رواية جديدة لأمين الزاوي «الساق فوق الساق في ثبوت رؤية هلال العشّاق»،

/site/photo/9476 
 
مرّة جديدة، يضعنا الكاتب الجزائري «أمين الزاوي»، وعبر روايته الجديدة «الساق فوق الساق في ثبوت رؤية هلال العشّاق»، أمام واقع الجزائر الذي قد ينسحب على واقع معظم البلاد العربية، وفي كلّ زمن، نظرًا إلى تثبيت المتغيرات، بدلا من تغيّر الثوابت والتعديل عليها...
يحاول الكاتب، أن يدلق ما في دلوه من أفكار ومواقف، دفعة واحدة، وكأنّ سباقًا بين التقنيات الزمنية، من مفارقات وعوامل ابطاء السرد وتسريعه، إلى التواتر الذي شكّل ما يشبه اللازمة المتكرّرة... وهو لا يخفي ذلك، بل يعلن عنه منذ الصفحة الأولى من الكتاب، صفحة التمهيد البعيدة من المتن والمحتوى. (كتبت هذه الرّواية بشهيّة، على دفعة واحدة، وكأنّني كنت أخشى أن أنسى تفصيلا من تفاصيلها، الّتي أحملها جمرًا منذ سنوات... ص5). وبالفعل، فإنّ ما يشبه اثبات الوجود، كان جليًّا بين تقنيات التسريع السرديّ عبر القفز والخلاصات من جهة، وتقنيات الابطاء عبر الوقفات الوصفية الحبلى بالتفاصيل من جهة أخرى، منحِّيًا المشاهد الحوارية بنسبة عالية، لأنّ في وجودها شللا للسرد وتعطيلا للسيرورة المتسارعة التي يريدها الكاتب...

مرايا واضحة
وكعادته، يضع الكاتب متلقّي نصّه أمام مرايا واضحة عن جزائر الثورة وما تلاها من أحداث عكّرت صفوها، وجعلت أحلام الملايين وآمالهم شبيهة بالكوابيس الطويلة في ليل حالك... وبمشرط نقديّ موضوعيّ، يخترق الكاتب جسد الواقع، كاشفًا عيوبه والأدران التي أثقلت ظهره، وجعلته جسدًا مترهلًا لا يقوى على الحركة... وبرغم سيطرة الجانب الاجتماعي، من خلال الحديث عن البطلين الرئيسين، إدريس وميمونة وتراوح راوي النص وبطله الأساس بينهما، إلا أنّ الجانب السياسي يفرض نفسه وكأنّه قدر لا يمكن تجاهله أو ردّ حكمه وقضائه... فكيف يمكن تحدّي القدر، وعقول أجيال تبلورت كأدوات تفكير، في لحظات تتشظّى بين الحبّ/ الحياة، والحرب/ الموت. (جئت من لحظة واقفة ما بين الحرب والحبّ والشبق.(ص70). فعبر هذه الصورة، يستغلّ الكاتب المناسبة، وعبر راويه المشارك، والعليم بما لا يمكن أن يعلمه، ليقوم بعملية تبئير للحرب، فيفضح قبحها.

حرب شرعية
ومن شرفة تبئير الحرب الشرعيّة والمحقّة، يطلّ الكاتب على المنظر الأكثر قبحًا لها، حين تستحيل حربًا بين الأخوة بعد زوال العدوّ الخارجيّ، فتصبح صراعات شرسة وأكثر توحّشًا، حيث رموز الثورة والنصر في عداد المفقودين قتلا ونفيًا وسجنًا. (تفرّق الأخوة وصاروا أعداء، الثورة تأكل أبناءها بأسنان أبنائها. أكل لحم الرفيق والصديق له طعم آخر. ص119). ما جعل البلاد بعد الثورة أمّة مجزّأة، وكلّ جزء يدّعي نفسه أمّة، ويرى نفسه الغيور على الوطن ومن يعارضه يستحيل خائنًا ومتآمرًا، ليصبح تاريخ الانقلاب مناسبة وطنية تطغى على عيد الانتصار الحقيقي. (19 مارس عيد النصر ليس عيدًا وطنيّا، 19 جوان ذكرى الانقلاب العسكري يوم عطلة مدفوعة الأجر. ص134). هذا التمزّق في جسد الثورة، حدث بعد هزيمة المحتل، ذلك المحتلّ الذي لم يبخل أحد في مقارعته ليرتفع علم البلاد التي أحبّها ودافع عنها الجميع وإن اختلف التعبير عن ذلك، (إنّنا جميعًا نحبّ الجزائر، ولكن بطرق مختلفة، وجميعًا، نذهب إلى الدفاع عن استقلالها المقدّس من خلال مسارات مختلفة أيضًا. ص46). ولم يتوقف النضال على ساحات الحروب العسكرية وحمل السلاح، بل نرى الكاتب يؤكّد اختلاف الطرق في المقاومة، عبر ردود فعل إدريس ضدّ الفرنسيين والفرنسيات في ديارهم، إذ تقوده أزمته النفسية إلى الانتقام بفحولته ورجولته الجنسية، على غرار مصطفى سعيد في «موسم الهجرة إلى الشمال».
هذا بالاضافة، إلى اطلالته على مرحلة الخلاف مع المعارض موصالي الحاج، الذي شكّل مصدر خوف وازعاج للسلطة في حياته وموته، وبرغم نضاله لم يحظَ بجواز سفر إلا قبل وفاته بشهرين، وأصبح من يزور قبره موضوعًا تحت مجهر المراقبة، ومحاولات الاغتيال.
كما لم يُعفِ الكاتب، التيارات الدينية المتعصبة من أسباب ما يحصل في البلاد جهلا وتخلّفًا وارتدادًا نحو الوراء، مشيرًا إلى تقاطع العلاقات بينهم وبين الوجود الاستعماري.
في ظلّ هذا الواقع، يعيش الجزائريون ومن يشبههم في العالم العربيّ، (يعيشون نكد الحياة وهامشها، ولا يعيشون الحياة بوهجها وتفاحها. ص194)، مستسلمين للعجز عبر رمزية شلل إدريس، وانتظار المخلّص عبر ميمونة.

منشورات ضفاف ــ الاختلاف



 
الاسم البريد الاكتروني