نهبُ الآثار من ثقافة الاستعمار/ طوابع سعد الجادر الفضيّة – 32

سعد الجادر
 /site/photo/9522
 
خلّف العراقيون تراثاً معرفياً وفنياً وجمالياً ثرياً ومتميزاً في بوصلة وحدة الايمان والعلم والعقل. وشعّت ثقافات العراق بمعارفها على العالم، فترسّخت في الذاكرة الإنسانية المشتركة.
 يحتفظُ العراق بتراثه الثقافي في آلاف المتاحف والمكتبات والأديرة والكنائس والمساجد والأضرحة والمواقع الأثرية المنثورة على أرض الرافدين. وقد تعرّض هذا الخزين الى جرائم حرب، وجرائم ثقافة وفن، مُنظّمة ومُخطّطة ومُمنْهجة ومُبرْمجة من السرقة  والتخريب والتهشيم والحرق والنسف ... لا مثيل لها في التاريخ، أدّت إلى تدمير جوانب مُهمة من تراث مادي  وَثّق تراكم معارف وفنون عشرات الاجيال من المبدعين العراقيين عبر آلاف السنين.
 وتكمُن الخطّة الاستعمارية المُبكِّرة في استهداف واستنزاف وعي أجيال الحاضر والمستقبل، بكسر الحلقة الرابطة بين التراث المادي، وبين مُثمناته الروحية وهويّته. وذلك لتكريس تخلّف العراقي والعراق، وتيسير استعباده، وقطع جذور ذاكرته الجمعيّة، وانتمائه، ونُظم تفكيره، وأخلاقه، ومدرسة وطنيته، والقاعدة الصلبة لنهضته المعاصرة .
فمن جرائم احتلال واستعمار العراق منذ عام 1917 ... تدمير ونهب لم ينقطع لآثار الوطن، وتصفية علمائه من مختلف الكفاآت، واستدراج فئات واسعة من المثقفين لنبذ الوطنية والانخراط في سلك الخيانة والعمالة، وحجب العراقيين عن ثرواتهم الطبيعية وممتلكاتهم الثقافية، ومنعهم من النهضة المعرفية المعاصرة .
 
 /site/photo/9523
 
ثم حصلت النَقْلَة النوعية بهيْمنة العولمة الامبريالية الأمريكية/الأطلسية/الإبادية/التنميطية/الديموقراطية الفاشية/الارهابية/التجسسية ...التي تعمل باستراتيجيّة محو المنجزات الابداعية الثقافية التاريخية المتميّزة للعراقيين، كما لباقي المُسْتَعْمَرين والمُسْتَعْبَدين، بما اختزنته من معارف ومعتقدات وأفكار وآداب وفنون وفائدة وإتقان تقني وجمال وأذواق وصور فنية متميزة ... لاستحداث فراغ يُملأ  بالتنميط الاستهلاكي الغربي، ليتساوق مع مصالح الامبراطورية المُهيمنة على مقدّرات الانسان والحضارة وموارد الكوكب .
وهكذا ضاعت، وتضيع، كنوز العراق الثقافية بالتدمير والسرقة والتهريب والتدوير . ويجري هذا أمام أنظار الغافلين، الذين يشاهدون تراثهم وتاريخهم ورموزهم وهويّتهم تُدمّر وتُنهب وتُمحى، وهم سعداء بغفوتهم وبتخلفهم العلمي والتقني والمعرفي والاقتصادي  والسياسي والوطني ... وبنظام التعليم المُشوّه، الذي يحدُّ من قدرة الشعب على التطور والمنافسة والإرتقاء . 
وفي هذا ليس خسارة ماديّة وتاريخيّة فحسب، بل جرح نفسي عميق .
بدأت القوى الغربية استهداف آثار العراق منذ العصر العثماني. وتواصل ذلك عبر فترة الاستعمار . وخلال حكم صدام. وشهد نقْلة نوعيّة بعد غزو عام  2003. ثم بواسطة الدواعش .
وعبْر عقود من النهب الاستعماري امتلأت مخازن متاحف الغرب، وفي مُقدمتها الموسوعية الكبرى الباذخة، مثل المتحف البريطاني، واللوفر، وبرلين، والمتروبوليتان ... بالمُمتلكات الثقافية العراقية، التي تَشْغل قاعات بأكملها إنْ جُرِّدَت منها تبقى فارغة . 
 
 /site/photo/9524
 
وكان المتحف الوطني العراقي في بغداد مَعْرَضاً، وخزّاناً للتحف، ومركزاً معرفياً عالمياً احتفظ بتقارير بعثات التنقيب التي ترجع لاكثر من 100 عام . 
وقد ضجّ الاعلام العالمي عقب سقوط بغداد في أبريل 2003 نتيجة نهب ما يزيد على 170000 تحفة أثرية تعود لأكثر من 7000 سنة . بينما كان الحديث، ولا يزال، خافتاً عن نهب قطّاع كبير من الممتلكات الثقافية من كافة أنحاء العراق: فوق الارض وتحتها . ومن ذلك سرقة وحرق الوثائق والسجلات، ومنها ارشيف المتاحف ... عمْداً . 
وبالتالي تدمير معارف تاريخيّة وذاكرة وطنيّة وإنسانيّة لاتُعوَّض .
كانت دبّابات الغُزاة تقف بالقرب من المتحف العراقي وهو يُسرق . وطلب الناس من الامريكان التدخُّل . فأجابوا بأن ليس لديهم تعليمات بذلك، رغم تحذيرات عالمية سابقة للغزو من علماء آثار، منهم غربيون، ومن اليونسكو ... واستمرّ النهب والتخريب بحراسة الغزاة، الذين ضربوا مبنى المتحف العراقي، ولم يتعرّضوا للصوص ...
 لكن الغزاة اكتفوا بحماية كل مايتعلّق بالنفط: آبار، وضخ، وتصدير، ومباني، ووثائق ...
ومما أثاره الاعلام العربي هو سرقة الغزاة للأرشيف اليهودي، وربط ذلك بنظرية علاقة أصل السومريين بالأنوناكي القادمين من كوكب آخر، والذين عبّر عنهم السومريون في رِقَمِهِم الطينية ب ( الذين هبطوا من السماء ) ... والبحث الصهيوني الحثيث للإيهام عن علاقة بين الأنوناكي والسومريين واليهود تصبّ في صالح الصهاينة . 
 
 /site/photo/9525
 
سيكشف التاريخ في المستقبل ما لا نعرفه اليوم عن الاهتمام الشديد للغزاة بنهب تحف بعينها، وبإقامة قاعدة عسكرية في بابل  ؟ .
هذا عن الآثار والعنتيك والتحف القديمة . أما عن الفنون العراقية الحديثة والمعاصرة فأقتبس من ( عادل كامل، من المسؤول عن تدمير ممتلكاتنا الثقافية وأين اختفت كنوزنا الفنية ؟ موسوعة الفن التشكيلي العراقي، 27/01/2011 ) : "... ومثال على ذلك المعرض الذي أقيم في الولايات المتحدة الأمريكية والذي رعته شخصية يهودية هي ( اوديد ) والملقب ب ( حنينه ) والذي أقيم في عام 2004، حيث شمل على أكثر من 50 عملاً فنياً للرواد وللفنانين الراحلين، والتي كانت في الأصل جزءاً من ممتلكات متحف الرواد، وقد تم إتلافها بعد العرض في أحد الدول العربية ...!" ... " ... المسؤول الأول عن هذه الجرائم يقع على قوات الاحتلال عندما تركت هذه المراكز بلا حماية، حيث روى لي الأستاذ مؤيد البصام انه توجه الى جنود قوات الاحتلال واعلمها بمحتويات مركز الفنون، لكن اجابتهم كانت: نحن هنا في مهمة أخرى ...! ثم التقى عدد من الفنانين بالمسؤول عن الثقافة في حكومة ( بول بريمر ) وهو ايطالي الأصل أمريكي الجنسية، مطالبين اياه بالمحافظة على الارث الثقافي/الفني، فكانت إجابته ( اصطدنا فيلاً كبيراً وعلينا أن نشويه على نار هادئة لنأكله بالملاعق ) !.
حتى أصبح نهب الممتلكات الثقافية العراقية صنواً ورمزاً لسقوط بغداد .
 
 /site/photo/9526
 
إنّ تدمير التراث الثقافي العراقي جرائم بربرية وعنصرية بشعة وشرسة وشنيعة وفضيعة ومروعة وكارثية ضد الانسان وحضارته . ويشترك في هذا التدمير النخب الاستعمارية، وصنائعها العملاء، والمنظمات الارهابية، وتخلّف الناس .
وللعبث الشديد بتراث العراق، وسواه من المستعمرات، وطمعاً بالمال السهل الحرام، تُواصلُ دور المزاد في الغرب بيع تحف المسلمين، فتشجِّع استباحة المتاحف والمساجد والكنائس ... والتلال الأثرية لنهب آثارها وبيعها في الغرب .
ولا تزال آلاف من هذه التحف تُطرح للبيع في مزادات الغرب ( رحلة 50 ألف قطعة أثرية في سوق التحف والمزادات حول العالم، أكثر من عشرة مزادات ستقام خلال الشهر القادم لبيع قطع أثرية يعود تاريخها للعصور المصرية القديمة، أخبار الأدب، القاهرة 27/11/2016 ) . 
وكما يُقتل المسلمون بأيادي بعضهم، فان تراثهم الثقافي يُدمَّر ويُنهب من قبل نفس الفئة الضالّة، التي تُزوِّر الاسلام وتُجفف منابع حِكَمِه : إنه طاعون عصابات داعش والفكر الممسوخ صنيعة الاستعمار والتوحّش البربري والشرّ والهمجية والجهل والتخلف والخيانة، ورأس رمح لتدمير الدول، وتوسيع الحرب العالميّة الثالثة، كماتريدها آلهة الأرض، بين الثقافات والشعوب والبلدان والدول لانقاذ النظام الربوي الرأسمالي الجاثم على الانسان والحضارة منذ مئات السنين .
يسرق الدواعش الاثار من المتاحف، والمواقع الاثرية، ومن كلّ نوعٍ وحجم: مِن المسكوكات، وحتى الثيران المُجنّحة. ويخرّبون ما لا يستطيعون حَمْله وتهريبه. اضافة الى نسف مواقع اثرية، ومساجد  وأضرحة ومزارات ومعابد وأديرة وكنائس وتماثيل  تاريخية وحديثة ومعاصرة ... وكذلك مدن أثرية، مثل نينوى ونمرود والحضر وتدمر وحلب وغيرها من مراكز ثقافية وتجارية مهمة في العالم القديم ... وعدد منها مُدرج على لائحة التراث العالمي الانساني .
 
 /site/photo/9527
 
واذا كان الدواعش يدّعون بانهم يُدمرون التماثيل بحجّة أنها أصنام تُعبد من دون الله،  فماذا عن محو زقورة نمرود وعمرها 2900 عام و"رميها" في دجلة؟. وماذا عن تدمير المساجد؟. ( مدير وقف سنّي: أكثر من 100 مسجد دمرت في الموصل ... بعضها أثري وتاريخي، القدس العربي، 10/12/2016 ) .
وإرهاب الدواعش عشوائي لايُفَرِّق في القتل بين المسلم والمسيحي، ولا بين تخريب مآثرهما، وما شُيد قبلهما بالاف السنين. وذلك لضرب السلم المجتمعي، وروح المواطنة وتساكن التنوع العراقي التاريخي البنّاء والمُبدع .
ومن همجيّة الدواعش أنهم لا يدمرون الاثار فقط، بل يقتلون العلماء أيضاً. ومنه قطع رأس عالم الاثار الشهيد خالد الأسعد/82 عاما، وتعليق جثته على أحد أعمدة تدمر لانه بمنطقهم الداعشي كان "مديراً للأصنام" ! .
وبعد أن عاشت تُراثات العرب والمسلمين والامم السابقة للاسلام آلاف ومئات السنين تشعّ وتنشر المعرفة والجمال على العالم  كشواهد على الابداع الانساني والتعايش والتعارف والتساكن والتواصل بين الناس أصبحت ضحيّة توحّش الدواعش الذين لايرون قيمة لشئ في هذا العالم .
 فالدواعش يريدونها داعشيّة على الضدّ من النصوص القرآنية:
  "وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَاد".
 وبينما يفتقد الدواعش للتعددية الفكرية والثقافية ... ينص القران العظيم :
"يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ".
 
 /site/photo/9528
 
ملاحظتان: إنقاذ التراث المفقود بترميمه وتعميره. وتوثيق التحف والآثار:
- تُهَدِّد الممتلكات الثقافية كوارث مثل الحروب، والنهب الاستعماري، والحفريات الفوضوية، والتأثير التخريبي والتلف الذي يصيب المواقع الاثرية القائمة في الطبيعة، والناجم عن عوامل العواصف الرملية، وهجرة السلطات لها باهمال الترميم الدوري، وتأثير القوارض والحشرات في مخازن المتاحف ... 
الفنّ رسالة معرفيّة وروحيّة بلا كلمات . تصل صورته بسهولة إلى الناس من مختلف الثقافات واللغات والأديان والأعراق ...  فيُضفي على الحياة معرفة وحِكْمَةً وجمالاً وبهجةً .
والمستقبل يمرّ عبر التراث. و"من فات قديمه تاه". و"من لا تراث له لامستقبل له" ...
والتراث الثقافي والفني روح الأمة الراقد في ذاكرتها الجمعية، التي بدونها لن يكون هناك حرية ولا ديموقراطية ولا وطنية عراقية . والطريقة الوحيدة لتعويض تراثنا المُسْتَهدَف هي تعميره على أفضل مايمكن . وذلك  باستنساخه من الوثائق والصور والافلام والمتاحف والمجموعات الخاصة ...
إضافة إلى إعادة تعمير المتاحف، والمكتبات، والمواقع الاثرية، من مُدن وعمار قديم وتماثيل ونحوت ... تماماً كما تُعَمّر المباني بعد الاعصارات والفيضانات والحروب ... وذلك لكي لا يتوارى التراث عن الأنظار والأبصار. فالبعيد عن العين بعيد عن القلب والروح. فكيف إن لم يكن موجوداً ؟ .
وسيستغرق تعمير مادمّره الاستعمار وعملائه عقوداً من البحث العلمي والتدريب، الذي يجب أن يكون جزءً من ميزانيات إنفاق الدولة على بنود التنمية والتطوير الاقتصادي الشامل، وجزءً من المقاومة الروحية - المادية للعراقيين لانتزاع حريتهم وتقدمهم وسعادتهم .
حينها سيشعر المواطن بأنه محاط مجدداً برموز ثقافاته: نُسخة أم أصل ... فلا فرق في ذلك عند غير الاخصائيين، وحتى ليس كلهم: ففي المتاحف ودور المزاد وأسواق العنتيك  أعداداً كبيرة من النُسخ والمُزوّرات . وعلى سبيل المثال: أصول، ونُسَخ كل من حجر رشيد، ومسلّة حمو رابي ...
- تفرضُ وقائع تدمير ونهب الممتلكات الثقافية العراقية أهمية تسجيلها وتوثيقها بالصورة والمعرفة، وبجودة عالية، ونشرها على العالم للتعريف بتاريخ وثقافة العراق، وللافادة بها، ولحمايتها، ولوقف نزيف استهدافها وتجريفه. خاصة وقد أضحى الحصول على المعرفة بسهولة الضغط على مفاتيح الكمبيوتر.

متى تُحاكَم النخب الاستعمارية؟. ومتى يُحاكَم غزاة العراق، وعملاؤهم ؟ . ومتى يُحاكَم صاغة القاعدة وداعش وآلهما ؟.






 
الاسم البريد الاكتروني