مرتكزات إعتمدتها موجة "ما بعد الحداثة" ثم أدت بدورها الى إنحسارها

د. هاشم عبود الموسوي
منذ ستينات القرن الماضي  ظهرت موجة في مجال التشكيل والرسم والهندسة المعمارية، قبل أن تنتقل الى الفلسفة  والأدب والفن والتكنولوحيا وباقي العلوم والمعارف الإنسانية . ثم غزت في فترة لاحقة جميع فروع المعرفة كالأدب، والنقد، والفن، والفلسفة، والأخلاق، والتربية، وعلم الإجتماع، والإنثروبولوجيا، وعلم الثقافة، والإقتصاد، والسياسة، والعمارة، والتشكيل ... وسميت هذه النظرية ب ( ما بعد الحداثة ) .. وإستمرت تبهر الداعين إليها مدة أربعة عقود . فكيف ظهرت ؟ وكيف إبتعد عنها الداعون إليها  ؟
 
مرتكزات ما بعد الحداثة :
إستندت ما بعد الحداثة في الثقافة الغربية الى مجموعة من المكونات والمرتكزات الفكرية والذهنية والفنية والجمالية والأدبية والنقدية، والتي أصبحت فيما بعد هي المعول الذي إنهد عليها وأنهى سطوتها .
 
-التقويض : هدفت نظرية ( مابعد الحداثة ) الى تقويض الفكر الغربي، وتحطيم أقانيمه المركزية عن طريق التشتيت والتأجيل و التفكيك بمعنى أن ( ما بعد الحداثة ) قد تسلحت بمعاول الهدم والتشريح لتعرية الخطابات الرسمية، وفضح الآيديولوجيات السائدة المتآكلة بإستعمال لغة الإختلاف والتضاد والتناقض . وهذا ما ظهر إيجابيا في أول الأمر في هذه الحركة، شجع مريديها على التشبث بها . 
-التشكيك : أهم ما تميزت به ( مابعد الحداثة ) هو التشكيك في المعارف اليقينية، وإنتقاد المؤسسات الثقافية المالة للخطاب والقوة والمعرفة   والسلطة . ومن ثم أصبح التشكيك آلية للطعن في الفلسفة الغربية المبنية على العقل والحضور والدالالصوتي . ومن هنا فتفكيكية "جاك دريدا"هي في الحقيقة تشكيك في الميتافيزيقيا الغربية من إفلاطون الى فترة الفلسفة الحديثة .
-الفلسفة العدمية : من يتأمل جوهر فلسفات ما بعد الحداثة، فسيجدها فلسفات عدمية وفوضوية، تقوم على تغييب المعنى، وتقويض العقل والمنطق والنظام  والإنسجام . بمعنى أن فلسفات ( ما بعد الحداثة ) هي فلسفات لا تقدم بدائل عملية واقعية  وبرغماتية، بل هي فلسفات عبثية لا معقولة، تنشر اليأس والشكوى والفوضى في المجتمع .
-التفكك واللاإنسجام : إذا كانت فلسفة الحداثة أو تيارات البنيوية  والسيمائية تبحث عن النظام والإنسجام، وتهدف الى توحيد النصوص، والخطابات وتجميعها في بنيات كونية، وتجريدها في قواعد صورية عامة من أجل خلق الإنسجام والتشاكل، وتحقيق الكلية والعضوية الكونية، فإن فلسفات ما بعد الحداثة هي ضد النظام والإنسجام، بل هي تعارض فكرة الكلية . وفي المقابل تدعو الى التعددية والإختلاف والتنوع واللانظام، وتفكيك ما هو منظم ومتعارف عليه .
-هيمنة الصورة : رافقت ( ما بعد الحداثة ) تطور وسائل الإعلام، فأصبحت الصورة البصرية علامة سيمائية تشهد على تطور ما بعد الحداثة، ولم تعد اللغة هي المنظم الوحيد للحياة الإنسانية أصبحت الصورة هي المحرك الأساس للتحصيل المعرفي، وتعرف الحقيقة . ولا غرو أن نجد  " جيل دولوز "  يهتم بالصورة السينمائية، إذ يقسمها الى الصورة  - الإدراك، والصورة – الإنفعال، والصورة – الفعل ، ويعتبر العالم خداعا كخداع السينما للزمان والمكان عن طريق خداع الحواس، وذلك في كتابيه ( الصورة-الحرك )1983م )
-و( الصورة – الزمان ) ( 1985م)  . وبعد ذلك كله وجدنا الداعين  
-الغرابة والغموض : تميزت ( ما بعد الحداثة ) بالغرابة، والشذوذ وغموض الآراء  الأفكار والمواقف، فتفكيكية "جاك دريدا" – مثلا لا زالت مبهمة وغامضة من الصعب فهمها وإستيعابها، حتى إن مصطلح التفكيك نفسه أثار كثيرا من النقاش والتأويلات المختلفة في حقول ثقافية متنوعة، خاصة في اليابان والولايات المتحدة الأمريكية كما أن فلسفة |جيل دولوز" معقدة وغامضة ، من الصعب بمكان تمثلها بكل سهولة .
-وبعد ذلك كله : وجدنا الداعين الى التفكيكية قد تنصلوا عنها وبحثوا عن ما بعد ( ما بعد الحداثة ) .. فتولدت إتجاهات جديدة   .. وجديدة ومنها ما سمي ب( السوبر حداثة )، وغيرها من المسميات التي لم تستقر ليومنا هذا .
-




 
الاسم البريد الاكتروني