لـموسـيقى العربية حب الارتجال وغلبة الأشكال اللحنية 2

سليمان توفيق/ المانيا
/site/photo/9803

تُسمى الأوركسترا التقليدية للموسيقى الكلاسيكية العربية ( التخت ) ويتألف في أصوله من ثلاث آلات رئيسية : العود والقانون والناي. لاحقا، أدخل عليه آلة الكمنجة العربية . ويعتبر العود من أهم الآلات الشرقية وهو الذي يضبط  كلا من الوزن واللحن في  الموسيقى العربية . وقد أشاد بهذه الآلة العديد من الشعراء العرب، وهي أساس نظرية الموسيقى العربية .

أما القانون فهو الآلة الوترية الأخرى، تحتوي في الغالب على 78 وترا . تشد الأوتار بمسطرة متحركة مما يسمح بإنتاج العديد من الفواصل الصغيرة . واسم ( القانون )  مُستمد من فكرة فيثاغورس، التي تنص على وجود صلة بين العلاقات العامة في الفاصل الزمني، ولا سيما في الموسيقى وطبيعة الكون .

الناي هي آلة النفخ الوحيدة المستخدمة في الموسيقى العربية الكلاسيكية . بالنسبة للأذن الأوروبية  يشبه الناي آلة  ( بان فلوت ) . والناي عبارة عن قصبة جوفاء من سبعة ثقوب، مفتوحة الطرفين . وهو قادر على عزف النغم الشرقي الخالص بما فيه من أرباع الأصوات . إضافة إلى هذه الآلات، يتكون التخت الشرقي من آلات إيقاعية مثل الدف والدربكة والرق .

هذا وقد حظيت الموسيقى العربية الكلاسيكية بالعناية حتى خارج نطاقها الجغرافي، وذلك في عموم الامبراطورية الإسلامية، إذ اهتمت بها الثقافات الفارسية والعثمانية وسواها، وحافظت عليها ونقلتها عبر القرون إلى الأجيال المتعاقبة . من منتصف القرن التاسع عشر تجاوبت الموسيقى العربية مع ما وصلها من الموسيقى الغربية وتشربت بعناصر جديدة . وفي خلال الحرب العالمية الأولى، ومع ظهور الحركات القومية، بدأ الموسيقيون بالعودة إلى الجذور الموسيقية الخاصة . وفي مصر تمت الإستفادة من هذه الفرصة لتطوير موسيقى جديدة  ترتكز على التقاليد العربية الكلاسيكية .

أول مؤتمر دولي للموسيقى العربية

في عام 1932 عُقد في القاهرة أول مؤتمر دولي للموسيقى العربية التي شهدت نوعا من الإنبعاث . ويعتبر هذا المؤتمر إلى اليوم  واحدا من أهم المحطات في تطور التاريخ الحديث للموسيقى العربية . اجتمع حشد من الموسيقيين ونقاد ومؤرخو الموسيقى من أنحاء العالم العربي ومن تركيا وإيران وأوروبا للمرة الأولى للوقوف على تفصيل الموسيقى العربية ولتبادل الخبرات في حوار جاد بين الثقافات . بين هؤلاء شخصيات موسيقية عالمية مهمة من مؤلفين ونقاد وباحثين ومؤرخين مثل :

بيلا بارتوك، باول هيندميث، هنري رابو، إريك موريتز فون هورنبوستل، رودولف درلانجيه، روبرت لاخمان وكورت ساكس إضافة إلى بعض المستشرقين مثل هنري جورج فارمر وألكسيس شوتين. وكوكبة من الموسيقيين العرب يتقدمهم المصري محمد عبد الوهاب والحلبي سامي الشوا والعراقي محمد القبانجي. كما حلّ بعض الشعراء ضيوفا على المؤتمر . وشاركت أيضا فرق موسيقية عربية معروفة متخصصة بالموسيقى التراثية من سوريا والعراق ولبنان ومصر وكذلك من المغرب وتونس .

مهّد المؤتمر الطريق لنوع جديد من الموسيقى العربية : موسيقى مُتجذرة في التقاليد المحلية وقد اكتشفت في الوقت نفسه نقطة انطلاقها الخاص . وبذلك  اكتسب الموسيقيون والملحنون العرب حرية أكثر في الحركة . واعتبر الكثيرون توجههم الحداثي واستخدام وسائل وتقنيات جديدة نوعا من مضاعفة الإمكانيات الموسيقية المتاحة . في المقابل، لم تستورد الموسيقى الأوروبية فكرة الاستفادة من ربع الصوت المتوفر في الموسيقى الشرقية، في حين استفادت من تنوع الإيقاع والألوان الصوتية العربية .

في المؤتمر تمت مناقشة موضوع رئيسي يتعلق بإدخال آلات غربية إلى الموسيقى العربية . أثار هذا الموضوع الجدل الكثير، لأن البعض اعتبر ذلك تغييرا للسلم الموسيقي . كما حظي هذا التوجه الجديد بمؤيدين متحمسين رأوا فيه فرصة لتجديد الموسيقى العربية من حيث تحقيق المزيد من ( الهارموني ) (الانسجام) وتعدد الأصوات، إضافة إلى توسيع الاوركسترا . وكانت هناك فئة عارضت هذا المنحى خشية فقدان هوية الموسيقى العربية . وبرر أنصار هذا الرأي موقفهم هذا بالقول إن الآلات الغربية لا تصلح للموسيقى العربية المتميزة باستخدام ربع الصوت في سلمها الموسيقي . مع مرور الوقت ثبت أن مزج هذه الآلات في فرقة واحدة كان ممكنا . بل إن بعض الموسيقيين صنع بيانو خاصا يستطيع عزف ربع الصوت أيضا.

وكان من رأي القائلين بالاختلاط أن العديد من الأفكار والآلات الموسيقية التي تطورت في أوروبا هي من أصول شرقية، وصلت إلى أوروبا قبل قرون وها هي الآن تعود مُعدلة ومتطورة إلى الثقافة العربية. على سبيل المثال: الرباب. هذه الآلة التي منها تطورالكمان، جاءت إلى أوروبا من الفضاء الثقافي الشرقي حيث تم تحسينها بشكل كبير في الأداء والصوت. في القرن السابع عشر بدأ بعض الموسيقيين والملحنين العرب باستخدام الكمان الأوروبي بدل الرباب في الفرقة الموسيقية العربية. وفي القرن التاسع عشر تم الاستغناء عن الرباب نهائيا واستبداله بالكمان الذي ينتج صوتا جميلا رحب المدى . وفي القرن العشرين استعمل الموسيقيون العرب الكمان بشكل طبيعي . وهكذا كان الكمان أول آلة موسيقية أوروبية تدخل إلى الموسيقى العربية . وكذلك لحن الموسيقيون العرب بادخال الهارمونية الغربية على مؤلفاتهم، وبهذا تأسست الموسيقى العربية الحديثة .

 
 



 
الاسم البريد الاكتروني