من أدب المذكرات/ حروب العراق والحروب على العراق!!

كريم الأسدي ـ برلين
مذكرات عراقي مغترب في أوربا..

الجزء الأول

هذا نص من أدب المذكرات أو بألاحرى سلسلة من النصوص التي تؤرخ لذكريات مغترب عراقي عن حروب بلده . للنصوص علاقة بالحرب وهو فعل سياسي على الأرجح الّا ان طريقة التعامل مع الحدث والذكرى تجعل الموضوع أدب مذكرات ..  
أكتب  اليوم الثامن عشر من شهر كانون الثاني 2017  بعد ان حاولت الكتابة يوم امس فلم أفلح، صادف أمس السابع عشر من كانون الثاني ذكرى مرور ستة وعشرين عاماً على حرب االخليج على العراق في 1991 .. حروب العراق في الأربعين سنة الأخيرة كثيرة بل وظاهرة فريدة في العالم، في القرنين العشرين والواحد والعشرين، لذا لا أدري ماذا أسمي هذه الحرب، هل اسميها حرب الخليج الأولى أم الثانية .. الأرجح والأصح انها حرب الخليج الثانية، فحرب الخليج الأولى كانت ضد أيران، واستمرت مثلما يعرف العالم الذي استأنس بيع السلاح، وربح المليارات من الدولارات ثمانية أعوام، فقد العراق فيها مايعادل النصف مليون قتيل وفقدت أيران ضعف هذا العدد من القتلى بالأضافة الى دمار مريع في البنى التحتية في البلدين الجارين، وخسائر مالية للبلدين فادحة وخيالية !!
كنتُ حينها في التأريخ المذكور أعلاه من كانون الثاني 1991  طالباً في جامعة بون  ـ  وكانت بون آنذاك لم تزل بعد عاصمة المانيا ـ أسكن القسم الداخلي التابع للجامعة، أتصلت بي هاتفياً عائلة صديقة من المنطقة التي كنت أسكنها على نهر الراين والقريبة من بون، سيدة فرنسية وزوجها الألماني، كانوا قلقين حول الوضع بشكل عام وقالوا انهم فكروا بي كثيراً عشية الحرب ويتصلون اليوم بي للأطمئنان، كانوا من أصحاب التوجه الفكري والسياسي الأنساني العالمي، ولديهم منظمة تعمل على مساعدة الدول النامية وعلى الأخص بلدان أميركا الاتينية .. لم أتمكن بالفعل من الأستمرار معهم في الحديث لشدة تأثري وقلقي على الوضع بشكل عام، ووعدتهم بأن أعاود الأتصال أو أزورهم حينما أكون في المنطقة، فلم اتكلم معهم كثيراً، لقد كنتُ حزيناً ومضطرباً ومنكسراً الى أبعد حد، وقد هجستُ مقدار الدمار القادم وحجم الموت.. فأعتذرتُ عن مواصلة الحديث وقد خبرت قلقهم عليّ  ولكن على مجمل الوضع أيضاً ... كنتُ أسمع الأخبار من التلفيزيون الألماني .  زميل فلسطيني لي يدرس الطب، ويسكن في نفس السكن، لديه راديو يجلب اذاعة بغداد .. صخب وضوضاء وايقاع راقص في أغنية ـ منصورة يابغداد ـ التي تتكرر بين فقرة اذاعية وأخرى مع أغان حربية اخرى ..

لدي معرفة مع عراقي في برلين، لم أكن متأكداً تماماً من وضعه السياسي وميوله الفكرية والحزبية، ولكنني سمعتُ من قبل بعض العراقيين من الوسط الجامعي ان لديه اتصال مع السفارة العراقية، وعلاقة قوية مع موظفيها، والسفارة العراقية في بون كانت محطة تجسس أقليمية في أوربا على العراقيين عموماً، وعلى معارضي النظام العراقي والذين غادروا العراق بالمغامرة، او بواسطة السفر السري وغير الشرعي، وهم يتعقبون هؤلاء ويتسقطون أخبارهم، وأنا منهم .. بيد أنني في ذلك اليوم كنت بحاجة الى جو عراقي وسمير عراقي وأخبار أسمعها من مصدر قريب من العراق، أو من مصدر عراقي، ومن مصادر الأخبار كان لديه الكثير، أتصلت هاتفياً على رقمه في البيت، فدعاني للقدوم .. أخبرت صديقتي الألمانية في نفس السكن الجامعي بنيتي للذهاب هناك، وأنني لم أزره من قبل ولم أعرفه جيداً، ولكنني بحاجة الى ان أعرف المزيد عما يحصل هناك، وذهبت .
المذيعة الألمانية التي نقلت الأخبار بعد عشية الحرب قالت مامعناه من ضمن ماقالت : لقد أُلقي البارحة من القنابل والمتفجرات على مدينة بغداد وحدها مايعادل ضعف ما أُلقي على مدينة دريسدن الألمانية خلال الحرب العالميية الثانية بأكملها !! تعال واسمع وأعقل هذه المعادلة العجيبة الغريبة، فدريسدن كانت أكثر المدن الألمانية تضرراً في الحرب وأكثر المدن الألمانية التي عانت من قصف الحلفاء، حيث أحرقوها بالكامل في الشهور والأيام الأخيرة من الحرب، حتى بعد انهيار الألمان .. وهاهي بغداد تستلم من الطائرات العملاقة، من قنابل وصواريخ الموت في ليلة واحد هي ليلة 17 من كانون الثاني 1991 ضعف ما  أُلقي على دريسدن طوال الحرب العالمية الثانية، من 1939 وحتى 1945 !! .. قالتها المذيعة بتأثر واضح بيد انه تأثر من لايستطيع ان يفعل شيئاً، وهكذا كان الرأي العام الألماني الذي كان ضد الحرب، حيث سارت مظاهرات كبرى طافت أرجاء المدن الألمانية، لكن الحكومة ساهمت مع هذا في دفع مبلغ 17 مليار دولار للأميركان وحلفائهم لتمويل الحرب، ومقابل اعفائها من المشاركة بالجيش أو العنصر البشري .. ولكن هناك عناصر من المخابرات الألمانية، تشارك دائماً الى جنب حليفاتها أجهزة المخابرات الأخرى، ومنها الأميركية في كل ظرف من هذا النوع تقريباً، وبمعزل عن موقف الحكومة كما كشفت الوثائق والأحداث والصحف والأخبار لاحقاً، فأثيرت حملة انتقادات واسعة وأسئلة عن مدى استقلال ألمانيا كدولة ذات سيادة، ومازالت هذه الحملة مستمرة الى الآن !!
هذه حرب آل بوش، ومن خلفهم  المباشرة الأولى على العراق في عهد جورج بوش الأب، وبتوجيه من المتمكنين في رسم طريق السياسة الأميركية في العالم عموماً، وفي الشرق الأوسط خصوصاً، ومنهم هنري كسنجر وباول وولففيتز وليو شتراوس وريتشارد بيرل وهذا الأخير يحمل لقب أمير الظلام !! من زمان كان العراق في مركز نواظيرهم وأرصادهم، يقلقهم ويعذبهم الى ان وجدوا في صدام حسين الوسيلة للوصول اللى الهدف الكبير : تدمير العراق وأخراجه من حسابات المنطقة، والعالم لقرن مقبل كامل أو أكثر !! وقد تبعتهم ربيبتهم مادلين أولبرايت التي أكملت المسلسل، فقتل الحصار الذي سعت عن طريق الأمم المتحدة لفرضه على العراق، بكل لؤم وخسة وقسوة  مايقارب من تسعمائة الف طفل أو حوالي المليون طفل في غضون عشرة أعوام، حسب اعتراف منظمة اليونيسف الدولية . أولئك جمهوريون وهذه ديمقراطية، ولكنهم في الموقف العام من العراق  وشعب العراق وأطفال العراق ومستقبل العراق رفاق !! يريدون تأمين السلام والأمان في الشرق الأوسط ، على طريقتهم وهواهم حتى لو ماتت مئات الملايين من البشر، ومنظورهم هو منظور السياسة الأميركية برمتها، وخططهم، هي الخطط التي تُنفذ في النهاية، هم يرسمون ويخططون واميركا توافق وتنفذ، وهكذا من عهد المستشرق برنار لويس والدبلوماسي هنري كسينجر والمخطط ليو شتراوس وبقية تلامذتهم في مدرسة سياسة اميركا الشرق أوسطية والعالمية والى الآن .. تدخلوا بشكل مباشر أو غير مباشر بحياة كل واحد منا وأثروا سلباً ومازلنا ندفع الثمن شعباً ووطناً، اما العملاء والمرتزقة والمخبرين وأدلاء الجيوش الأجنبية من أبناء شعبنا والذين أرتبكت أو أُربكت حساباتهم فهم أكبر الخاسرين وان ربحوا المال والمناصب، انهم خسروا أعز شيء يمتلكه الأنسان : خسروا ضمائرهم وأنفسهم وحب أبناء شعبهم لهم وسوف تدمغهم الأجيال بتهمة الخيانة العظمى !! وهناك شيء اسمه وطن وهناك شيء اسمه خيانة وخيانة الوطن أعظم خيانة، أنها الخيانة العظمى !! 
يوم الثاني من آب 1990 كان يوماً مشؤوماً في حياة العراق والشرق الأوسط والعالم العربي جرّوا صدام حسين فيه الى غزو الكويت وساهمت سفيرة الولايات المتحدة الأميركية المستشرقة غلاسبي ـ تلميذة وخادمة المستشرق لويس والدبلوماسي كيسنجر ـ في حفر البئر الخفي الذي وقع فيه صدام حسين وأوقع كل العراق والشعب العراقي معه !! هذا الذي كان رفاقه يطلقون عليه لقب القائد الضرورة !
في ذلك اليوم الصيفي كنتُ على موعد مع زميل ألماني يدرس الحقوق، في مقهى وسط العاصمة ولم أعلم بعد بخبر أجتياح الجيش العراقي للكويت .. كان الجو صيفياً جميلاً، والمقاهي قد نثرت مقاعدها على الأرصفة، ومابين الأشجار، ليستمتع الناس بأشعة الشمس .. حينما أتى هذا الصديق الذي كان يهتم بالشأن السياسي العالمي الى المقهى أخبرني بنبأ اجتياح القوات العراقية للكويت وأن الوضع الدولي متأزم !!
 أحسستُ في ذلك الحين ان مجزرة جديدة أعدت للشعب العراقي، أما على صعيدي الشخصي أنا الشاب القادم بكل طاقتي للدراسة والأبداع، والتعرف على البشر والحياة والأنشطة الثقافية والأدبية والفكرية، فقد أحسستُ ان لا أمل لنا نحن العراقيين بحياة أفضل، وان علي ابتداءً من اليوم، ايجاد وسيلة جديدة للأتصال مع أهلي وأقربائي والأطمئنان عليهم، في الماضي القريب كان لدي منفذ للأتصال بأهلي عن طريق أبناء عمومة لنا من عائلة الأسدي من أقرباء أبي في الكويت، الذين كانوا يحملون الجنسية الكويتية ويترددون على أهلهم في العراق، وحيث كان البريد أو الأتصال الهاتفي المباشر بين المانيا والعراق يعرض الأقرباء والأصدقاء لمضايقات واستدعاءات وتحقيق، في حين من الممكن ان تصل الرسالة الى القريب الساكن في الكويت ويحملها أو يحمل مضمونها  معه الى العراق دون صعوبة !!
بعد هذا ستبدأ رحلة عذابات طويلة، وللحديث صلة !! 




 
الاسم البريد الاكتروني