فيديل كاسترو واستقلاليّة القرار

/site/photo/9508

في تأسيس الدوَل التي اتّخذت الإشتراكيةَ فلسفةً وتطبيقاً، سوف يأخذنا التاريخُ إلى معاينة أنموذجَين متفرِّدَين: 
الصين
كوبا
وأعتقدُ أنّ لهذا التفرُّدِ اليدَ الطولى في ديمومة الخيار الإشتراكيّ، في هذين البلدَين، بينما انهارت منظومةٌ كاملةٌ لما كان يُسمى المعسكر الإشتراكيّ، وعلى رأسه ( كما كان يقال ) الإتحاد السوفييتي .
ما السبب ؟
الصينيّون اختاروا سبيلهم في تطبيق نظرية ماركس، أي أنهم أخضعوا ماركس لقراءةٍ محلّيّةٍ :
بدلاً من الطبقة العاملة، جاء الفلاّحون .
الفلاّحون هم الذين شكّلوا الجسمَ الأساسَ لمسيرة ماو الكبرى .
والسبب بسيطٌ : لم تكن الصين ذات طبقة عاملةٍ يُعتَدُّ بها .
انتفاضة شانغهاي ( الكلاسيكية ) في الثلاثينيّات، قُمِعَتْ بسهولةٍ، لتكون درساً بليغاً تعلّم منه الشيوعيّون الصينيّون، الكثيرَ . ( انظر " الوضع البشري " لأندريه مالرو ) .
*
في كوبا يكاد الوضع، من الناحية النظرية، يتماثل مع الخيار الصينيّ في المَـلْمح العام .
أعني في ما اتّصلَ بالطبقة العاملة .
في كوبا، كما في الصين، شكّل الفلاّحون، لا العمّالُ، بِنْيةَ الحركة الثوريّة، التي تبنّتْ في ما بَعْدُ، تسمية " الحزب الشيوعيّ الكوبيّ "، ربّما بضغطٍ رفاقيٍّ من السوفييت .
*
أهميّة فيديل كاسترو، النظرية، والتنظيمية، هي في أنه تغلّبَ على ما أعتبرُه شِبْه مستحيلٍ، في التوفيق بين 
المتطلّباتِ السوفييتيّة، والخصائص المحليّة للثورة الكوبيّة .
لقد أطلقَ العِنان لتشَي غيفارا في القارة اللاتينية .
وحافظَ، هو، على كوبا، حرّةً، مستقلّةً، اشتراكيّةً حتى هذه اللحظة !
*
على أن هذا، كلّه، لن يفي الرجلَ حقّه .
في زعمي أن فيديل كاسترو نجحَ في أن يحفظَ للشعب الكوبيّ، كيانَه، وفي أن هذا الكيان لا يقوم على الإيديولوجيا وحدَها، التي قد تعصفُ بها ريحٌ ما، وإنْ لم تكنْ هذه الريح عاتيةً .
الكيانُ الذي كان لفيديل كاسترو فضلُ إرسائه الراسخ، هو ذو مقوِّماتٍ ليس من اليسير أن تخضِدَها عادياتُ الدهر .
من هذه المقوِّمات، تقويم الشخصية الكوبيّة، أي الانتقال بها من شخصية التابع إلى شخصية الحُرّ.
معروفٌ أن كوبا  الجزيرة، كانت، قبل كاسترو، مَقْصفاً  وملهى، ومُرتبَعَ ما خَدّرَ وأسكرَ .
كانت أرضَ خدمٍ وخدَماتٍ .
أمّا أهلُها، فهم ضحايا، سُعَداءُ بما يُلقى عليهم من فُتاتٍ، ضحايا يجهلون في أيّ مباءةٍ هم .
كاسترو، أعادَ إلى الناسِ كرامتَهم .
ليس عن طريق الخُطَبِ العصماءِ، مع أن فيديل كاسترو كان خطيباً مفوّهاً، يستحوذُ بسهولةٍ على مخاطَبيه.
كاسترو أعادَ إلى الناسِ كرامتَهم، بالمنجَز الملموسِ :
توفير العمل الشريف .
توفير التعليم الشامل المجّانيّ .
توفير الخدمات الصحيّة المتقدمة .
*
إلاّ أن ما جعلَ الفردَ الكوبيّ ذا شخصيةٍ مرموقةٍ، هو في شعورِه بأنه يتحدّى .
يتحدّى الشظفَ .
يتحدّى المشقّة .
يتحدّى العوَزَ .
لكنْ، قبل ذلك كله، شعورُه بأنه يتحدّى، في جزيرته الصغيرة، وبوسائله المحدودة، مقايَسةً، أعتى قوّة استعماريّة، لا تبعدُ عنه أكثر من مائة ميلٍ !
*
سوف تظل حياة الرجل، فيديل كاسترو، ولأمدٍ طويلٍ، موضعَ تأمُّلٍ وأملٍ !
لكنّ للدهر أحكامَه ...
إذْ ذكرَ مَن زاروا كوبا، أعني العارفينَ منهم، زمنَ راؤول كاسترو، أن الأمورَ تعود، تدريجاً، سِجِيّتَها الأولى، أي قبل  : 1959
سياحة، بغاء، إلخ ...
الآن، مع رحيل فيديل، ومجيء تْرامب ...
هل سيعودُ العالَمُ القديمُ إلى جزيرة الحرية ؟

لندن في 26.11.2016






 
الاسم البريد الاكتروني