النمر الفتنامي/ قراءة

لطيفة حليم
-مفاتحة 

 
صفحة 76 " .. وفي هذا الصنف الأخير يدخل نمرنا الذي جاء أول ما جاء على هيئة هر كبير تخلى عنه أربابه من أصحاب سفينة فيتنامية .. وتعرض إلى ذلك التحول الرهيب الذي يشبه المسخ بين أيدينا وربما بمساعدة منا.." 
 " النمر الفتنامي" للكاتب حسن البحراوي، رواية تحمل ثقافة واسعة ورؤية فنية في صناعة سردية مدهشة بواسطة ألفاظ  وثابة تقفز إلى القارئ-ة- النهم، تشبه سحر الشَّعوذة في جمالية أنيقة متفردة، هدفهَا طرح التساؤل  منذ القراءة الأولى ونحن نواجه النمر الفتنامي في غوايته الماكرة :
لماذا همشت المرأة في رواية " النمر الفتنامي"؟
لماذا اختفى  صَوتُها ؟
بلى، لم تختفي المَرأة، فهي مَنبع القطع السردية في الرواية، ويؤكد لنا ذلك، لفظ "أمي" . الأم  التي اهتمت بالقط حتى أصبح نمرا . يستهل الراوي روايته  " كنا نربي نمرا في البيت وكانت أمي تطعمه من قوائم الدجاج "صفحة3، أول قطعة سردية تواجهنا .وأول لفظ  "أمي "
نجلاء
ص 51 نجلاء" البنت المحجبة نجلاء معاونة الصيدلي منير .."
في آخر ص 137 نجلاء " .. وتزوج الصيدلي منير بالبنت نجلاء التي بدأت مساعدته وانتهت أم أولاده عصام وأيوب..."
ص 69 حواء" .. ننتظر معها على أحر من الجمر أن يكون القادم نفرة أنثى وليس نفر ذكرا يضاف إلى فريقنا الذي ضاق ببني آدم وصار في أحوج ما يكون إلى حواء صغيرة تدخل عليه البهجة.."
أمي الوالدة 
لا اسم لها - حبا وتعظيما. يتضح لنا ذلك من خلال " أمي - الوالدة . من أول صفحة3" وكانت أمي تطعمه " إلى آخر صفحة 137 " .. الوالدة للحج في بيت الله الحرام ... وابتلت بداء السكر "
 
زوجة أحد إخوتي
 
آخر صفحة 137"..وانتهزت زوجة أحد إخوتي الفرصة وهي تنظف أطراف الدار، لتقوم بالتخلص من العديد من الأشياء التي اعتبرتها زوائد ومهملات وكان في مقدمتها مجسم النمر القط الذي كان من نصيب بائع الخردوات مقابل دراهم معدودة .. "
المرأة تحقق نجاحا داخل المتن السردي : الوالدة ترحل إلى الحج مع الصحراوي، نجلاء تتزوج من الصيدلي . زوجة احد الإخوة،  تتولى التخلص من مجسم النمر القط . لا شيء يكتب عبثا في الرواية عند الروائي البحراوي، إن ألفاظ الأعلام مهمَا تطورت تقنياتها تظل عاملا فعالا أساسيا، يفرضُ سَطوته على الأزمنة والأمكنــَة داخل القطع السردية من رواية " النمر الفتنامي". التي تقوم على خلق اللذة والتسلية، وتمتلك من الأدوات والآليات ما يجعلها تقحم أشخاصًا وأحداثـًا متداخلة في بوتقة سردية واحدة، لخلق الدهشة والمتعة وإثارة عاطفة المتلقي ليتعاطف مع الوالدة نجلاء مثلا بحب استهواء القارئ-ة-  . فالإبداع الجيد يكبر مع القراءة الجيدة، وآنت تقلب الصفحات من رواية " النمر الفتنامي" وهذا ليس في متناول الجميع بل كثير من القراء ليست لهم دراية بالقراءة الممتعة . لانهم يقرؤون الرواية مرة واحدة . وأغلبهم يتصف الأوراق وكأنه يريد أن يعثر على كنز " علي بابا"فيظل الباب مغلق .
الرواية بداخلها أشياء مهمة منها تطور الوعي السياسي . والأغنية الشعبية . الرواية هِي مسؤولية وعلى الروائيون أن يكتبوا ويكتبوا من اجل أن  نكون سعداء معهم، وأن يجعلوا من الكتابة فعل سلام وحب  . لتنتهي الكراهية والحرب من العالم .
الرواية بَصَمَتْ التاريخ بأعلام من المغرب- الريف- ص  8 عبد الكريم الخطابي . "واصل البطل الوقوف بخيلاء في مكانه وكأنه شارك في الحرب إلى جانب عبد الكريم الخطابي". الضمير يعود على عز الدين ص91 عبد الكريم الخطابي. " وسيكتشفون هؤلاء الأسرى المغاربة أن للفتناميين معرفة بالمغرب وخاصة بالحزب الشيوعي وبالثورة الريفية وقائدها عبد الكريم الخطابي الذين كانوا يتحدثون عنه بتبجيل فائق ويعتبرونه معلما لهم لأنه واجه بجيش من المزارعين دولتين امبرياليتين فرنسا واسبانيا ".

 ص 52 شميشة . " وكأنها الشفة شميشة نفسها".الضمير يعود على نجلاء
ص83 عابد الجبري" وتمنى لو كان عابد الجابري" الضمير يعود على عز الدين
ص83 علي اومليل " فعلي اومليل كان قد صار سفيرا للمغرب في دولة مصر .."
ص 83 بنسالم حميش ".. وبنسالم حميش أدركته وزارة الثقافة ودخل في مشاحنات عنيفة .."
ص 91 محمد اوفقير"انه  الملازم المغربي محمد اوفقير الذي عمل منذ أواخر الأربعينات في وحدات تمشيط الأدغال وبالوحدة البحرية وقيادة الكوموندوهات وفاقت شهرته الضباط المغاربة الآخرين المرتزقة العاملين ضمن القوات الفرنسية في الفيتنام .
ص100 أفقير" .. أفقير الذي نجا في مراكش من محاولة اغتياله مع الملك سنة 1963 ؟؟؟"
ص 136 أوفقير " .. وأوفقير ... وأوفقير يموت سنة  1972  في أعقاب انقلاب فاشل منتحرا بخمسة رصاصات في ظهره اخترقت إحداها عينه اليمنى .."
ص 92 علي يعته" .. فانتدب علي يعته الأمين العام للحزب من داخل سجنه لهذه المهمة شخصا " 
ص135 حجيب" وكان الفضل يعود للفنان حجيب لكونه قد فتح سمعي ثم وعيي في تلك الليلة على جذور الغناء الشعبي المغربي المرساوي .."
ص135 حجيب " عرفت من حجيب انه يعاني بين الفترة والأخرى بسبب من مهنته بالذات بحة وألم  في حباله الصوتية .."
 ص حجيب " .. وتطوع حجيب عندما علم بالأمر بالغناء في حفل زفافه مجانا ومقابل أن يؤدي لأعضاء الجوق فحسب.."
مابين " نهاران" و " النمر الفتنامي" الأم 
ص8-ص9 "نهاران" 
"منى الآن في مونتريال ، تبين لها لماذا كانت أمها تنسى المغرفة في الطنجرة، ولا تسلها عند الغلي الأول لأن الضوء لا يوجد بغرفة نومها، العتمة تمنعها . أمها وجميع الأمهات يحملن سنة بعد أخرى . منى وجميع صديقاتها ماهرات في نزع المغرفة، الضوء الأزرق الخافت يساعدهن ليتربعن على العرش لحظة .
ص69 "وخلال تلك المدة كان إخوتي يزدادون بمعدل نفر واحد كل سنتين.. فما أن تفرغ الوالدة من إرضاع وليد السنة الماضية ويشرع في المشي حتى نشاهد انتفاخ بطنها من جديد .." 
 
النمر الفتنامي 
رواية تقص حدث القتل قتل حيوان قط تحول الى نمر . تشعر وأنت تقرأ حوالي ثلث الرواية أن ذلك الحدث هو مركزها . لكنك تغير رأيك حين ترك الراوي ذلك الحدث إلى قص سير الأشخاص الذين شاركوا في الحركة حوله .
كان ينبغي أن يجد الراوي طريقة أخرى لإيراد الحديث عن الشخصيات في قلب الحدث المركزي . لكنه فضل الحديث عن الحدث المركزي ثم عقب على ذلك ببيان سير الشخصيات  المشاركة فيه، الحدث المركزي هو قصة حيوان صغير "القط" جلبه - الصحراوي- رب أسرة إلى بيته  فاشتغل به أولاده، لكن القط كبر حتى صار خطرا على الأسرة، فحمل إلى حديقة الحيوان ومنها فر فقتله قاتل وبعد ذلك حنطه أولاد الصحراوي بمساعدة صيدلي وأعادوه إلى بيتهم، ثم استردته الشرطة وجعلته في المختبر العلمي ثم أعادته إلى بيتهم مرة أخرى . خلال ذلك تحدث أحداث كثيرة وتفاصيل غنية يسردها السارد داخل سرودات فنية بصناعة ذكية . يقدمها باحث أكاديمي على اطلاع كبير بفن السرد .
 
التفاصيل الروائية:
إلى حدود نصف الرواية تحس بأن الدفق الروائي شديد وأن الأحداث والشخصيات ومنطقها وعلاقاتها تتدفق من قلم الراوي   تدفقا نهريا في خط عريض واحد . لكن هذا التدفق يضعف في الجزء الأخير من الرواية وخصوصا بعد أن أعلن الراوي انه سيتعرض لسير الشخصيات، استثنى من ذلك العرض بعض الشخصيات التي تعرَّض لهم في قلب حديثه عن قصة " النمر، القط" . لو استطاع الراوي مثلا إضافة  "الوالدة" و"نجلاء" . كما فعل مع شخصية " باعمر" و" عز الدين" في قلب الحدث المركزي لضمن لقصته تماسكا يقوي الدفق الروائي في العمل كله ويزيل عنه أثر التشتت الذي أضفاه عليه فصل تلك السير عن الحدث المركزي .
 

نمط الرواية:
تنتمي الرواية من جهة الشكل إلى الأعمال الروائية التصويرية . إنها رواية ترسم شخصيات من خلال الأعمال، أعمال الشخصيات والراوي هو فيها عالم بأحوال الشخصيات كلها ما ظهر منها وما بطن . هي رواية تعفي القارئ من التفلسف في البحث عن أسباب وأعمال وأحوال الشخصيات . تقدم الرواية عمل الشخصية  وعلة عملها  وتساعد القارئ على تتبع الشخصيات والربط بين أفقها وأقوالها . هذا النوع من الكتابة يختلف عن نوع آخر يصف أفعال الشخصيات ولا يعللها ويترك للقارئ اكتشاف العلة ويختلف عن نوع آخر من الروايات التي لا تتحرك شخصياتها في خط زمني ومكاني منطقي وتقدم شخصيات جامدة تظل هي هي من أول الرواية وإلى نهايتها . شخصيات رواية البحراوي واقعية منطقية ومتحركة وتعيش في جو زمني مكاني له نهاية وله بداية.
لطيفة حليم 




 
الاسم البريد الاكتروني