العريف العثماني أو أبو الحداثة في الموسيقى العراقية (1-2)

علي عبد الأمير
تقدم حكاية، حنا بطرس المولود في مدينة الموصل عام 1896، مسارا شخصيا يتصل بمسار العراق وتحولاته من السيطرة العثمانية، حيث البطء القاتل في مواكبة العصر، الى الاحتلال البريطاني ثم الاستقلال الوطني أوائل ثلاثينيات القرن العشرين، لتبدأ مرحلة تعقب التحولات الهادرة، لا سيما بعد الثلث الأول من القرن العشرين، فهو قد تخرّج من المدرسة الإعدادية عام 1914، ليبدأ بدراسة الموسيقى على يد ضابط عثماني ولمدة أربعة أعوام، وفي عام 1918 دخل موسيقى الجيش العثماني، ثم رقّي إلى رتبة رئيس عرفاء لنبوغه في الموسيقى، وفي عام 1918 يعود إلى التعليم في الموصل، بعد حل الجيش العثماني وإنهيار إمبراطورتيه، ليكلّف في العام 1924 بتدريس موسيقى الجيش العراقي في الموصل التي شهدت بعد عام، حدثا مفصليا، لجهة إثبات هويتها العراقية، ففي اليوم الخامس عشر من شهر كانون الثاني لعام 1925، "خرجت جماهير الموصل تنادي بانضمام الموصل مدينةً وشعباً إلى الوطن الأم: العراق، تصدِّياً لمحاولة تركيا آنذاك للإبقاء على الموصل ولاية تابعة لها. فكان: "النشيد الموصلي"(2)، الذي صدحت به حناجر المنشدين من تلاميذ مدارس الحدباء، ورددته جماهير الشعب المحتشدة في الساحة العامة قرب بناية القشلة .
/site/photo/9471

مشهد عام لمدينة الموصل أوائل القرن العشرين وتظهر فيه كنيسة الروم الكاثوليك (كنيسة الساعة)

ويروي الموسيقي، وأحد أعمدة "الفرقة السيمفونية الوطنية العراقية"، بإسم حنا بطرس(1)، قصة "النشيد الموصلي"، موضحا: "لكون (النشيد الموصلي) من تلحين الوالد، حنا بطرس، وحيث لم تتوفر بين أوراقه التي أحتفظ بها في مكتبتي، ما يوثِّق هذا النشيد، سوى الخبر المنشور في الصحف آنذاك عن تكريم الملك فيصل الأول بساعةً ذهبية للوالد. وبعد ان قمتُ بتسجيل مقطع يسير من النشيد بصوت عمَّتي (مرتا بطرس)، وبحسب ما أسعفتها ذاكرتها قبيل وفاتها بسنتين، فاستذكرت منها ما كنت إسمعه في صغري من الوالد الملحن. هكذا تابعت المسألة، فاجتمعت لديَّ المعلومات الكافية عن النشيد: الكلام للشاعر الشيخ إسماعيل أحمد فرج الكبير، مدرس اللغة العربية والدين في إعدادية الموصل".
ويضيف الأستاذ بطرس، "كيف لي ان أحصل على النص الكامل للنشيد؟ طرقتُ أكثر من باب، واجريتُ عدداً من الإتصالات، حتى توفر لي إسم نجل الشاعر المذكور، وهو عبد المنعم إسماعيل ( مقدَّم طيار متقاعد ) : فاتصلتُ به مستعلماً منه شيئاً، فأفادني مشكوراً بوثيقة مهمة جداً تتضمن معلومة مختصرة لكنها وافية عن النشيد" .
بعد دوره التربوي- الفني والحماسي، في الموصل، ونيله وساما من الملك المؤسس فيصل الأول، انتقل حنا بطرس، الى المؤسسة الرصينة التي تولت ضخ دماء جديدة في روح العراق وفكره: "دار المعلمين الابتدائية" كمدرّس للموسيقى .
ولأنه من جيل مثابر وفريد ومؤسس حقا، فقد واظب، على دراسة "نظريات الموسيقى" عبر مدارس المراسلات الدولية بلندن، فيما هو يتولى تدريس الموسيقى في "دار المعلمين"، حتى تمكن من اجتياز الامتحان، ليتم تكليفه عام 1936 بتأسيس "المعهد الموسيقي" ولُيعين مديراً للإدارة، ومعاوناً لعميد المعهد، إضافة إلى تدريس الآلات الهوائية. والى جانب كل هذا، كان بطرس، قد انجز العديد من المؤلفات الموسيقية والأناشيد المدرسية .
وفي العودة الى نجله، فان الأخير يرى ان الكتابة عن حنا بطرس ( 1896 – 1958 )، ليست بالمسألة البسيطة لأنها تعجز عن تغطية خدماته المتميزة في مختلف ميادين العمل، طيلة سني حياته العملية – الوظيفية الخمسة والخمسين، وما سبقها واعقبها من سنوات عمره المنتهي في الثانية والستين.
في العام 1996 حلّت الذكرى المئة لولادته، وكتب حينها نجله باسم قائلا: "مع اهتمام شقيقي الأكبر بطرس المقيم في انكلترا، واتصالاتي المستمرة مع فؤاد ميشو في أميركا، والشقيقين الدكتورين يوسف وغانم عقراوي في لندن – وجميعهم من أقدم الطلبة الذي تتلمذوا موسيقياً في عهد حنا بطرس بمعهد الموسيقى (معهد الفنون الجميلة فيما بعد)، وبحكم إحتفاظي بالوثائق والاوراق والمكتبة العائدة للوالد: فلقد استقرأت منها ومن مصادر أخرى متعددة، كتابتي لهذا المبحث، خطوة مرجعية لكتابات مستقبلية أوسع".

المؤسس للتربية الموسيقية في العراق الحديث
كانت له الريادة في مجالات عمله الموسيقي(2) لخمس وثلاثين عاماً، كما نتابع ذلك فيما يأتي:
*تلحين وتدريب وتقديم (النشيد الموصلي - 1921) شعر الشيخ إسماعيل فرج الكبير، في الحشد الجماهيري المتصدي للمطالب التركية بولاية الموصل .
*إدارة أول جوق لموسيقى الجيش (الموصل 1923).
*إدارة أجواق الموسيقى الخاصة بالحركة الكشفية في الموصل وبغداد، وحصل على أوسمة رفيعة المستوى من مؤسس الحركة الكشفية في العالم (السير بادن باول).
*تلحين ونشر الأناشيد الوطنية والقومية.
*تدريس الموسيقى في دار المعلمين الابتدائية ببغداد منذ 1925.
*تأسيس المعهد الموسيقي (معهد الفنون الجميلة فيما بعد) بوزارة المعارف عام 1936، فكان أول مدير له، مدرساً للموسيقى الهوائية، ثم معاوناً للعميد حتى تقاعده وظيفياً في العام 1952.
*عمل مشرفاً على الموسيقى والنشيد في إذاعة قصر الزهور، منذ تأسيسها من قبل الملك غازي الأول، عام 1936 .
*تخرج من المدرسة الدولية البريطانية في العام 1931، حاصلاً على دبلوم بدرجة امتياز في علوم الموسيقى والتأليف والقيادة الموسيقية.
* شَكَّلَ أول فرقة سمفونية عراقية ضمن معهد الفنون الجميلة وقادَها بحفلتها عام 1941 على حدائق (الكلية الطبية الملكية) في بغداد.
*ضليعٌ باللغات العربية والآرامية والفرنسية والتركية فالإنجليزية.
*تدرج في رتب الخدمة الكنسية بدرجة (شماس انجيلي) مؤدياً قديراً لتراتيل الطقس الكنسي الكلداني، سجل فيها أول أسطوانتين لشركة (His Master’s Voice) بمصاحبة الكمان (أمير الكمان سامي الشوا – من حلب) والقانون (نوبار ملهاسيان – أرمني من تركيا) والعود (داود الكويتي موسيقار يهودي من العراق)، ضمَّنها أربع تراتيل.
*خدمته الشماسية ما كانت حصرا على كنيسته الكلدانية، بل شهدت له الكنائس الأخرى، من كاثوليكية وشرقية وارثوذكسية، حضوراً متميزاً في خدمتها.

(1) و(2): الموسيقار حنا بطرس، بقلم نجله العازف والباحث باسم، ضمن ملف اعدّه خصيصا لموقع "بخديدا".




 
الاسم البريد الاكتروني