أحزابُ الرفاق التي دمرت العراق !!/ ظاهرة الصف الوطني !!

كريم الأسدي ـ برلين
هل من الضرورة مناقشة وتحليل أمر بديهي مفاده : ان التاريخ الحديث  للبلد ـ أي بلد  ـ انما تساهم في صنعه الأحزاب الرئيسية الفاعلة في هذا البلد أو التي كانت فاعلة قبل عقود ..؟!!
منذ ان بدأنا نعي هذا العالم  وما يدور فيه ، وما يجري في محيطنا العربي وفي بيتنا العراقي ونحن نسمع بأسماء التيارات السياسية  و الأحزاب العراقية وسمعنا أكثر شيء عن الحزب الشيوعي العراقي وحزب البعث العربي الأشتراكي ...لا أحد ينكر ان تاريخ العراق السياسي الحديث بعد ىنشوء الدولة العراقية الحديثة في العام 1921 قد ارتبط بهذين الحزبين، اذ تأسس الحزب الشيوعي العراقي سنة 1934 ثم تبعه حزب البعث العربي الأشتراكي ليتأسس سنة 1947 أي ان هناك أكثر من عقد من الزمان أو بالتحديد  13 عاماً بين تأريخي تأسيس الحزبين، وهو فارق جعل، مع أمور أخرى، الكفة ترجح لصالح الحزب الشيوعي العراقي والذي كان يتمتع في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات، بل وحتى السبعينيات من القرن العشرين بشعبية كبيرة، ويقال ان محيط انصاره ومؤيديه بالأضافة الى أعضائه قد وصل مليون شخص من تعداد سكاني لايتجاوز ثمانية مليون عراقي آنذاك !
الحزب الشيوعي العراقي مثلما يطرح في برامجه يؤمن بالأشتراكية التي يسميها بالأشتراكية العلمية ويدعو الى مناصرة حركات التحرر الوطني في العالم بما فيها حركات التحرر العربية ومنها الحركة الفلسطينية، وهو ضد الرأسمالية والأمبريالية بقيادة الولايات المتحدة الأميركية ويتوجه توجهاً اممياً لدحر الأمبريالية عدوة تطلعات الشعوب وخاصة الشعوب الفقيرة في البلدان النامية . وحزب البعث العربي الأشتراكي مثلما يطرح في برامجه يؤمن أيضاً بالأشتراكية مع ايمانه بوحدة العالم العربي وحريته، ويدعو أيضاً الى مناصرة حركات التحرر الوطني في البلدان العربية والقضية الفلسطينية خصوصاً وفي مجمل العالم عموماً، وهو ايضاً حسب اعلامه وشعاراته ضد الأمبريالية العالمية بقيادة الولايات المتحدة الأميركية ويناصر الحركات الأشتراكية في العالم .
اذاً نحن أمام حزبين يتفقان في أمور أساسية كثيرة حسب برنامجيهما في الأعلام والتثقيف، والفرق الأساس ان الحزب الشيوعي أممي وحزب البعث العربي الأشتراكي قومي عربي . مع العلم ان الحزب الشيوعي العراقي لايمانع مناصرة الحركات الوطنية والقومية الأشتراكية العربية، وحزب البعث العربي الأشتراكي يمنح تأييده ومؤازرته لحركات التحرر الأشتراكية والتقدمية في العالم !! والحزبان مثلما يعلنان يريدان التقدم والسعادة والتحرر والرفاه والخير للشعب العراقي !!
هذا التقارب الهائل في المنطلقات والرؤى بين الحزبين على الأصعدة الوطنية والعربية والعالمية ـ مثلما يصل الى عامّة الناس ـ لا بد ان يؤسس لتفاهم على الخطوط الأساسية العامة !! هذا مايقوله المنطق والتحليل الصحيح، أما الأختلاف فلا يجب ان يكون سبباً في تدمير الوحدة الوطنية، فيمهد لخراب الوطن كله ولاسيما ان هذين الحزبين في الخمسينيات والستينيات هما أقوى الحركات السياسية في العراق، اذا اتحدا توحد العراق واذا تناحرا هدد خطر التناحر الوطن كله !!
حصلتْ بالفعل أكثر من محاولة للتقارب بين الحزبين يهمنا منها الآن محاولة التقارب في أواسط السبعينيات من القرن الماضي والتي انتهت بأعلان الجبهة الوطنية والقومية التقدمية والتي ضمت حزب البعث العربي الأشتراكي الحاكم والحزب الشيوعي العراقي الذي سيشركه حزبُ البعث في الحكم بوزارتين فقط، بالأضافة الى أحزاب عراقية قومية عربية وكردية !!
نحاول ان نناقش هنا سوء النية عند الحزبين على حد سواء الذي بدأ مع اعلان الجبهة هذه حتى أنهاها، ثم ماتمخض عنه من نتائج سوف تعطي انطباعاً واضحاً وأكيداً عن ماهية ونوعية هذه الأحزاب، وعن طريقة تفكيرها ومعدنها الحقيقي ..
حزب البعث العربي الأشتراكي، مثلما اتضح بجلاء لاحقاً، كان يخطط لكشف قواعد الحزب الشيوعي العراقي، كوادره وناشطيه وبنيته التحتية وامتداداته الجماهيرية، لينقض عليه فيما بعد مستفيداً من وجوده في الحكم وسيطرته الكاملة على أجهزة المخابرات وقوى الأمن الداخلي والشرطة والجيش !!
قرَّب ودلَّل حزبُ البعث في بداية الأمر قادةَ الحزب الشيوعي من المتنفذين أعضاء المكتب السياسي واللجنة المركزية بالولائم والعزائم ومنحهم  بالأضافة الى استيزار أثنين منهم  بعض المناصب بدرجة مدير عام، واوهمهم انه يعني الأمر فالجبهة جبهة وطنية وقومية تقدمية بقيادته، وقد أقر له الشيوعيون بالقيادة ومنحه قادتهم بركاتهم، فيما اشتغل القنص والتنكيل بالقواعد البعيدة عن اللجنة العليا للجبهة الوطنية والقومية التقدمية، التي تصلها فقط شكاوى الشيوعيين من كوادر القواعد الحزبية فيتم أهمالها أو تفسيرها بما يتلائم ومصلحة القيادي الشيوعي ورفاقه في الجبهة !!
اما سوء نية الحزب الشيوعي فتكمن في تفكيره بالتخطيط لاِذابة حزب البعث في كيان الحزب الشيوعي فكرياً والتأثير عليه آيدلوجياً مع الزمن ليتبنى الأفكار الأشتراكية الماركسية اللينينية الأممية، مستعيناً بهذا بشكل بائس بمثال تاريخي أوربي لايصلح تطبيقه على وضع العراق كبلد مشرقي مسلم عربي على الأعم، له وضع تطور تاريخي خاص وبنية اجتماعية خاصة، والمثال قادم من المانيا الشرقية وتجربة توحد حزبين أساسيين فيها لينشأ منهما الحزب الحاكم ... والحزبان المتوحدان هنا هما الحزب الشيوعي الألمانيKPD  والحزب الأشتركي الديمقراطي SPD لينتج منهما الحزب الأشتراكي الألماني الموحد SED الذي سيتبنى الماركسية اللينينية .. هكذا فكر قادة الشيوعيين بتفاؤل ساذج وليس له أدنى مايبرره حيث الوضع الأجتماعي والفكري والثقافي والسياسي في المانيا عموماً والمانيا الشرقية بعد الحرب العالمية الثانية خصوصاً وضعٌ مختلف بالكامل عن الوضع العراقي والشرق أوسطي والعربي بشكل عام !! 
بعد سنوات قليلة لا تتعدى الأربع انهارت اسس الجبهة الوطنية والقومية التقدمية في العراق وانتهت بخصام الرفاق الحاد فيما بينهم على مستوى الجامعات ودوائر العمل والمصانع والمقاهي والشوارع . وجرجر البعثيون الشيوعيين الى السجون ودوائر التحقيق الأمنية وانتهت الأغاني التي تمجد الجبهة والعمل الجبهوي ومنها أغنية كان الشيوعيون يرددونها في سفراتهم ولقاءاتهم الخاصة وقد استعاروا لها لحناً فيروزياً وطوعوا له كلمات الأغنية التي تقول :
 
حلوة يجبهتنا الوطنية جبهتنا حلوه
انجمع الشعب بكل طاقاته وغنالچ غنوه !!

العجيب الغريب وما قلَّ أو انعدم وجوده في تاريخ الشعوب ان البعثيين قد أجبروا الشيوعيين الذين انهاروا واعترفوا في السجون على حزبهم ورفاقهم بالأنضمام الى حزب البعث، والذين انتموا منهم بشكل قسري أفرد لهم البعثيون خلايا حزبية خاصة واسموهم ب ـ الصف الوطني ـ !!.
أي ان الصف الوطني هذا هم الشيوعيون العراقيون السابقون الذين كانوا حلفاء البعثيين ورفاقهم في الجبهة الوطنية والذين قدموا اعترافاتهم تحت التخويف أو التعذيب وثبت انتماؤهم سابقاً الى الحزب الشيوعي العراقي، وهم الآن بعثيون بالقوّة والاِكراه، ولكن لايجوز لهم الأختلاط بالبعثيين الجدد في خلية واحدة وانما يتم عزلهم في خلايا، القائدُ فيها بعثيٌ والأعضاء شيوعيون سابقاً وبعثيون بالقوة والاِجبار لاحقاً !!
وهذا يحدث في احزاب الرفاق التي دمرت العراق !
ولا أعتقد انه حدث بهذه الصلافة والخسَّة والجبن في بلد آخر في العالم !!
لم يخجل البعثي من محاولة اذلاله لأبن وطنه  ورفيقه القديم في الجبهة والذي كان يخاطبه فعلاً بكلمة رفيق، ولم يخجل الشيوعي من الحضور الى خلية فيها رفاقه القدامى في الحزب الشيوعي يقودهم بعثي اذلاء جالسين رغماً عنهم !
البعثي هنا يحطم معنويات ونفسيات أبناء وطنه ويحتقر أبعد الأحتقار كبرياءَهم واستقلالَهم ورجولتَهم  ـ ان كانوا رجالاً ـ ويمرغ كرامتَهم بالوحل ! بينما يتشوه في هذه الأثناء الشيوعي العراقي السابق ويُمسخ ويتحول الى مخلوق قميء وجبان واِمعة، وسيكون عرضة للأمراض النفسية من عصاب وانفصام الشخصية والعدمية وانعدام المسؤولية الوطنية والأنسانية ... وسيبقى يحس بالنقص أمام كل انسان شجاع مقاوم ووطني صادق .. وسيتحول حقده على حزب البعث حاكم العراق الى حقد على العراق كله !!
فشل الجبهة التي  قادها حزب البعث المنتصر وقائده المهيمن عليه بالكامل صدام حسين  سيؤدي الى دكتاتورية الحزب الواحد وستتبعها مباشرة دكتاتورية الشخص الواحد، ليعلن القائد بعد أقل من سنة واحدة الحرب العراقية ضد ايران في أيلول 1980،  لتكون أم الكوارث ولتبعث الوطن برمته الى خراب يتبعه خراب  .. لأنه أيقن ان القرار قراره وان مامن حزب يقف ضده بعد الآن، وقد خبر جبن وضعة ووضاعة منافسه من خلال الجبهة الوطنية والقومية التقدمية !!!
هذا بعض تاريخ أحزاب الرفاق التي دمرت العراق !!
هذه الأمور لابد ان تُناقش و تُحلل لا لأجل اِذكاء نار الحقد، وانما لأجل أشعال شموع الحب : حب العراق الوطن وحب الأنسان .



 
الاسم البريد الاكتروني