطقة الخصر مع اعتماد الاحذية ذات الكعب العالي نسبياً . وقد وصل الزي الاسلامي اوجهُ في التطور بعد فتح الاندلس، اذ عادت الالوان البراقة لتعكس ذلك الطابع الحضاري الذي وصلت اليه الثقافة العربية الاسلامية بفعل تأثرها اولاً بالبيئة الخلابة لبلاد الاندلس وثانياً شيوع انشطة الاقتباس من ازياء السكان الاصليين لبلاد الاندلس .
ومع بدء الحركات الاستعمارية صوب الشرق، دخلت الحياة العراقية في نمطين متناقضين تمثل النمط الاول في شيوع ظاهرة التخلف الاجتماعي الذي بدأ في العراق منذ بدء ما عرف بـ ( عصور الانحطاط ) بعد سقوط بغداد عام 656 هـ. ومع بدء ما عرف ( بعصر النهضة العربية ) وتجلى طابع التخلف من خلال نكوص المجتمع العشائري الى اعماق البداوة، والنمط الثاني – صعود طبقات اجتماعية من حواضر مدنية لتندمج في فضاء الحداثة الغربية، وبهذين النمطين تأثر زي المرأة العراقية، فمع نكوص جزء من المجتمع باتجاه قيم البداوة اخذ زي هذا القطاع يأخذ طابعاً وضيفياً اكثر منه جمالياً حتى انتهى الى انجاز العباءة العراقية النسوية الشائعة حتى الآن، فهي اشبه بخيمة سوداء واسعة تلف المرأة عدا وجهها الذي تغطيه عادة بما يعرف في موروثنا الاجتماعي ( بالبوشي ) .
وبالمقابل اخذت الطبقات الاجتماعية التي تأثرت بنمط الحياة الغربية باستيراد الزي الغربي ومحاكاته فظهر في الحياة الاجتماعية العراقية ما يعرف بالمرأة ( السفور) وأصبحت المراة تقلد الغربية في زيها فلبست التنورة والسروال والقميص باشكال وهيئات مختلفة وكشفت عن وجهها وشعرها وزينته باطواق وورود وكلابات عديدة الألوان والتصاميم .
 
 /site/photo/9561
 
وعن زي المرأة الكردية في العراق، فقد كان زيها يعكس عاملين، الاول: عامل الموروث الفلكلوري الذي يعبر وبكل صدق عن خصوصية الثقافة الكردية وعمقها الموغل في بنيات ثقافية تمثل كل الموروث الانثربولوجي لمنطقة كردستان .
اما العامل الثاني فتحكمت به عوامل تخص جغرافيا كردستان وطبيعتها الطوبوغرافية، فجمال الطبيعة وتنوعها اخذ ينعكس في تصاميم والوان زي المرأة الكردية، فالالوان القوية تعبر عن قوة الوان الطبيعة، اما بالنسبة لازياء المرأة الجنوبية التي اتجهت في زيها نحو الالوان القاتمة ( السوداء غالباً ) فقد عكس البنية الحزائنية لمنطقة عانت من اضطهادات سياسية لاكثر من الف عام معززة بذلك الطابع المتوارث لاحتفالات التعازي الكربلائية في طقوس عاشوراء والمواكب الحسينية فاصبح السواد جزءا من البنية الفلكلورية لمناطق وسط وجنوب العراق، وثمة عامل آخر يتصل بانعكاس شكل البيئة على زي المرأة الجنوبية، فهي لا تشاهد سوى المسطحات المائية ولون القصب والبردي وهذا ينعكس بدوره دلالياً على زي نساء المنطقة .
ويبقـــــى من الصائب الاعتقاد بــأن المنطــقة العراقية كانت مــن اغــــنى منـاطق العالم في نشوء ذلـك التنوع الغني وسيادة ثقــــافــــة الازيـــــاء، وكان تاريخ الازيـــــاء العــــراقية النســـوية تحــــديداً، يعكـــــس التنوع الثقــــــافي في عمق الحياة العـــراقية وامتدادها المتزايد على خــــرائط الازمنة .
 
/site/photo/9564  
 
ان الأزياء، ككل جوانب ثقافتنا الوطنية بكل تنوعاتها، تعرضت الى الاهمال والاحتقار باعتبارها مرتبطة بالتخلف، فتم الاستعاضة عنها بالازياء الغربية، والغريب ان  الكثير من هذه الازياء تم اقتباسها من قبل دور الازياء الغربية، لكي تعود من جديد الينا على انها غربية. كلَفَّة الرأس النسوية مثلاً، والتي اقتبست من شكل العقال والعمامة الآشورية . او من ما يسمى ب ( الجرغد ) الذي تلف به امراة الوسط والجنوب راسها .

هنالك شعوب لا تقل ضعفا و( تخلفاً ) عنا، إلا انها تمكنت من التمسك بأزيائها الوطنية مع تقبل الازياء الغربية . وتعتبر المرأة الهندية افضل نموذج، بحيث بقي الساري الهندي زيا لكل طبقات المجتمع بما فيها الطبقة المثقفة والعليا، بل ان احترام هذا الزي فرض نفسه حتى على النساء الغربيات فشاع بينهن بكثرة .

منذ اعوام السبعينات جرت محاولات في العراق من اجل رد الاعتبار للازياء العراقية من خلال تأسيس ( دار الازياء العراقية )، لكن المحاولة ظلت مهمشة ومحدودة جدا، وظلت محكومة بعقلية استغرابية تتعامل مع الازياء المحلية كأشياء ديكورية مثل الحيوانات المنقرضة تستحق الاحتفاظ ببعضها في اقفاص خاصة!! فكان تصميم الازياء لا يهتم بالجوانب العملية بل فقط بالجوانب الشكلية المفتعلة، ولم تبادر اية جهة رسمية الى محاولة ادخال هذه الازياء لدى العاملين فيها. ظل الزي المدرسي والجامعي العراقي زيا غربيا، وظل زي المضيفات والمضيفين زيا غربيا، وظل زي المنتمين والمنتميات الى سلك الجيش والشرطة، زيا غربيا.. 

عموما تميزت أزياء المرأة العراقية منذ إن نشأت الحضارة في العراق القديم مرورا بالمراحل الآرامية والاسلامية وحتى اوائل العصر الحديث، بأنها محتشمة ومنوعة تحمل سمات البيئة المحلية . ويمكن بصورة عامة وغير دقيقة ان نحدد التنوعات حسب المناطق المحلية :
* زي المناطق المحيطة بالنهرين، ابتداءا من الموصل حتى البصرة، بل يمتد هذا التأثير العراقي حتى سواحل الخليج العربي. واهم مفردات هذ ا الزي هي العباية والفوطة والجرغد، ويطغي عليها اللون الاسود . 
 
/site/photo/9566 

* زي النساء في المناطق الجبلية، وبالذات النساء الكرديات والسريانيات، التي تحدد في قرى الموصل وعموم شمال الوطن. ويتميز بخلوه من العباية السوداء مع وجود الثوب الطويل العريض بألوان زاهية، وتتميز المرأة السريانيةعن الكردية بأنها ترتدي العمامة الخاصة . من الواضح وحسب اللوحات الآثارية أن الزي ( الشمالي ) موروث اساسا من الازياء الآشورية في العراق القديم .

* زي نساء الحواضر القديمة، وموجود لدى نساء الحواضر العراقية القديمة من الموصل حتى البصرة، وهو عموما يسمى ( الكوفي ) وهو ثوب طويل وعريض مع تطريزات فنية جميلة. ايضا كما يتضح من اللوحات الآثارية القديمة ان هذا الزي وتطريزاته مورروث من الحقبة البابلية .

* زي المرأة في مناطق الفرات الاعلى، ويخلو احيانا من العباية مع ثوب طويل عريض ملون قريب الى الزي السرياني والكردي .
 وطبعا هنالك ازياء محلية عديدة، منها:
الهاشمي الذي ظهر في العصر الإسلامي  وتنسب تسميتة الى بني هاشم وهو ثوب واسع طويل من قماش رقيق مطرز بخيوط الذهب بزخارف واشكال مختلفة .
الصاية ثوب طويل بأكمام طويلة عريضة مفتوح من الأمام ويلبس فوق فستان بدون اكمام ومفتوح الصدر وتزم الصاية عند الخصر من الامام بكلابة .


   




 
الاسم البريد الاكتروني