السويد هذا البلد الكريم ..

كريم الأسدي ـ برلين
عُرف العرب والمسلمون قديماً بحسن أخلاق الضيافة ، وهذا يشمل الحالتين : اذا كانوا مضيِّفين أو كانوا مضيَّفين، فللمضيِّف أخلاق وللضيف أخلاق ... والكريم لابُدَّ ان يُكرم والضيف الذي حلَّ عليه هو اول مَن يتوجب عليه اكرام مُضيِّفه، للمسألة هنا علاقة بالأخلاق، ولكن لها علاقة أيضاً بالجمال : جمال روح الأنسان وعلاقته بالأنسان الآخر والمكان والزمان ..
تأكيد العرب والمسلمين على كرم أخلاق الضيافة كان كبيراً جداً بحيث يتوجب ان يكون رئيس القوم كريماً بالأضافة الى صفات أخرى منها الشجاعة والبلاغة، والكريم لابد ان يرد الكرم بالكرم والأحسان بالأحسان ولنا من مأثور القول  ـ هل جزاء الأحسان الّا الأحسان ـ..  ومن الشعر الخالد قول المتنبي :
اذا أنت أكرمتَ الكريمَ ملكتَهُ
واِنْ أنتَ أكرمتَ اللئيم تمردا
ونتيجة  اعتزاز العربي بالكرم والكريم نجد اللغة العربية تزخر بمرادفات الكرم ومنها : كريم وجواد وسخي وغادق ومِغداق وباذل ومعطاء ومانح ومنّاح  .
وأروع أنماط الكرم حينما يتوجه للفقير والمحتاج والذي يمر في أزمة وعسر حال أي ان الباذل لايرجو مكافأة ولاينتظر رداً على منحه بل انه يبذل للموقف الأنساني وللمساعدة الأخوية وللتخفيف من عذابات الأنسان في هذا العالم .. وعذابات الأنسان في هذا العالم كثيرة وأزمات هذا الزمان معقدة ومتشعبة وهائلة، ولابدّ من ضحايا ..  والضحايا في عالمنا هذا بالملايين بل بالمليارات ... ومن أكثر بلدان أوربا تطوعاً لتخفيف عذابات الأنسان برزت مملكة السويد التي قدَّمت وقدَّمت ومازالت تقدم حتى بلغ عدد اللأجئين المقيمين على أرض هذا البلد الصغير النائي المحافظ الملايين هو الذي لا يتجاوز عدد سكانه تسعة ملايين انسان .. ولاجيء السويد هو أكثر اللاجئيين الى أوربا حصولاً على الأمتيازات : لديه دائماً تقريباً راتب مجزٍ وشقة فارهة واسعة مؤثثة تأثيثاً جيداً، لا تتأخر معاملة لجوئه فيضيع وقته، واذا كان أكاديمياً ولديه وثائق تسمح بمعادلة شهادته فمن الممكن ان يواصل دراسته في الجامعات السويدية أو يعمل في أختصاصه الأكاديمي، وعلى الأخص اذا كان البلد بحاجة الى هذا الأختصاص . 
واذا أراد الدراسة في جامعة خارج السويد أو لم يتمكن من الحصول على مقعد في الجامعات السويدية لسبب ما وحصل على قبول جامعي في الخارج تتكفل دولة السويد بسد نفقات دراسته وأجور الجامعة بالأضافة الى أكله وشربه وأيجار بيته في الخارج، والذين درسوا في الدول العربية أو في دول أوربا الشرقية، مثلاً، مبعوثين أو ممولين من السويد عاشوا مثل الأمراء هناك، بل انني أعرف شخصياً من العرب والعراقيين المقيمين في السويد والذين أتوا كلاجئين  مَن أحال نفسه الى التقاعد مبكراً وذهب من السويد ليعيش في دولة ثانية، والسويد تدفع له راتبه الذي يعيش منه مرفهاً تماماً في بلد آخر .
أما الشعراء والأدباء فقد حصل معظمهم على دعم سخي لتمويل مشاريعهم وطبع كتبهم حتى وان كانت بلغة اخرى غير اللغة السويدية كالعربية مثلاً . يحدث هذا في حين تهمل البلدان العربية اللاجيء العربي والمسلم وتتجنبه كالوباء حتى لو كان أكاديمياً بارعاً في أختصاصه أو أديباً أو شاعراً أو كاتباً يثري بأبداعه وكتاباته الأدب العربي واللغة العربية، بل ان بعض هذه البلدان لا يرحب بالعربي حتى وهو قادم الى سياحة وزيارة بجواز أجنبي، وربما أهانوه وبهذلوه وأذلوه في المطار أو عند نقاط الحدود رغم ان أجراءات سفره صحيحة تماماً !!
وان كنت استشهد بمثال قريب لي شخصياً فأنني أتذكر مثال اللأجئين العراقيين الذين انتفضوا في آذار 1991 في ما يسمى بالأنتفاضة الآذارية أو الشعبانية، والذين قُمعوا فيما بعد من قبل قطعان الحرس الجمهوري العراقي بموافقة ومباركة الأميركان وبعض دول الشرق الأوسط ومنها السعودية، ولم يبق أمامهم من باب سوى التسرب من الجنوب العراقي الى السعودية للأقامة في معسكرين على الحدود هما معسكر رفحاء ومعسكر الأرطاوية، وكيف لم تسمح لهم السعودية بدخول المدن والأقامة فيها أو ممارسة العمل والدراسة بل أبقتهم في هذه المعسكرات الحدودية فيما أرسلت السويد وفودها لمقابلتهم وجلبت بعضهم الى أراضيها ومنحتهم مباشرة حق اللجوء وسهلت معاملة كفالتهم بحيث ان أي عراقي مقيم في السويد ويحمل الجنسية السويدية كان بأمكانه ان يعمل كفالة للاجيء عراقي في السعودية اذا كان قريباً له أو حتى يدعي قرابته كأن  يقول مثلأ : ان اللاجيء فلان أبن خالتي، وعلى هذا الأساس يعمل له الكفالة حتى لو لم تتطابق الأسماء العائلية ليأتي اللاجي  ويقيم في السويد مع العلم ان الدولة السويدية هي التي تدفع بالتالي نفقاته !!
لاجئون من لبنان وفلسطين وسوريا والعراق وايران وباكستان ومصر والسودان وليبيا يقيمون من زمان ومن أوقات مختلفة على أرض السويد جنب لاجئين من أفريقيا وأميركا اللاتينية وبقاع الأتحاد اليوغسلافي السابق وأصقاع أخرى من الأرض، وكلهم  يستلمون الرواتب المجزية ويتمتع ابناؤهم بالتعليم، وهم جميعاً مؤمنون صحياً وكل ذلك  على حساب السويد . وبعد كل هذا يأتي مَن هو محسوب على الأسلام لينفذ عملاً وحشياً يستهدف أبرياء من أهل البلد الذي أحسن الى ملايين اللأجئين من أمثاله وانتشلهم من المصير المجهول، وليحسب الخطأ فيما بعد على مسلم، وعند البعض على المسلمين بشكل عام !!
مامن دولة أوربية قدَّمت بسخاء مثل السويد ربما بالأمكان ان نسمي بعض الدول التي تقارب السويد في هذا المجال مثل النروج والدنمارك وفنلندا، لكن السويد فاقت الجميع مثلما نعتقد، ومهما يكن من أمر تبقى السوية الأنسانية وكرم النفس ويقظة الضمير أموراً لايمكن ان يتخلى عنها الأنسان، الأنسان !!
لايمكن لحر شهم كريم صاحب ضمير ان يعتدي على أبرياء من أهل بلد ضيفه حتى ولو ليوم واحد !!
وما حصل في السويد قبل أيام قليلة أهانة بالغة لأنسانية الأنسان وجرح في جبين الشهامة الأنسانية  !!



 
الاسم البريد الاكتروني