دور المراة في الموسيقى الأندلسية

عالية كريم
/site/photo/11537

" الموسيقى كانت بنظر الفرس أدباً، وبنظر الروم فلسفة، أما بنظر العرب فأصبحت علماً "

                                                                                        الجاحظ 

 كانت المرأة في العصر الأندلسي كما في كل العصور هي محور الفلك الأُسري وعموده الفقري، ومع هذا  فعملها في توفير احتياجات أُسرتِها والسهر على راحتِها لم يعيق رغبتَها في طلب المعرفة، في العلوم والفنون والآداب ...

كان تعليم النساء في العصر الأَندلسي أمرا مالوفاً، وكانت الكثير منهن يتسلحن بالعلم والمعرفة، وفي ذلك العصر دأبت النساء على التبحر في مجالات فكرية وفنية عدة، فتفاخرت الأندلس بمدارسِها العديدة المختلطة، حيث تستطيع الزوجات الحضور مع أزواجهن أو البنات مع آبائهن، وحصلن على الشهادات كالرجال، مما خولهن حق التدريس، وإلقاء محاضرات عن القانون وعلوم الدين، ودرسّن أُصول الموسيقى وأُصول الغناء، وكان افتتاح المدارس الخاصة من قبل النساء امراً دارجاً، وأصبح شائعاً ارتباط كبار الشخصيات بنساء لتفوقهن العلمي وموقعهن في البحث والدراسة، فاصبح زواج الأُمراء من جاريات، لإنجازاتهن الفكرية او الفنية امراً مألوفاً .

لقد  تمتعت المرأة الأندلسية بمكانةٍ خاصة في ظل دولة الأندلس، قلما نجدها في عصور سبقت، فقد كان حضورها قويًا على مسرح الأحداث الإِجتماعية والسياسية والعلمية والإِقتصادية والإِبداعية، فالمرأة في العصر الأندلسي قد وجدت منطلقاً لمواهبِها، وحافزاً على استكمال شخصيتها متأثرة بالمحيط الذي أتاح لها ان تعمل وترتقي فكرياً وثقافياً وفنياً .

كان ازدهار الفنون الموسيقية وفن الغناء من مظاهر الحضارة التي ازدهرت في العصر الأندلسي، بالموازاة مع العلوم والإقتصاد والقانون والآداب، ودلَّل ذلك بشكل كبير على مدى حب أهل الأندلس للموسيقى والغناء، فشجع امراء أُمية الحركة الفنية، كتشجيعِهم للحركة العلمية والتي سادت في العصر الأندلسي، واستقدموا لذلك الكثير من الجواري المشرقيات البارعات في هذا المجال، وبلغ من حب الأندلسيين لفن الغناء والموسيقى أن ابتكروا لونًا موسيقياً جديدًا عرف بالموشحات، التي كان مركزها ما يعرف ب( الخرجة )، والذي لا يكون إلاّ بصوت امرأة، ومن اشهر من غنى هذا اللون الغرناطية نزهون بنت القلاعي،  وبنت المعتصم بن صمادح التي كانت تدعى أم الكرام . ويعتبر هذا الفن ثورة في الشعر العربي كله، وحركة من حركات التجديد فيه، والذي ساهمت فيه المرأة بشكل اساسي . فواكب النهضة الموسيقية في الأندلس، تحرر الشعر العربي من قيود أوزان الشعر المتعارف عليها، ليبرز فن الموشح . ونظِّمت الموشحات بصورة تلائم التلحين والغناء، بعيداً عن علوم العروض والقافية، وأجادت وبرعت في أَدائه النساء، وبرزت أَسماء العديد من نساء ذلك العصر وذاع صيتهن كمؤديات وكمعلمات، وسجل التاريخ مآثرهن ونبوغهن   .

إعلاء مكانة المرأة 

إن طبيعة البيئة الأَندلسية المتطورة السمحة ساهمت في قدرة المراة على التعبير عن طاقاتها الإِبداعية، بالإضافة إلى ما كانت تنعم به الأندلس من نهضة واستقرار سياسي، وللرفاهية الإِقتصادية دور كبير في تطور النظرة للموسيقى وإِعطاء الأهمية  للنهضة الموسيقية، فالموسيقى والفنون عامة لا يمكن ان تتطور إِلّا في المجتمعات التي تجاوزت حاجاتَها الأساسية، وبلغت مرحلة معينة من الرخاء والإِستقرار. ( كما ورد عند ابن خلدون )  فشملت هذه النهضة حواضر الأندلس الكبيرة كقرطبة، غرناطة، إشبيلية، بلنسية، رندة ، سرقسطة، ومختلف أرجاء الأندلس منذ القرن الثامن الميلادي وحتى القرن الثالث عشر منه . فكانت تلك الرفاهية العامة في العيش، وذلك الإِستقرار الأمني الطويل المدى، إلى جانب التطور الإجتماعي المذهل الذي تمسك بجوهر الدين من غير تزمت او مغالات، الذي أدى الى احترام حرية التعبير وإِعلاء مكانة المراة، واحترام وتقدير طاقاتها الإبداعية، وكان السبب الذي حفز الناس للأخذ بالعلم، والإِهتمام بنشره، والعناية الفائقة بالفنون على أنواعِها، فانصب الإِهتمام على بناء المدارس والمكتبات العامة والخاصة، واستقطاب العلماء والشعراء والفنانين من البلاد العربية، كالعراق والحجاز وبلاد الشام، واستقدموا من الشرق بعض النساء العالمات لكي يُدرسّْنَ أبناءَهم وبناتَهم اللغة والفقة والأدب والعروض، كاستقدامهم من النساء اللاتي يملكن الكفاءة لتعليم فن الموسيقى والغناء . وهذا يدلل على أن للمراة دوراً مهماً في ازدهار الموسيقى في العصر الأَندلسي، وعلى أنها كانت مساهمة فعّالة في إِرساء قواعد الموسيقى الأَندلسية جنباً الى جنب مع كبار الموسيقيين آنذاك .

 لقد ذكر *المقري في كتابه " نفخ الطيب في غصن الأندلس الرطيب " عدداً كبيراً من النساء اللواتي تفرغن للعلم والتعليم ونسخ المخطوطات وذكر كذلك أكثر من ثلاثين شاعرة مجيدة، وذكر الأمير شكيب أرسلان في كتابه " الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية " الدور المهم الذي قامت به المرأة في نشر الثقافة وتطوير المجتمع والسمو بالفنون الموسيقية وارساء قواعدها جنباً الى جنب مع أَهم الموسيقيين والشعراء .

 زرياب ( أبو الحسن علي بن نافع )

لقد وهبت الأندلس  البشرية فنانين غيَّروا مجرى تاريخ الموسيقى في العالم بأسره، ومن أَعلام هؤلاء الفنانين واشهرهم أبو الحسن علي بن نافع الملقب بـزرياب، تشبيهاً بطائر الزرياب، والزرياب طائر أَسود يُعرف بجمال الصوت . استطاع زرياب الموسيقي العبقري أن ينشئ حضارة موسيقية متكاملة، بعد أن اختلف معه في بغداد أُستاذه إسحاق الموصلي، واضطره إلى الرحيل وانتهى به المطاف في بلاد الأندلس . فجعل منها حاضرة للفن، تضارع ما كان يقام في بغداد . وأحدث تجديداً وتطوراً في فن الموسيقى، وكان لوجوده في بلاد الأندلس التأثير الجوهري في نشأة الحضارة الموسيقية في البلاد الأوروبية آنذاك . سواء من خلال بعثات الإِشراف التي كانت تفد إلى مدينة قرطبة لتنهل من علم وفن زرياب وتلاميذه، أو من الجواري اللاتي كن يتعلمن في مدرسة زرياب ثم يرسلن كهدايا لملوك وأشراف البلاد الأوروبية، وأيضاً ظهر الشعراء والمغنون المتجولون في جنوب فرنسا -المتاخمة لشمال إِسبانيا- محاكين ما كان يحدث في البلاطات العربية في الأندلس، بتأثيرات من الحركة الموسيقية التي تزعمها عبقري الموسيقى زرياب، وتلامذتهِ، نساءاً ورجالاً، وبذا نجد ان المراة في العصر الأندلسي كان لها ايظاً دوراً بارزاً في نقل الموسيقى الأَندلسية الى أُوروبا والتأثير في نشأتِها وانتعاشِها، من خلال الجواري المهداة الى ملوك أُوروبا، أَو عن طريق التلاميذ الذين تتلمذوا على أَيدي معلمات في الأَندلس أَبدعن واتقن فن الموسيقى والغناء .

بعد أن جاء زرياب من بغداد إِلى الأَندلس، بدأ  نشاطه في مدينة قرطبة وذلك بتأسيس دار المدنيات للغناء والموسيقى والذي اتخذ به من بناته وجواريه بالاضافة إِلى ابنائه أساتذة لمساعدته على تطور فن الموسيقى بما يحقق نهضة جديدة تناسب حياة الأندلس . كان المعهد يشمل تعليم مختلف أنواع العزف، والغناء، والتلحين، والشعر بسائر عروضه،  وكان للمرأَة فيه دوراً بارزاً ومهماً وموازياً لدور الرجل وكان الإقبال على دار المدنيات  عظيما– يقصده الطلاب من كل الأَنحاء، العرب وغير العرب، من الأندلس وخارجها . مما كان ذا أثر عظيم بالنهوض بفنون الموسيقى والشعر في تلك البلاد التي امتد الكثير من فنها إلى أُوروبا . وكان من يعمل على تطبيق المنهاج الدراسي لهذا المعهد بنات زرياب وجواريه وأَبناؤه، وتعتبر أول مدرسة أسست لتعليم علم الموسيقى والغناء وأساليبها وقواعدها في العالم، وإلى زرياب يعود الفضل في تعليم الجواري الغناء والعزف على العود، فبرعن في ادائه وفي تعليمه للعديد من الطلاب المهتمين بهذا الشأن، وبين من اشتهر من هاته الجواري،غزلان، هنيدة، فلّة، قَمَر البغدادية، قَلَم البَاسْكِية المغنية الكبيرة والخطَّاطة اللامعة المُبدعة، وصُبْح البَاشْكَنْجِيَّة ( أي البَاسْكِيَّة ) المعروفة بصبيحة الأندلسية أو أُورُورَا(Aurora) والتي أصبحتْ سلطانةَ الحَكَم المُسْتنصِر بالله وأمّ هشام المُؤَيَّد بالله . ومنهن منفعة التي اشتهرت بفرط جمالها، وقد أعجب بها ( الخليفة عبد الرحمن )، فأهداها له زرياب، فحظيت عنده . وهذا يشير وبشكل واضح  الى وجود العنصر النسائي في الحركة الموسيقية وإِن للمرأَة الأَندلسية حضور مهم وفاعل في الحركة الموسيقة الأندلسية كأستاذة وعازفة ومغنية وملحنة . 

وقد حظى غناء الجواري بالإِهتمام الأكبر، وفي مقدمتهن العجفاء جارية الأمير عبد الرّحمن الدّاخل، وقمر جارية إبراهيم بن حجّاج، وقلم وعلم ومتعة جواري زرياب، اللواتي بلغن شأنًا عظيمًا في هذه الصّناعة، وأسهمن معه في تدريب المغنّين والمغنّيات وعلى إجادة الغناء والعزف في المعهد الموسيقيّ الّذي أسّسه في قرطبة، ومن أشهر خرّيجات هذا المعهد مصابيح جارية الكاتب أبي حفص بن قهليل . ولايمكن ان نغفل ذكر امرأتين نبغتا على العود واشتهرتا بالظرف والأدب هما " فضل " و " قمر "  .  لقد حرص أمراء الأندلس الأمويون وخلفاؤها ووجهاؤها على رقي مجتمعهم وتقدم العلوم والفنون فيه دون إقصاء المرأة مما ثبَّت أركان ذلك الرقي، وذلك التقدم، لأَن أي مجتمع في العالم وعبر العصور لايمكن له أن يحقق الإِزدهار الشامل دون مشاركة نسائِهِ وإطلاق حرية العمل لهن حين أثباتهن قدراتهن في الإسهام والعطاء .

جواري يجدن الشعر والتلحين
 
يحفل تاريخ الأندلس بأسماء العديد من مقطوعات من الشعر المغنى، والتي غنتها جواري حذقن في فنون الموسيقى والغناء، واشتملت أغلبها على الغزل العذريّ والمديح، وعلى الشكوى والحنين . ولم يقتصر غناء الجواري على المقطوعات الشعريّة التي نظمَّها شعراء مشهورون أو لحنّها كبار الموسيقيون، بل اشتهرن بأغانٍ كتبن أشعارها، ووضعن ألحانها بانفسهن، وأبرزهن جواري الحكم ( الرّبضي) اللواتي وضعن عدة ألحانًا للفوز بمسابقة عقدها الحكم، وكانت الفائزة في هذه المسابقة، جارية اسمها ( بهجة ) حيث وضعت لحناً لأحد أشعار عروة بن حزام، كما وضعت لحنًا للحكم من شعر أبي تمّام .

 وفي عهد عبد الرحمن الداخل، ومن خَلَفَهُ، اعتمدت الأندلس، على استقدام الجواري من المشرق، بإغداق الهدايا والعطاءات لهن، ووعدهن بالرفاهية ورغد العيش، وبذا دخلت إِلى الأَندلس أَعدادٌ كبيرة من الجواري والقينات، اللاتي ازدهرت على أَيديهن فنون الموسيقى والغناء، ثم ما لبث الأندلسيون أن حققوا الإِكتفاء والاستقلالية في مجال استقدام الفنانات من الشرق، حيث أصبحت بلادهم تنتج فناناتها وفنانيها بنفسها وتُصَدِّر موسيقاها ليس إلى المشرق فحسب بل إلى كافة أنحاء العالم . وهذه المرحلة من التاريخ الأندلسي سَجَّلت إِبداعات المرأة الأندلسية في فن الموسيقى والغناء، وتفوقها في وضع العديد من الألحان التي انتشرت في الأندلس وفي بلدان عديدة خارج الأندلس وبقيت تأثيراتها خالدة حتى زماننا هذا .

لقد لعبت المرأة دوراً هامّاً في مجال الموسيقى، على مر الأزمنة والعصور، وحتى حين كانت مهمشة كما في العصر العباسي، فإنها كانت تتزعم النشاط الفني والغنائي، وكانت "القيان" يلحَن أغانيهن بانفسهن كما ورد في كتاب "الأغاني"لابو الفرج الأصفهاني، كما ونشطت هذه الحالة وبتزايد في العصر الأندلسي، حيث أصبح للمرأة دوراً بارزاً في وضع الألحان لأشعار أهم شعراء ذلك العصر . 

* ( المقري هو  أحمد بن محمد المقري هو شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد المقري التلمساني القرشي المالكي الأشعري من أعلام الفكر العربي في الجزائر أثناء عهدها العثماني شخصية متميزة فكرياً، توزّع هواها بين أقطار العروبة مشرقاً ومغرباً، ولد في الجزائر )





 
الاسم البريد الاكتروني