مظلتان لشخص واحد/نينَا - أدونيس

مقداد مسعود/ البصرة
أتأمل الكلام التالي الذي تثبّته نينار، أبنة أدونيس : ( أعود إلى السؤال الذي كثيراً مايطرحه عليّ الناس : ،ماالذي تعلّمته من أبيك ؟،،../ 205 ) وسؤال الكثرة / الناس..سأتصدى له بسؤالي أنا الواحد  : لإبنة أدونيس : هل هذا الكتاب الحواري لنوال رضا الناس عنك ؟ كإجابة سردية مطبوعة كتابا ً للتحرر من لجاجة الناس حولك ؟ وهكذا يكون تحررك من ملاحقتهم لك ؟! وهل هذا الكتاب محاولة إشهارية بردم المسافة بينهما : الإبنة / الأب .. بمبادرة من نينار .. كأنها تريد التعويض عن غياب الأب في طفولتها ويفاعتها، غيابه بتوقيت شهرته الشعرية / المعرفية وعلى مستوى العائلة، فأن أدونيس محض ( ظلّ صورة هائلة الأبعاد دون أن يكون ذلك الأب حاضراً، / 10 ).. وهو من جانب آخر برصد ٍ من إبنته لايتحدث عن نفسه إلا أقل القليل، وهو يتحدث في السياسة وفي الشعر، وهنا تشتغل الكاريزما الأدونيسية في بث مرسلاتها نحو الآخر .. ( فأنت تمتلك هالة وحضوراً طاغيا يشيع حولك صمت .. ولست بحاجة إلى أن تقول كلمة واحدة . أو حين تحضر فإن حضورك المجرد يملأ المكان .. فأنت حالة فريدة ../ 27 ) ..
(*)
المسافة هي ورقية المطبوعات في بيت العائلة، وبشهادتها.. ( لقد بدأت أبغض الكتب منذ سنّ مبكر، ففي البيت، في بيروت كانت الجدران كلها قد غدت مكتبات ./ 205 ) وأصبح الأب مقرونا بالكتاب .. ( وفي كل مرة تكون بيننا في المنزل كان كتاب بين يديك .. وحينما لاتكون موجودا تذكّرني الكتب بغيابك .. ).. ومن غرائبية الواقع اليومي اللبناني ستنفتح جهوية جديدة بين نينار وبين الكتب .. التي ستكون متراساً ضد همجية القذيفة والرصاص والهاونات والقنص .. ( تطورت علاقتي بالكتب . فخلال الحرب، وأثناء القصف، كنا نلتجىء إلى الرواق بجوار رفوف ضخمة تمتد على طول الرواق، صاعدة من الأرضية حتى السقف . هناك عشت تجربة جديدة . كانت هناك كتب، كنت أراها دوماً، بحكم العادة في المكان ذاته، وعلى مستوى نظري. ولم أتمكن إلا مابين عامي 1979و 1986 ،، أي من سن الثامنة حتى الخامسة عشرة،، رؤيتها بسهولة . لقد غدت تلك الكتب متراساً لنا يحمينا من القنابل. كنت أقضي أياما وليالي بطولها في الرواق، مع بابلو نيرودا،، أعترف بأنني قد عشت ،، ومع نيتشة ،، ماوراء الخير والشر،، ومع مكسيم رودنسون،، العرب،، ومع حنة أرندت ،، أزمة الثقافة ،،.. ) ..
(*)
الرواق الكتبي هنا بوظيفة رحم تتغذى منه العائلة ويحافظ على بقائها حيّة طوال ساعات تبادل القصف والرشق، مؤثرية ذلك تكون بمثابة نقلة نوعية بالنسبة لنينار وبشهادتها ( منذ بداية هذه التجربة تغيّرت علاقتي بالكتب . فقد تحوّلت من أعداء إلى أصدقاء، إلى حرّاس . كنت أحبها من أجل هذا / 206 ) شهادة الإبنة : عرفان بالجميل الذي أسدته نضائد الكتب فهذه النضائد الثابتة الساكنة الصامتة الصامدة : هي التي حمت حياتها وحياة العائلة كلها .. ومشهد الكتب الثابتة هو الذي غيّر نظرة الابنة : ( أنني كنت عاجزة عن مؤالفتها وتدجينها . فكانت هي من ألفتني وروضتني .. كنت في تلك الفترة عاجزة عن إقامة مسافة بيني وبينها ../2007 ) .. ومن جراء ذلك صارت لوجود الكتب في البيت مذاقا آخر ( ثم غدت أشياء أليفة، عطوفة، يُدخل حضورها السكينة إلى نفسي.. ) وستحاول الابنة وفاءً مع الكتب، فلا تهجرها في مكانها على الرفوف حين تغادر لبنان ..( جمعت ُ تلك الكتب واصطحبتها معي إلى باريس، لعلّني أقرأها ذات يوم ، ) لكن ليس بالوفاء وحده تحيا الكتب .. ( ولكنها ماتزال حتى الآن طلاسم بالنسبة إلي ../ 206 ).. تغيرت العلاقة مع بقاء الفاصلة ( لم أكن قادرة على فتحها، وقراءتها ، وهكذا فقد خضعت قليلا لسطوتها. ولكّن ذلك كان إيجابيا في النهاية . فقد انتهى حضورها الصامت إلى أن يفرض نفسه ../ 207 ).. ولنستمع لتعقيب الأب أدونيس على كلام إبنته .. ( لقد رفضت ِ تلك الكتب، ثم انتهيت ِ إلى قبولها، من دون قراءتها . قبلت ِ فكرة الكتاب لامضمونه . ولكن، لماذا لم تنظري إلى الكتاب بوصفه رؤية أو بوصفه موقفا ؟ ).. يستمر الحوار بين أدونيس وإبنته فنعرف من الإبنة صراحتها المطلقة الجميلة الجريئة، تتمنى أن يكون بيت عائلتها يأتلف مع بيوتات زميلاتها ( حينما كنت صغيرة، كنت لا أطيق رؤية الكتب، واشعر بالخجل أمام رفاقي في الصف من ذلك الركام الهائل من الكتب في نزلنا.... وكنت إذا ما دعوتهم إلى المنزل، تمنيت أن تختفي جميع الكتب واللوحات عن الجدران ../209 ) .. .. أنها تريد حيزا يتشابه مع بيوتات زميلاتها في المدرسة وحسب قولها ( لم أكن أملك في المنزل حيزاً كافيا يشبهني / 210 ) ..
(*)
جماليات الصراحة : بسعة لافة  في مقدمة الكتاب : ( عزمت ُ على إجراء هذا الحوار مع والدي، أدونيس، لأنّني كنت بحاجة إلى معرفته، وإلى قضاء بعض الوقت معه على الأخص . كنت أودّ أن يحدّثني في أمور شتّى، وأن يجيب عن أسئلة أطرحها بوصفي، ابنة ،، ابنته، وليس بوصفي صحفية، أو مثقّفة، أو كاتبة ../ 9 ).. تحاول الإبنة إستعادة الأب من خلال إعادته لسنواته العائلية الأولى لكن يجيد التملص وإدعاء النسيان !! 
(ن : حدّثني عن المزيد من علاقتك بإخوتك وأخواتك، هل كانوا يغارون منك ؟ وأنت، هل كنت تغار منهم ؟ هل كنتم تتشاجرون ؟ هل كنت تسلك سلوك زعيم للعائلة أم سلوك ولد من أولادها ؟/ 38 ) .. كان ممكن لهذا السؤال المتشعب أن يحصل على فصل من الإجابات السييرية لكن أدونيس محق، حزمة الاسئلة بجواب قاس : ( لاهذا ولاذاك ) !! ونفس رد فعل ستكون اجابة أدونيس على السؤال التالي : ( ماذا كنت تفعل ؟ تشتغل في الحقول ؟ تقول جدّتي بأنه كان لك طبع غضوب، وأنك كنت تهتاج وتثور أعصابك بسبب أو بدون سبب، فتلجأ إلى اقتلاع المزروعات قصداً .. ) سيجيب أدونيس بإقتضاب : ( ماعدت ُ أتذكر تلك الفترة ) وكذلك حين تسأله إبنته .. ( هل يمكنك التحدث عن سنوات فقرك ؟ ) ثم تحاول تذكيره بنصائحه التي كان يسديها لها ثم تتوسل الإبنة بوالدها .. ( إذن، ولمرة واحدة ربما، حدّثني بتفصيل أكبر، أو حدثني في العمق، عن هذا الجزع الذي مافارقني في يوم من الأيام ) وستحصل الابنة على إجابة عادية كما في المرتين السابقتين .. ( يصعب عليّ كثيراً الحديث عن ذلك، ولكن ماقلته ُ حينذاك مستمد ّ من التجربة المعيشة .. )..
(*)
أهمية هذا الكتاب بدفئه العائلي فهو محاورات بين ابنة تشتغل في حقل السينما الذي لايشكل هما كبيرا لدى الشاعر أدونيس بشهادة ابنته نينار.. وبين أب منشغل بالشعر والفكر كتابة وحياة وأهمية الكتاب نكهته التلقائية في التحاور .. 
*نينار أسبر/ أحاديث مع والدي أدونيس / ترجمة حسن عودة / دار الساقي /بيروت / ط1/ 2010




 
الاسم البريد الاكتروني