بــــراءة

الاحد : 21 / 12 / 2008

بــــراءة

 

ما أنْتَ بالخبِّ الخَتور، ولا الذي

اذا اسْتودِعَ الأسْرارَ يوماً أذاعها

(شاعر - عربي)

 

سيأتيك نبأ الخبِّ والمغَفَّل، ملخصاً، كما ورد في كتاب "كليلة ودمنة". وهو درس لكل ذي فؤاد وبصر وبصيرة وعقل، وكذلك للذي يريد أن يعرف، أو يزداد معرفة، بأخبار الذين كانوا يتبرأون من مبادئهم، بين رمشة من عين وأخرى.

نحن في زمن الخبّ والمغفّل.

ونحن، مع قضية منتظر الزيدي، نرى الخبّ والمغفّل، وقد انكشفا تماماً، كما انكشف أصحاب البراءات، قبل نصف قرن، ومنذ يوم الأحد الماضي، أيضاً.

 

وربما، في ذلك الوقت أيضاً، كتب أحدهم مديحاً، بعدما تبرأ من دمار رفاقه، مقالاً يشتم فيه الهواء الذي مرَّ بسجون العراق، ذات يوم.

وفي فترة لاحقة، تغيّر "نصّ البراءة".

وبعد احتلال العراق من أمريكا، أخذت البراءة من العراق، وشهداء العراق، شكلاً آخر، عنوانه العملية السياسية، وامتداح الرئيس جورج دبليو بوش.

لا تزال الذاكرة خضراء.

فبعد أشهر معدودات على احتلال العراق، أعلن "البراءة" أحزاب معروفة من تاريخ العراق النضالي. وكتب عشرات الكتاب والمثقفين العراقيين، رسالة تأييد وعرفان بالجميل، للرئيس الأمريكي جورج بوش، لأنه احتل العراق.

وهؤلاء، حتى الذين لم يحترقوا بالكامل حتى يوم الأحد الماضي، ظهروا عراة من دون ورقة توت، تماماً كما لم يظهروا وهم يعلنون "البراءة" من أنفسهم، عندما لعنوا الشاب منتظر الزيدي، واختاروا شخصية الخبّ وصاحبه المغفّل.

والخبّ: المخادع، لغةً وحقيقةً.

فقد روى كليلة: "زعموا أن خبَّاً ومغفّلاً اشتركا في تجارة وسافرا". حيث وجد المغفل كيساً فيه ألف دينار، فأخذه. وقد أحسّ الخبّ بذلك، فتعاهدا بعد حوار بينهما على وضع المال تحت شجرة، ومتى ما أحس أحدهما بحاجة الى مال، أخذ قسماً منه.

الحكاية لطيفة جداً، وهي تفضح أولئك الذين يخونون أنفسهم بسرعة، فتنقلب حياتهم جحيماً، والعودة إليها مفيدة في كتاب "ألف ليلة وليلة".

والزبدة في حكاية "حذاء الزيدي" أنها كشفت تاريخاً كاملاً من "البراءات" في نموذجي الخبّ والمغفّل، مثلما أعادت تأكيد نقيضهما: أي ذلك المواطن الذي لا يتنازل عن وطنه، ويضحي بنفسه من أجله، إنْ دعاه الى ذلك داعي الجهاد.

 

جمعة اللامي

www.juma-allami.com





 
الاسم البريد الاكتروني