لم يوقظني بلبلٌ ذاك الصباح

مقداد مسعود/ البصرة
حين نهضت ُصباحا 

 لم يوقظني البلبلُ كعادته ِ
بعد لحظاتٍ مِن معاينةِ المكان أو.. ربما بعد نهاية القصيدة
تأكد لي ان بلبلا آخر ضمن الانعكاس الشرطي
قد أنابَ عن بلبلي ..
أنتبهتُ : القفص في مكانه مثبّت على جدار الهول
البلبل كان عارياً : ملابسه ُ منتوفة 
في أرضية القفص --------- وعلى مفروم الخيار
وتشكلُ غشاوة ً في إناء الماء الصغير
من تقطيبة وجهه :  نفّذ تهديدهُ الأخير..
بصمت ٍ أثقلهُ نقص النوم  وبعينين شبه مغمضتين
توجهتُ... فتحت باب القفص، فإذا به يصرخني
:الآن.. وأنا بهذه الحالة الجسدية المضحكة، تطلق سراحي
أين أوليّ؟ المكان الوحيد  : أفواه اعدائي
...................................................

جلستُ بنعاسي على القنفة الوحيدة في الهول، أستفزه صمتي، فصرخ ثانية ً
أسألك بالله هل أسأت اليك ؟ 
أشتريتني من ذلك المنعطف الزفِر في سوق السمك .
تركتني  أعزبا في قفص لم تنظفه يوما..
تطعمني فلفلا لأبتسم بتوقيت برتقالة مزاجك
أطير..؟
 كيف؟
 ...أين ؟ 
أنسيتني جناحيّ، فأصابهما الضمور
كما أصاب حياتك كلها..



السفينة الراسية في شط العرب تنتظر

 موسم الشرجي، لتشحنه الى
 سيبيريا..
فقد انتفت حاجة البصرة :  لدينا أعجاز تمر خاوية
وعلينا بالعولمة 
وفق مشيئة التجار وتراخيص النفط .
لنطيل مكوثهم فينا وفي الارباض..
ربما .......
ندخل ( جنة البستان ) بمفتاح الأقليم !!



القطن الذي.. في أفواهنا (35) عاما 

انتقل مع ربيع 2003 الى آذانهم، فانتعش وادي السلام
بشواهد الحروب والتواصل الاجتماعي ..
في المقبرة الجديدة أصطدم قبرٌ 
بكتفي الأيسر وانا احاول المرور بين قبرين
فإذا بالصدمة جاءت من صديقٍ نسيني ثلاثين عاما لأنني لم أضمّد جرحه السياسي ..
ليلتها زارني  في فندق البلال،وحين سألته ُ كيف عرفت َ مكاني
أجابني.. أنت أخبرتني وانا .... تنازلتُ  
لمن لا يملك قبراً 


الأشياء في المحطة..

الكتابة ُ.. تنتظر قلمي الجاف الأزرق .
قلمها ينتظر شفتيها، اللتين تنتظران : لساني ..
لتتخلص من عريها الأزرق : تنتظر جهامة الغيوم
فالأرض مرآة ٌ: أخضرارها : مِن تلك الجهامة
البيوتُ الشاحبةُ الخدين، تخشى انسداد المجاري
وتلك الوردة الطرية كقيمر المعدان 
: تعاني انسداد الشرايين ..


لا  المطر يتوقف عن القهقهات النارية
ولا نحن عن الأستياء
حين لم يبق لدينا .....
خسرنا جنائزنا ... أو استلامها بالدولار ومعوقة 
لدينا آلاف الضحايا الشاغرة ...
تلك الرؤوس البريئة 
هل ستنبثقُ وتجعل مِن جبل سنام 
أخضرُ اللون والرائحة
كالتفاح ؟
ودجلة  هل سيجبل 

من عصير الفرامة
: عظام أخوتنا من 1979 الى 2003


سبقتني ملابسي وارتمت 

: البنطلون على السرير
القمصلة السوداء على كرسي البلاستك البيج
اليلك الماروني الصوف والقميص الوردي على الوسادة
الحذاء: ينتظر الجواريب
وجسدي... الماء الساخن،
استلقيتُ في زورقٍ أزرق مقلوب
رسمهُ  أصغرهم على جدار الحمّام الكالح ..
................................................
وهكذا تذاوبتْ  بدفء الماء : صحراء أم قصر
فتراجع ضجيج المكائن من 
: ذاكرتي .
             

الغروب سرق لونه مِن قميصك ِ 

كوبي الأزرق يصون سخونة َ شايك ِ
الذي رشفتُ منه ..
هذا ما أنبأني.. هدهدٌ 
عاملته لأسبابٍ لغويةٍ كهلال في مكتبتي ..
 وهي عربتي الخاصة في قطارٍ 
تختض ُ الأرض ُ من سرعته ِ
لا  أحد من الرّكاب رأى القطار رؤية العين
لا  أحد منهم ينكر وجود القطار..
سرعته ُ..
ضجيجه ُ..
توقفاته في صحراء الليل  


لأني نباتي أكتبُ بأقلام  ملونة 
على ورقة ٍ مِن زرقة ذاك الكوب 
أو من شمس النارنج
وتلك تهمتي التقنية ..
أكتب الليل والنهار، مرتفعات البلوط .. منخفضات البرحي
أحرث أوراقي بكلمات ٍ اقترضتها من سواعد سواي 
اتصلت ُصديقتي، ليختزن موبايلها هبوط الكلمات الاضطراري
حين أكون في ضجيج سوق المغايز  - شارع الجزائر -  الكورنيش – 
فتنحشر بين كلماتي : أصوات الباعة، أدعية الشحاذين.. شتائم الشذاّذ،
زعيق المراهنين على ديكة لا تتقاتل ..
وهكذا تكون نصوصي متهمة بالتعالي الطبقي ..


تنتظر الفجر رياضتي اليومية..
أنقّع حروف الخبز بالماء 
أرتقي السطح.. لأطرّز السياج بفتيت الخبز
ولا أنتظر ..
فالطيور أكثر خجلا...
أهبط صوب المطبخ ..
أكسّب خبزتي على عين زرقاء النار 
اغمس ُ لقمة ً منها
في استكانة الشاي
أقصد ُالسطح ثانية ً فيطمئن قلبي
: السياج نظفته ُبمناقيرها
ونظفتني ليومٍ جديد ..


يصبغ إطار القبر بالأخضر القروي 

ولايقبل بأقل من خمسة ِ آلاف دينار
بعينين مفتوحتين 
أرى ظلمة ً لا يضئها
خام أسمر 
وأشعرُ بحفيفِ أجنحة  
يهمسني : حتى وأنا هنا 
مازلت َ معيلاً


الحياة ... مَن صيرها مُضربة ً عن الإنتاج ؟

العمل قنعّته ُ البطالة . 
المكائن : تتوحم الدوي
الفوهات الوطنية والمستوطنة كالأوبئة ..
 تسدد فوهاتها وقاصفاتها
على حلم المعدن ..
ومايزال شط العرب، يتوحم البواخر
ولاينسى ( حديقة الأمة ) ..


عربة لا تتوقف في أي مكان
 يجرها حصانٌ 
لا أدري مَن خدعه ُ بترك لوحة عبد الملك عاشور!
على الحافة  البنّية  الأمامية المتآكلة للعربة
 يجلس ُ عجوز ٌ في صمته
متوسدا ساعديه المتصالبتين المستندتين على ركبتيه
حوض العربة ملآن بأسمال من كل الأصناف
أبواب البيوت مواربة
منها تطل وجوه نسوة وأنامل سباباتهن في أفواههن..
...................................................................
من تخت المقهى حيث أجلسُ 
أشاهدُ ذلك المشهد الضبابي، كل مساء
أحاول البحث عن اسم ذلك الفلم .. 
ماتزال العربة تجري بحصان آبق..
عجوز نائم .. أسمال .. أبواب مواربة .. سبابات نسوة..
ثم أحاولُ أن أحشر
: الحصان 
           العربة 
                         العحوز
                              الأسمال 
والنسوة..
في زقاقٍ من أزقةٍ قبلّتها قدماي.. منذ دشداشتي المقلّمة الاولى
الى مابعد هذي القصيدة ..



كنتُ جالسا في تعبي 

حين غادرني ظلي وسرعان ما ارتطم بعارضة ٍ
كلفته الكثير من ذاكرتي، صار ينبحني ..
ما أن يرانا نتمشى
 زينون الايلي وانا في فيء رواق من أروقة البصرة
 فيستقوي بالكلبيين كلهم
ولا يكتفي.. ذات يوم ٍ قائض اتهمني بفائض القيمة
صاح بي
 لاقيمة ابقيت لي ولا فائضها، تأمرني بالكدح عنك
وأنت الذي حولت قانون العمل المأجور
:  قصيدة ً ترددها 
كذاك البلبل الذي نتف ريشه وحياتك في قفص واحد...
ثم أنهى ظلي صراخه قائلا
: ضع عقلك بكفيك أثناء ضربات الجزاء .


يبدو إنكِ ....
هذا وجيز ما قلته ُ لتلك الشمعة في ذلك الفجر..
بيت ٌ( أظلم ) وشمعة ٌ واحدة..
الليل في مسائهِ .
 للهواء الأغبر، تصديتُ بإغلاق النافذات 
وللظلمة ِ بهذه الشمعة الباسلة
أحتملت ْ الشمعة ُ: 
                     المساءَ.... 
                           العشاءَ..........
                                  الجوشن..
لم تدمع عينها.
كشراع غرتها البرتقالية : انتصبت ْ
أعانها الفجر الكاذب
 وحتى لا تبرد الظلمة ارتدت معطفها السميك السواد
فأجهشت الشمعة 
وبخيط ضوئها
 واصلتُ خياطة ( تقاسيم الليل والنهار )
مع الفجر .. 
ساح الشمعدان ببسالتها، وتهت ُ في ( وادي العيون ) 



قبل شهر أختطف َالطفلُ من مطبعة أبيه

  روزنامة السنة الجديدة
وراحَ يشطبُ بالقلم السوفت على ارقام الايام.. ومع كل رقم
أبيّض شعر الطفل 
تجعد وجهه..
تساقطت أسنانه ُ
.ضاقت ملابسه ُ والشوارع
 وقبلهما البيت  ضاق ..
لا هو تعّرف .. والديه 
ولا  هما....
................................................
أحمّل المطبعة مسؤولية ماجرى، فهي لم تكتب بخط أحمر
( تحفظ الروزنامة .. بعيداً عن عبث الصغار ) ..


الطب العدلي لم ير في جسد القاتل
 : قلبا
 رئتين 
عينين 
لا وجود لأذنين على جانبي الرأس
وأكد  تقرير الطب العدلي 
القاتل لم يستعمل يديه للمس الأشياء وآلاف الضحايا
ولا يمكن تحديد نوع الجنس .
وخَتَمَ الطب العدلي تقريره بهذه الجملة
: كان الزنجار متكدسا 
في كل أعضائه ِ


لم نرَ غير صريخها 

ثم ظَهَرَ سوادها، حين سقط ظلها ولم يتكسر أو ينثلم
على أرض الزقاق .
أعني أسقطه ُ بدرُ تلك الليلة وهو يرتفع ُ ويفيض فضة ً
 حتى أصبح 
الليل ُ فضياً.
مِن خلل نوافذنا : كان ظلُها أشبه ُ بجناحين مفتوحين 
على سعتهما.
رأينا ظل َ طيرٍ يدور على نفسه ويدور ويدور على نفسه ..
ويدور.
حين غُلقت َ النوافذ، هل دخل ظل طير في حدقاتنا .؟
أم.. شُبِه لنا ؟
بعد الغلق، خَفت َ صريخها .
نفرٌ منا...
 صار يرسم الظل 
       على وفق نبرات الصريخ 
              كل فرشاة رسمت مارأت 
أو ما تخاف ..
*ظل راقصة تتلوى
*صوت فحيح يزحف ..
*ثمة ظل رَسَمَ ظل َمدفأة ٍ يحلم بقطة 
وحين تثاءبت الفرشاة
أخذ كل منا، يسحب خيطا من الظل وخيطا من الصريخ
حتى حصلنا على 
كرة  ظل -------------- كرة صريخ
وانشغلنا بالحياكة تلك الليلة، علنا نتوصل لحياكة وجه ٍ 
افزعنا..
 وكلما قلنا انتهينا : نَقَضَ الغزلُ غزلهُ ..


كل متاعها مكنسة تتركها
في الليل: لندى الفجر
يفتح الليل خوص ضفائرها
فتستعيد منبتها في
 ذلك العمود الفقري الأخضر المغروس مع عناقيد الذهب المدلاة ..
من تاج النخلة ِ
 ترى بلبلا بطينا يسكر من رطبةٍ برحيىة حتى الثمالة ..
كل متاعها مكنسة
عند صخب الظهيرة وازدحام الشوارع بالمركبات واللغط والأغبرة
ترفع مكنستها لتهبط من شاهق
كظل ذاك الصريخ في تلك الليلة القمراء 
وتكنس هذا الذي
كان يسمى هواءً
وتتقدم بالدوران حول نفسها
تدور.. تدور
             مع 
                         المكنسة..





 
الاسم البريد الاكتروني