"رجعت الشتوية": وردة النسيم في تشرين بغداد الجميل

علي عبد الأمير عجام
في مقدمة موسيقية تعتمد التعبير عن حركة ديناميكية للقطار، تبدأ مسرحية "المحطة"، التي قدمها الرحابنة للمرة الأولى على "مسرح البيكاديللي"- بيروت في العام 1973، ومن ثم انتقلوا بها إلى دمشق، يوم كان معرضها الدولي يوفر فسحة، بل حدثاً فنياً رصيناً يهفو إليه أهم النجوم العرب .
وهاهي ثلاثة وأربعون عاما تمر على عمل يحتفي بالحرية والحلم، ليس في متن الحكاية المسرحية فحسب بل أنغامها الموسيقية الرفيعة -تلحيناً وغناءً- أيضاً. مثلما هي ايضا ثلاثة وأربعون عاما تمر على أول يوم دراسي جامعي لي، وبين المناسبتين أكثر من وشيجة تعني الكثير في مسار حياتي الشخصي والفكري.
"المحطة" تقوم على فكرة عميقة، وهي أن المشغول بالحرية والتغيير هو الذي يدفع ثمن حلمه الشخصي، فيما الآخرون يركبون "موجة" الحلم، ويبقى هو وحيداً، مشغولاً بتعويض إحساسه بالخسارة، عبر فكرة مثالية -على الأغلب- هي "الإيمان الساطع" بحلمه وقيمته التجديدية، كما يلخص ذلك أبرز أغاني المسرحية الموسيقية.
وفي حقل تبدو الحياة وقد تسطحت أبعادها فيه، ثمة "وردة" (تؤدي فيروز دورها) تبدأ إثارةَ حلم مغاير لإيقاع الحياة الحزين: حقل الزرع، محطة، ولا بد من قطار ما سيأتي. هذا يدغدغ الأحلام ويوقظها، ليكشف بحسن إدارةٍ للحكاية المسرحية تولاها برج فازليان، مسارات السلوك البشري، التي تبدأ من الغطرسة (عند رجال السلطة) ولا تنتهي بالتزييف (عند اللصوص والدجّالين)، وما بينهما القبول بالمصائر حتى وإن غامضة (القبول بفكرة القطار عند عامة الناس، والسعي إلى تأمين مقعد في عرباته بأي ثمن).
موسيقياً، يمكن التوقف في استعادة «المحطة» عند أغنيات ما انفكت تلتمع كجواهر روحية نادرة، ففي البدء ثمة «ليالي الشمال الحزينة» بتوقيع شعري وموسيقي من عاصي ومنصور الرحباني، وفيها يرحل صوت فيروز عابراً الحزن نحو أماكن الحلم، بل هي ضمن موقعها في المسرحية، تمهيد للحلم بالرحيل، لـ «سفر الطرقات» و «طريق غياب»، في نسيج من الحب واللوعة والذكريات «الحزينة».
وفي حين كانت «ليالي الشمال الحزينة» نداء استهلالياً عن حلم بالرحيل، تأتي أغنية «رجعت الشتوية» بلحن يصعد فيه الرحابنة إلى مصافٍ تعبيريةٍ نادرة وعبر لحن لا يستغرق أكثر من 3 دقائق. إنها أغنية الحلم والأسى والأشواق واستعادة الليالي الحزينة في الشتاء، ضمن لحن يتساوق مع تحولات الروح، ترجمته أنغام البيانو بأعذب ما يحتفي به النص من تصوير للمشاعر.

/site/photo/9461


أنا هنا بقصد الحفاوة ليس بالأغنية فحسب، بل تأثيرها الواقعي، قدرتها على تهذيب المشاعر واستثارة الرقة واللطف، أي وردتها، التي عنت لي وتحديدا منذ العام 1974، حين كانت تبدو ملازمة للصباح الدراسي في فترات الخريف بتشرين بغداد الجميل، فهي كانت اشارة الرقة اليومية عبر اذاعة كليتنا قبيل بدء اول الدروس في الثامنة والنصف.


ذات صباح تشريني في العام 1974

كنا نسند ظهرنا للجدار العالي المقابل للنادي (القديم) وتبدأ الوجوه بالتلاقي والاستبشار خيرا ومودة ومسرة، فيما العلامات الفيروزية تبث الوجدانات والأشواق. ها هي اللحظة ذاتها كأنني أعبر اليها الآن، كأنني للتو لاقيت أمين علي عودة، لوّحت سريعا لحميد الربيعي، وشاركت عزيز علي أكبر سيجارته فيما شاركني كوب قهوتي النسكافيه، كأنني الآن أحمل كتاب "ثلاث قصص حب" لتورجنيف وكأن كنزا بين يدي وأقدمه الى هناء جعفر، كأنني أصبّح برضا وامتنان على باسم العضاض، وأذرف دمعة لأحزان مبكرة كانت تمشي مع عدنان (أنهته اخيرا في موته)، كأنني أضحك بطريقتي المجلجلة مع صكبان، كأنني الآن أستل "طريق الشعب" من يدي تحسين حسني وأهرب الى الممر الجانبي كي أدخل قاعة الدرس الأول... آه كم وقفنا ذات يوم ملوحين للأمل، وإن كنا نشعر بغصة ألم، كنا إحتمالات، و مسارات، كبرنا في مطارح مختلفة، شهقنا كثيرا وتهدجت اصواتنا مرارا، مرحنا مع الصباح وهو يضيء أكتافنا، وابتهجنا رغم ان الغناء شجن يأتي من "رجعت الشتوية".




 
الاسم البريد الاكتروني