لـموسـيقى العربية حب الارتجال وغلبة الأشكال اللحنية 1

سليمان توفيق/ المانيا
/site/photo/9785

يمكن تقسيم الموسيقى العربية إلى نوعين ‬يتميز أحدهما عن الآخر بوضوح : ‬الموسيقى الشعبية، ‬وما ‬يسمى بالموسيقى الكلاسيكية. ‬تتنوع الموسيقى الشعبية بحسب بلد المنشأ، ‬كما أنها تتنوع داخل البلد الواحد من منطقة إلى أخرى وتظل مرتبطة بالمنطقة التي ‬أنتجتها. ‬وتنقسم الموسيقى الكلاسيكية بدورها إلى مجالين رئيسيين: ‬الموسيقى الدينية و »‬الدنيوية«. ‬مع الأخذ بعين الاعتبار أن الموسيقى الدنيوية واسعة المجال بيد أنها متجانسة جدا برغم إختلاف اشكالها الجمالية في ‬التعبير من منطقة عربية إلى أخرى.

منذ أمد بعيد كانت الموسيقى العربية متطورة، ويمكن القول إنها كانت في حال ازدهار في القرن التاسع الميلادي. في ذلك الوقت كان لدى العرب ثروة موسيقية وافرة تمّ تأريخها، كما اشتهر آنذاك موسيقيون ومغنون موهوبون ومحترفون يتقنون الصنعة، هؤلاء  كانوا نجوم الحياة الموسيقية في بلاط الخليفة وقصور الولاة.
في الموسيقى الأوروبية تشكل نصف النغمة أصغر فاصل، بينما توفـّر الموسيقى العربية إمكانيات استخدام فواصل أصغر بكثير. والسلم الموسيقي العربي يتكون مثل الغربي من نغمات كاملة ونصف نغمة، لكنه يسمح  بتقسيم النغمات الى أرباع أيضا. وهذا ما يجعل الموسيقى الشرقية تتسم بالثراء اللحني، وفيها تعزف النغمات بطرق سهلة متنوعة، دون أن يخرج الموسيقي عن النغمة الأساسية.

ثمة ميزتان أساسيتان تشترك بهما الموسيقى العربية، ألا وهما حب الارتجال وغلبة الأشكال اللحنية. فأداء اللحن تغلب عليه النزعة الفردية إلى حد كبير. أحيانا يمكن أن ترافق الجوقة المطرب/ المطربة. إن فن »تعدد الأصوات« (البوليفونية) المستخدم في  الفرق الموسيقية الغربية غير موجود في الموسيقى الكلاسيكية العربية.

المقام أساس الموسيقى العربية

يعتبر المقام أساس الموسيقى العربية. هذا المصطلح »مقام« يعني في الأصل: مجلس أو منزلة، أو بكل بساطة »مكان«. وقد أُستخدم أيضاً لوصف مكان إلقاء القصائد ومن بعد أطلق على حفلة الموسيقى مصطلح »مقام«.

في نظرية الموسيقى العربية الكلاسيكية يُشار بالمقام إلى أجواء السلم الموسيقي العربي، ويمكن مقارنته بالمقام في الموسيقى الكنسية القديمة أو بالمقامين »دور« و »مول« في الموسيقى الأوروبية. علماً بأن المسافة النغمية ـ كما سبقت الإشارة ـ يمكن أن تكون أصغر من نصف مسافة نغمية. فالموسيقى العربية تعرف أكثر من عشرة مقامات. إضافة إلى ذلك، فما يميز المقام كقطعة موسيقية كاملة عن المقام الأوروبي يتمثل في إمكانية صياغته إيقاعيا بشكل حر كامل وبتنوعه. وهذا غير ممكن في الموسيقى الأوروبية حيث ينبغي أن يكون الإيقاع محدداً بينما يمكن ابتكار التنويعات على اللحن.

معظم الموسيقيين والباحثين العرب يرتب المقامات بحسب تأثيرها الحسي: على سبيل المثال، غالبا ما يتم التعبيرعن الحزن من خلال مقامات الحجاز والصبا، أما جمال الحبيبة الفاتن وكل مزاياها فيُعبرعنه مقام البياتي.  

إتقان العزف ليس المعيار الوحيد لقياس الجمال في الموسيقى العربية، إذ تلازمه شروط منها كثافة الشحنة العاطفية أثناء الأداء لدى العازف والمغني، والإحساس العميق بالنغمة، والزخرفة التي تعني التنويع والارتجال في العزف والغناء. الموسيقي الغربي يتدرب على القطعة الموسيقية عدة مرات مستعينا بالنوطة المدونة، حتى يتمكن من أدائها بشكل متقن.  وفي المقابل يجد الموسيقي العربي الكلاسيكي المدخل الى الموسيقى عن طريق »روحها« وما تثير فيه من أحاسيس. وعندما يصل إلى هذه »الروح« يتغلب على كل الصعاب. هو بحاجة إلى الكثير من المبادرة الذاتية، فيرتجل ولا يتقيد بالصيغة الموضوعة للقطعة الموسيقية، وإنما يُنـّوع الأداء بحسب المناسبة بل بحسب أوقات اليوم أيضا؛ فالقطعة ذاتها يمكن الاستماع إليها بطريقة مختلفة عندما تُعزف ليلاً او ظهراًً، لأن أداءها يجري في أجواء مختلفة تماماً. وبقدر ما أبدع الارتجال من إيجابيات تلقاها المستمعون في أوانها، خلّف ـ من حيث لا يدري ـ سلبيات تركت آثارها عبر الأجيال. إذ في حين تم تنويط الموسيقى الأوروبية الكلاسيكية، ووصلت إلينا عابرة القرون، لم يحدث مثل ذلك في الموسيقى العربية الكلاسيكية التي لم تخضع للتدوين فغدونا نجهل بعض مفاتيحها اليوم، لأن المقام الواحد يُعزف كل مرة بطريقة مختلفة ارتجالياً.

الوصلة هى واحدة من أهم أشكال الموسيقى الكلاسيكية في المشرق العربي. تتكون من مؤلفات عديدة ومن قطع  للارتجال (للعازفين والمغنين) تؤدى جميعها ضمن سلسلة من المقامات. تبدأ الوصلة بقطعة معزوفة تؤديها الفرقة كاملة: سماعي أو بشرف. يتشابهان شكلياً ويختلفان ايقاعياً ونستطيع أن نقارنهما بالمقدمة الموسيقية في المتتالية (السويت) الأوروبية. من بعد يتم تقديم مجموعة من الأغاني يصل عددها الى ثماني أغنيات، أحيانا بمرافقة الآلات. بين كل أغنية وأخرى يتم عزف منفرد: تقاسيم على آلة، حيث يثبت كل عازف مهارته عبر الإرتجال. نصوص الأغاني قصائد قديمة أكثرها من العصر الوسيط تم تأليفها على إيقاع اللحن.

في بلدان شمال أفريقيا توطد شكل آخر للموسيقى الكلاسيكية: النوبة. وهي قالب موسيقي  خاص بالموسيقى العربية الأندلسية. في المدن المغاربية من المغرب إلى ليبيا مرورا بتونس والجزائر، حافظت النوبة على شكلها المميز حتى يومنا هذا. والنوبة شكل موسيقي متكامل ومهم  يمكن مقارنته بالسويت الأوروبي.  تتألف عادة من خمسة أقسام، يسمى الواحد منها ميزاناً، له طابعه  الإيقاعي الخاص به.  لكل قسم اسم خاص مُستمد من الصيغة الإيقاعية. تتكون النوبة من مواضيع موسيقية مختلفة في طريقة تعبيرها ولحنها، بيد أنها تشكل وحدة واحدة، كما هو الحال في السويت الأوروبي.

الغناء روح الموسيقى العربية

ويبقى الغناء نقطة الانطلاق الرئيسية للموسيقى العربية التي لم تعرف تقاليدها الموسيقى من دون غناء. تتشابك الموسيقى والشعر معا حيث ما زال من الصعب إلى اليوم معرفة أسماء الملحنين في  الموسيقى الكلاسيكية العربية. غالبا ما نعرف  أسماء المطربين والشعراء فقط. وعندما تعزف الفرقة مقطوعة، تكون الموسيقى في أغلب الأحيان مدخلا الى الغناء فحسب. وفي هذا الإطار انحصرت مهمة الموسيقى في الغناء فلم تبلغ »البوليفونية« أي تعدد الأصوات، إحدى السمات المميزة للموسيقى الأوروبية.

تطغي شخصية المغني/ المغنية على الفرقة وعليها التغلب على التحديات الرئيسية. يجب على هذه الشخصية أن لا تكتفي بامتلاك الموهبة الغنائية، إذ عليها أيضا، أن تتمتع بصوت جميل وقوي وتكون قادرة على ان تُشكل نظيرا للأوركسترا. إن الحدث الموسيقي الذي يوفره المغني بمرافقة الفرقة الموسيقية للمستمع يسمى »الطرب« وتعني هذه الكلمة  الابتهاج، النشوة والسكر. هي حالة احتفالية تنشأ من الغناء والموسيقى وتؤدي تقريبا إلى الشعور بنشوة من السعادة.  وعندما يبلغ المغني حد الطرب يمتلك مشاعر الجمهور. ترى بعض المستمعين يبكي أو يتأوه من الألم، خصوصا عندما يغني المطرب الحب الضائع. والبعض  يقفز ويهلل بصوت عال. ان شدة الطرب تعتمد بالدرجة الأولى على صوت المغني/ المغنية وطريقة الأداء، وكل ذلك مرده إلى الجو العام  ومناسبة الحدث، حيث يتجاوز المغني اللحن والنص وذلك بالارتجال والحرية في الأداء.

تبدأ مسيرة الفنان الغنائية عادة بتعلم ترتيل القرآن وفقا للقواعد التقليدية للغناء. يندر أن تجد مغنيا مشهورا لم يمر بهذه المدرسة الصعبة لتجويد القرآن. أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وسيد درويش على سبيل المثال. إن علم  تجويد القرآن جزء من التراث الثقافي للموسيقى العربية الكلاسيكية. ثمة حالة مشابهة لدى المغنين الأوروبيين الراغبين في التركيز على موسيقى الباروك، إنهم يهتمون بالتراتيل الكنسية من عصر النهضة والباروك بشكل متعمق .
 
 سليمان توفيق
شاعر وصحافي سوري متخصص في الموسيقى يقيم في ألمانيا. 





 
الاسم البريد الاكتروني