عراقيو ستوكهولم يناقشون غراميات الخطيب*

ستوكهولم ـ العالم
/site/photo/9470
ندوة العراقيين الأدبية المنعقدة في العاصمة السويدية ستوكهولم أواخر تشرين الثاني لعام  2016 لمناقشة رواية برهان الخطيب الأخيرة (غراميات بائع متجول) يتحدث فيها عدد من المثقفين هناك، عن مبعدة يشاركهم آخرون بإرسال كلماتهم، من بغداد السيدة مروج حسين، الباحثة الأكاديمية التي لها دراسة ماجستير بعنوان "الفضاء الروائي في أدب برهان الخطيب".. من حلب د. صالح الرزوق، الذي له عدة دراسات منشورة في الصحف ومواقع النت عن الفن الروائي وغيره، ومن الإمارات د. حسام زوين..  
الشاعر محمد المنصور يفتتح الأمسية يقول في تقديم الروائي برهان الخطيب: كاتبنا غني عن التعريف، هو من جيل كتاب التنوير والتجديد في ستينات القرن الماضي، الذين التزموا كلمة (لا) لرفض الخنوع السياسي وانكسار الذات أمام العوائق، ليسمو الإنسان عندهم على كل الحسابات، يعلو الوطن لديهم فوق كل المسميات، ذلك الهاجس يلازم برهان الخطيب منذ كتابة مجموعته القصصية الأولى (خطوات إلى الأفق البعيد) على إيقاعات نكسة حزيران عام 1967 حتى (غراميات بائع متجول) الصادرة من مصر مؤخرا، أي الرواية مدار حديث اليوم وعنوان أمسيتنا الراهنة، إلى ما بينهما من أعمال قصصية وروائية في خمسة عشرة رواية ومجموعتين قصصيتين، إضافة الى عدد من الروايات والدراسات المترجمة عن اللغة الروسية تبلغ أكثر من اثني عشر كتاباً، مع حزمة من المقالات والكتابات النقدية في العديد من الصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية. تحت الطبع له رواية (الحكاية من الداخل) وكتاب (الرواية والروائي)، الخطيب مرشح إلى جوائز عالمية وعربية، في إحدى مقابلاته للصحافة يصرح: للمهجَر أو للمغتَرَب وجهان ظاهر وخفي، الأول مبهرج الثاني كالح، حياة المهجَر تكشف لي عن وجه شنيع أحياناً مع صعوبات وضغوط حاولت كسري.. أمامك التأقلم والذوبان أو الصمود أمام الصعوبات والضغوط ومجابهة احتمال التحطم .. خياري هو المجابهة وتجديد النفس بدلاً من تذويبها أو تحجرها.. هنا لابد من استخدام سلاح الثقافة درعاً واقياً أمام سهام الغربة وتياراتها، فالهرب من فجيعة الوطن لا ينبغي أن يجعلنا نسقط في فجيعة الغربة..
 الأستاذ سعد شاهين رئيس رابطة الأنصار العراقيين في السويد يتناول الخطاب من المنصوري يركز انتباهه على رواية الخطيب موضع النقاش والاحتفاء، يوجزها يصف بعض أحداثها، يحللها، يقول: انني هنا اتحدث عن الرواية كقارئ.. لقد استمتعت بقراءة الرواية كأدب راق، هي واحدة من الروايات التي تعرّف القارئ بعالم برهان الخطيب الادبي. الشخصية الرئيسية في الرواية هو أصلان العراقي المغترب الذي يقع في غرام هيلين بائعة الخبز الروسية خلال احدى رحلاته الى البلد الذي عاش و درس و عمل فيه اكثر من عقدين من الزمن. أصلان رجل خبرته الحياة، مغامر، عاطفي الى حدود بعيدة. بعد مغتربه الاول روسيا ينتقل للاقامة و العيش في السويد.. يعمل في دار نشر متنقلا بين السويد و روسيا مع تيسر ظروف النشر فيها بعد سقوط السوفيت. شخصية اصلان مركبة، ذلك مرده في اعتقادي الى كونه يتنقل يعيش يعمل في اكثر من بلد عدة عقود. مجتمعات، بيئات مختلفة، تترك أثرها على شخصيته، على قلقها الخلاق، لا تنال من مبادئه أو افكاره الطامحة الى التغيير. لا شك ان اختلاف البيئة و المجتمعات يجعل من هوية الانسان قلقة بعض الشيء، خاصة حين يمتد الزمن به طويلا.
 رحلة أصلان في الرواية هذه المرة الى روسيا وقت انهيار التجربة الاشتراكية و التحولات الدراماتيكية في المجتمع الروسي. انقلاب في المجتمع والحياة بكل معنى الكلمة من خلال التغييرات التي تطرأ على البلاد والمجتمع، على الدولة و الافراد من نواح اجتماعية، سياسية، اقتصادية، عهد انتقال الى مجتمع رأسمالي و بروز و نمو البرجوازية و ظهور الشخصية البرجوازية و طموحاتها الشخصية، ظهور العنف الشخصي وصعوده إلى السطح مؤديا إلى الفوضى التي ترافق التغييرات وظهور العصابات والمافيات وسطوتها.
 في أحد فصول الرواية يصور برهان الخطيب جانبا من تحولات المجتمع الروسي في أسوء حالاته بعد سقوط التجربة الاشتراكية، فقراء يجمعون القناني الفارغة، معوّق حرب يعزف على الة موسيقية ليكسب المال، نساء كُنّ بطلات العمل، قاهرات الفاشية، يتحولن الى متسولات!!! كل شئ تقريبا يتحول الى بيع شراء.. في ضياع.. لا عودة الى الوراء.. لا قدرة على التقدم الى الامام.. من غير فعل حاسم! وصف برهان الخطيب الحياة و تفاصيلها في روسيا يعكس تجربة و معرفة عميقة في المجتمع الروسي.
في هذا الخضم يقع أصلان في رحلته هذه من السويد الى روسيا في غرام بائعة الخبز هيلين، علاقة لا هي ثابتة لا هي عابرة، تدعمها عاطفة عميقة ملتهبة.. رغم ان هيلين متزوجة من رجل روسي مدمن خمر، كذاب، متحايل مع تقلبات الظرف. علاقة رغم مغامرتها تكشف عن توق الانسان إلى العاطفة و التواصل.. علاقة فيها الكثير من الرومانس و الجنس الملتهب والبحث عن مستقبل جديد. 
تتصاعد احداث رواية غراميات بائع متجول كما قمم الجبال التي لا تنتهي فكلما تعتقد انك وصلت القمة تكتشف انك امام قمة او عقدة اخرى. لغة الرواية متدفقة، تفصيلية، تعين القارئ لا على متابعة الحدث فقط بل ومشاهدته كأنه امام فلم سينمائي.
من بغداد تذكر الباحثة مروج حسين في ورقتها الدراسية عن الرواية: 
يُقدِّم الروائي المكان بواسطة الوصف غالباً، الوصف وسيلة اللُّغة في جعل المكان مُدرَكاً لدى القارئ، تجسيده مشهداً من العالم الخارجي في لوحة مصنوعة من كلمات، صورة بصرية تجعل إدراكه بواسطة اللُّغة أمراً ممكناً. الروائي يلجأ إلى الوصف يبذل قصارى جهده يثبت قدرته على أن يجعلنا نرى الأشياء أكثر وضوحاً، يستحضر الأحوال، الهيئات، الأشياء في مظهرها الحسي الموجودة عليه في العالم الخارجي. مستثمرا العناصر الفيزيائية للمكان يتوقف الروائي الخطيب عند صور طوبوغرافية تخبرنا عن مظهره الخارجي دقيقا مبرزا مجموعة من الصفات المختلفة المتنوعة لإبراز العلاقة بين المكان والشخصيَّة، أيضاً الكشف عن الفروق الاجتماعيَّة والنفسيَّة والإيديولوجيَّة لشخوص الروايَّة، وكذا رؤية هؤلاء للعالم وموقفهم منه، ذلك ما نراه في رواية (غراميات بائع متجول) خاصة حين يصور المؤلف مشهد هروب (أصلان) بطل روايته المذكورة مع خطيبته بسيارتها من موسكو إلى الباخرة الفلندية على طريق يصفه المؤلف وصفاً طوبوغرافياً حِرفياً، انحناءات الطريق مع التوغل إلى الشمال، أسماء الأنهـر والأماكن التي يمرون بها، طبيعة النباتات، تغيرات السماء... الإشارات الطوبوغرافيَّة في روايات الخطيب عديدة منها في روايته الأخيرة بين يدينا على سبيل المثال لا الحصر:  
" يرتفع شريط الطريق حينا وآخر فوق أحراش الغابات المجاورة والبعيدة قامة تقريبا، تظهر الاشجار المحاذية ملوثة من عادم السيارات، غبار، على الجانبين جذوع مطروحة، مكسورة، منزوعة أغصان، مستنقعات آسنة، بقايا أمطار ومياه جوفية .. بحيرة مترامية وراء الأشجار البعيدة.. هناك نهر بيازنوفكا الممتد كسولا .. "ص169 
أيضا خذ هذا المقطع: الغـابات حولهمـا تكـلح، تنخفض أحـيانا عـن الطريق، تصير ذؤابـات الأشجـار العالية تحت النظر، شديدة الوحشة، عميقة إلى ما لا نهاية، تهيمن روح النبات على الأمكنة، تدكن محتقنة الخضرة، تميل إلى اسوداد وشك النطق عما يخفيه الصمت بطريقة ما، طرد أنفاس الحيوان والبشر هنا هناك إلى عدم!.. يتجاوز اصلان معها نهر فيليكايا، يمران قرب زاخالوتسكايا، يخلفان مشارف فير وراءهما، الأرض الغابات ترتفع تنخفض تراقص مستوى النظر من الطريق، تظهر حقول مسيجة على الجانبين، إشارات طريق، لا حضور للشرطة، لا عسكر.. منذ أمد بعيد.. يعترف أصلان بعد تردد، بعد تعب من سكوت طويل:  أحسنتِ في اصطحاب المسدس معكِ" ص172
 ذلك يترك أثراً عميقاً في نفس (أصلان) تطفو إلى سطح إدراكهما مخاوفهما الجديدة، طموحاتهما القديمة، حتى أنَّهما عند مرور السيارة على مقربة من موقع (كلين) موطن الموسيقار جايكوفسكي يتذكران أنَّهما زارا ذات المكان، تحديدا يوم الاحتفال بذكرى الموسيقار قبل سنوات عديدة، يتضح أنَّه اليوم الذي التقيا فيه هناك أول مرة، هي صبية كانت.. هو رجل.. يفترقان طبعا، إلّا إنَّهما بعد سنين يجتمعان لا يعلمان أين التقيا سابقاً حتى المرور قرب ذلك الموقع، عنده يستل المكان من ذاكرتيهما دافع لقائهما الجديد، يجمعهما، يجعلهما يواجهان المستقبل في قوة. أيضا تعين الرواية قارئها في مواجهة عالم جديد يتغير شديد التعقيد.
من الشارقة ـ الإمارات يعنون   د. حسام زوين كلمته عن الرواية:  برهان الخطيب الروائي الجوال الذي لم يحظ بالاسـتقـرار.. يقول: 
 في غربة الوطن والشتات نال المثقفون العراقيون قسطهم الاعظم من التهميش والجور والظلم.. من حكم الحزب الواحد القاسي المجحف الخالي من الشفافية والتقييم الموضوعي.. كما خلال الشتات في الاتحاد السوفياتي (الحصن) حيث مجمل التغييرات التي جاءت مع اعادة  البناء ثم السقوط تترك اثارا سلبية على كافة الاصعدة الاقتصادية، السياسية، الاجتماعية والثقافية.. غربة تمتد من و إلى الوطن حيث تستعر الاحلام رمادية او وردية في نزوع إلى تطور، عدل اجتماعي، تتخذ صور اشراقات سومرية بابلية؛ مأساة ما بعدها مأساة، سلطة حزب واحد، انهيار جبهة، اعتقال اخوة العقل، حروب هروب هجرة عقول حالمة سعادة الوطن  لها تداعيات ونتائج مؤلمة تترك جرحا خضبا يئن منه ذو العقل والضمير. 
  برهان الخطيب  روائي جوال منذ بواكيره الأدبية وسط الستينات: خطوات إلى الافق البعيد، ضباب في الظهيرة، إلى السبعينات: شقة في شارع ابي نؤاس، الجسور الزجاجية، الشارع الجديد، نجوم الظهر، حب في موسكو، إلى الثمانينات والتسعينات: ليلة بغدادية، بابل الفيحاء، صيف في اسكندرية، الجنائن المغلقة، ليالي الأنس.. إلى آخرها لا أخيرها: غراميات بائع متجول.. بأجوائها، محتواها، بنائها، متعة منها ثرّة، صورها غنّاء، عبر نوافذ بهية ينقل مؤلفها القارئ  الى مصاف الروايات العالمية والعربية المشهورة التي تجذبنا ايام الشباب والجامعة مما يتاح لنا قراءته؛ ذهب مع الريح، عصفور من الشرق، الـدون الهادئ، لا تزال  طراوتها اخضرارها باقية رغم السنين. رواية برهان الخطيب غراميات بائع متجول، الناشر جمعية نوافذ للترجمة والتنمية والحوار، اصدار 2015 – الطبعة الاولى،  في اربعة فصول أو جولات يرسمها الخطيب على مدى صفحات تتجاوز الثلاثمائة... البناء الروائي مُحكم، على وحدات قياسية مطابقة للواقع والطباع والوقائع، مطابقة للاوصاف والمواقف، وحدات أو لُبنات منحوتة نحت نحات فنان، غنية تفاصيل، ايماءات، حسرات، تنهدات. تفاصيل الحياة الروسية يصوغها في جرأة ودقة، يجمع كل تلك الوحدات في تناغم يغطي اكثر المساحات والمواقع والمراكز الاساسية والجميلة العالقة في ذاكرة الزائر او السائح والدارس، تنشّط الذاكرة سنين، ذلك الحصن المنيع (الاتحاد السوفياتي) ينهض للبحث والفحص والاستقراء. يحق القول ان الرواية جميلة غناء مثيرة لكل الاعمار، جريئة، كأنها العطر الباريسي او العربي الشرقي، يغور في رئة المتابع من على بُعد يجعل المنتظر القارئ الولهان  يقتفي معها اثر حورية بحر، فتاة احلام، على أمل ملاقاتها ليالي.. أياما.. معها تترى أخيلة سكارليت.. مارلين مونرو.. صوفيا لورين... ليف يوهانسون.. كلارك غيبل... تزحزحك من نومك لو تسرح مع الحلم تجرك إلى الواقع... إلى طاق كسرى في الليل.. يهيب بك أن تسبح في عيون شقراء عسلية او زرقاء او سماوية ... حقا.. غراميات المتجول للخطيب اكثر جرأة من أحلامنا.
د. صالح الرزوق يكتب من حلب شهادته عن (غراميات بائع متجول) يذكر:
لبرهان الخطيب مشروع روائي ناجح بعض محطاته نقاط علام في مسيرة الأدب العربي. نقاط العلام تعني نقاط الاضاءة، كل كاتب لديه محطات مضيئة، اخرى عادية او اقل اضاءة، حتى حامل نوبل نجيب محفوظ لديه خط متعرج و اساليب و مستويات، عموما القراء أذواق متنوعة، انا مع هذه الرواية على انها مجددة، متميزة، نقاط العلام تعبير عسكري عن الأهداف غير المقصودة تشير أو تقرِّب إلى هدف مقصود، باعتبار انها تلفت نظر غالبية الناس، مثلا الهدف بيت لكن نقطة العلام شجرة باسقة جواره تدل عليه، يعني توجد محطات لافتة لانتباه معظم الاذواق. الرواية من فترة ما بعد البيروسترويكا و السقوط، تبدل الانظمة، بيننا الغرب كما هو، نظامه مستقر.
الذي يحسم اعجابي بالرواية اول ٥٠ صفحة منها حين تُرسم بدايات العلاقة بين الفتاة الروسية و اصلان، هي صفحات نثرية راقية مونولوجية ممتلئة كالديناميت، رواية (غراميات بائع متجول) تصطدم بجدار المغامرة الروائية في عدة أمور. بعضها له علاقة بمفهومنا المتسامح عن الرواية.. هل هي تسلية ترفيه أم أنها أداة تربية وثقافة. قد تجد الإجابة عن ذلك عند المعلم غراهام غرين الذي يقسم أعماله لا سيما الروايات نوعين: أدب ترفيه منها (رجلنا في هافانا) و(الرجل الثالث). و أدب تحرري يهتم بقضايا إنسانية وفلسفية عامة مثل (قضية منتهية) و(نهاية غرام) وسواها.
(غراميات بائع متجول) تفتح ملف تلك المناظرة الفنية، تدعونا لتقليب النظر في ماضي الرواية العربية وحاضرها. لا ننجرف كثيرا مع العموميات والتهويمات النظرية أقارنها مع (أجملهن) للدكتور المرحوم عبد السلام العجيلي الذي لا نعرف عنه أي تجربة في أدب الترفيه، وإن يقترب في بعض الحالات إلى فن المقامة العربية والقصص الساخرة التي تشبه من قريب أو بعيد نوادر جحا، البخلاء، ما شاكل ذلك. الحق يقال يوجد في (غراميات بائع متجول) سخرية، نكتة السوداء، ولا تجد ولو النزر اليسير منها في (أجملهن). هناك علاقة لا شعورية غير مقصودة بين العملين. يبني برهان الخطيب فكرة روايته على حكاية أصلان العراقي و رحلاته المكوكية بين موسكو للدراسة ثم لبيع الكتب و بين ستوكهولم للإقامة و التجارة. يربط القلق المعرفي بحكاية غرام مع الروسية هيلينا و هي بائعة خبز رقيقة متزوجة من أفاق سكير تسحقه الظروف الجديدة. موازاة الخطيب يتابع العجيلي رحلة استجمام سعيد في النمسا و اللوكسومبورغ، حبه لسوزان النمساوية. تشابه الأفكار يدعمه لاحقا تشابه في البنية أو في الفكرة الفنية لفلسفة العمل كله. كلاهما يراهن على فلسفة وتكتيك صراع الشرق والغرب. حرب الحضارات عند الخطيب بين ثلاثة أطراف: بغداد (أمة العرب الجريحة المتخلفة) موسكو (التي تشهد قيامة سياسية رمزها البيروسترويكا واقتصاد السوق) و ستوكهولم (الوادعة التي تمثل الطرف القوي في الحرب الباردة) لكن العجيلي أقرب إلى الفكرة المعروفة عن التفسير الجنوسي لصدام الشرق الغرب. تتناسى الجانب التنويري في تلك الرحلات يمكنك التوقف عند الترميز الجنوسي للمثاقفة. فالحبكة واضحة ضمن حدود الضرورة، عن شرق مذكر، غرب مؤنث. الشرق يحمل بضاعة الليبيدو أو شحنة الغرائز، الغرب يمارس تسلطه بسيف الأنوثة وإغراءات إستاطيقا الجسد. لا تجد مجالا لمحبة أو لنداء الروح. إنها حرب ضروس في المخادع، ينتقم ابن المشرق لكرامته المهانة الجريحة بركوب النساء.. التعبير الأخير لجورج طرابيشي، تعبير مبالغ به لكنه لا يشكل أي ضرر على أصل الأطروحة. ابن المشرق غريق، ضائع، يتراوح في نظرته إلى الغرب من التبعية المطلقة إلى الرفض الجازم، يستند في موقفه على تاريخه العقلي ومصالح الطبقة التي ينتمي لها.  وباعتبار أن الرواية الحديثة متعددة الأصوات تتوفر فيها أيضا عدة أشكال من التبعية للغرب، التباهي بجوهر الشرق الروحي والنفسي على قول محمد كامل الخطيب في (المغامرة المعقدة) أي ما يؤكد عليه الصيني يان ليانكي في روايته التهكمية (في خدمة الشعب) فركوب عسكري لزوجة آمره عبارة عن تجسيد لمشاعر الانتقام من الضباط الذين يغلون يديه بالقيود و النواهي. 
 هناك شبه اتفاق أن أخلاق المقاومة تبدو غامضة، في عصر التوسع والشركات متعددة الجنسيات مجرد بحث عن الذات في حفرة من العدم النفسي حسب لغة وين جين أويان. تلك كل المسألة. كان لزاما على الرجل المتباهي بفحولته الحرص على مكامن الرجولة والذكورة، النظر للمرأة كفرس طيع، لنفسه كفارس لا يشق له غبار. تلك واحدة من الطرق السلبية في الدفاع عن الذات من الانتقاص. لعل ذلك التكنيك من أهم خطوط التوازي في بنية أبطال (أجملهن) و(غراميات بائع متجول).
فالبطل سائح أو تاجر. البطلة معشوقة يمكن اختصار مؤهلاتها بجسدها، كأنها رمز مدينة الميتروبول. لديها الجمال الطاغي. لديها القدرة على اتخاذ القرار في لعبة الصد والجفاء أو القبول والاستسلام. أصلان في نهاية الرواية يجد نفسه وحيدا بلا هيلينا التي تختار ابنها، بلدها، متروكا لمصيره. قل نفس الشيء عن بطل العجيلي، في النهاية يفترق عن سوزان، تتراجع عن الخطيئة الأصلية تغتسل من أدرانها بالتبرع لخدمة الرب.
 منطق النهايات ينير عقل الكاتب. الموقف الوطني المشرف لهيلينا يعارضه الموقف الروحي الميتافيزيقي لسوزان. غير أن كلتا المرأتين لهما مقاربة إيجابية من الإنسان، إما بأسلوب واقعي أو بأسلوب إيماني. تقطع الروايتان شوطا أبعد في التناظر، في محاورة الواقع. تنتقلان من الفكرة إلى الشكل. توظفان تكنيك حكاية داخل حكاية. الخطيب يفتح نافذة على عالم الذكريات القريبة يقف على أطلال بغداد التي ينهبها صراع دموي. يفرض عليها منعطفا دراميا. يقودها من شمولية العسكر إلى ديمقراطية تخلف وفوضى. العجيلي يدمج قصته السياحية الترفيهية مع ذكرياته عن حب قديم للراهبة ندى، تموت بدورها في ظرف مأساوي وهي تعبر الحدود بين دمشق وبيروت. العجيلي يساوي بين منطق البدايات وفلسفة النهايات، يحوّل مصير الإنسان إلى قدر غاشم مقرر سلفا. كلنا نسير بعيون مفتوحة وعقول مطبقة إلى نفس الحفرة. يبرر ذلك  بضرورة الوصول إلى المعرفة بغير العقل محدود الاستطاعة. ص 113.
ذلك يضع العملين بشكل رأس أمام رأس. النظرة السياسية الاجتماعية الصريحة عند برهان الخطيب. والتفسير الحضاري من فوق الواقع الملموس عند العجيلي المعروف بإسقاطاته الخرافية على شرط الوجود. إن التشرد أو التجول في (غراميات بائع متجول) يتناول الإنسان قبل الأرض، يعادل بين الفكرة العملية والقلب الرومانسي. ربما يقف ذلك خلف أسلوبه المونولوجي الذي يصور أصلان بشكل الإنسان مع قرين بمهارات شكسبيرية عالية. فكائن الظل عند شكسبير يماثله التجريد النفسي عند الخطيب. تلك هي نقطة القوة في الرواية كلها.
في حين أن النظرة السياحية عند العجيلي تضع ستارا شفافا بين الشخصية والأحداث. تبدو لك عواصم الشمال كأنها صور أو أفكار. لا يمكن أن تشعر بلهيب الواقع، اتقاد العاطفة، يغلف كل شيء جو من البرود الذي تخلو منه أعمال العجيلي الأخرى . في (أجملهن) نحن أمام مجسمات لشخوص وليس شخصيات تنبض بالحياة. كل شيء يبدو جاهزا مسبق الصنع. أو مجرد رمز لعنصر غائب عن الوجود. لقد ضاعت عاطفة العجيلي في هذه الرواية بين الأخلاق الشرقية والإطار الغربي.  بعكس الترابط العضوي في رواية الخطيب.
مع أنها توليفة من الرومانس والمفاجآت والغرام والخطيئة فقد هضمت خلفياتها. بمعنى أنها وظفت عناصر من رواية التشويق كما يكتبها جون لي كاري مع عناصر من رواية السلوك والأخلاق كما عودنا عليها غراهام غرين بالإضافة لعناصر من الرواية السياسية ذات المضمون التاريخي التي طور الخطيب فيها رؤيته منذ (شقة في شارع أبي نواس) حتى (على تخوم الألفين). 
بهذه الطريقة أصبح بمقدورنا أن نقترب من روايته هذه من عدة محاور. سواء اتفقنا معها أو كانت لدينا ملاحظات عليها فهي تجربة تستحق الاهتمام والتنويه. إنها ورقة أخرى تضيف لكاتبها رصيدا ملحوظا.  
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جريدة العالم 15 ديسمبر 2016-12-15





 
الاسم البريد الاكتروني